الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألون بن مئير - (مدونة الكاتب) 16/10/2026
حين يخلط رئيسٌ بين الولاء الشخصي والواجب العام، وبين تمجيد الذات والقيادة، تدفع الديمقراطية الثمن. ويكشف سلوك ترامب عن نمطٍ مثير والقلق: فقد سخّر الرئاسة لخدمة نرجسيته بدلا من خدمة الأمة.
لا يمكنُ تقدير حجم الضرر الذي ألحقه دونالد ترامب بهذا البلد وبالعالم. والمفارقة مذهلة: فقد خرج من رحم أميركا نفسها التي قادت النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه قلب في مرات لا حصر لها مقتضيات ذلك الدور رأسا على عقب. وهو يتعامل مع المنصب العام كمنصةٍ لتمجيد الذات، وأداةٍ للانتقام، ووسيلةٍ للمطالبة بالولاء الشخصي، في وقتٍ تتطلب فيه رئاسة الولايات المتحدة على وجه الخصوص حسن التقدير وضبط النفس والالتزام بما هو أسمى من الذات.
ينبع سلوك ترامب وتصرّفاته من نرجسيته الاستثنائية التي تطبع كل خطوة يخطوها وكل سياسة يعلنها. وما يبعث على القلق البالغ هو أنه كان ينبغي أن تكون حقيقة هذا الرجل واضحة للجميع بعدما شهدوا سماته النرجسية تتجلى بكل وضوح خلال ولايته الأولى. لكن ذلك لم يكن مهمّا للجمهوريين الذين أعادوه إلى منصبه اعتقادا منهم بأنه سينفّذ أجندتهم، بصرف النظر عن تداعياتها بالغة الضرر على المستوى الوطني.
والآن، بعد عامين من ولايته الثانية، تدرك أغلبية ساحقة من الشعب الأميركي، بمن فيهم عدد متزايد من الجمهوريين، حجم الضرر الذي لا يمكن تصوّر مداه، والذي ألحقه بأميركا وبالنظام العالمي.
وليست السمات الاثنتي عشرة التالية لنرجسية ترامب حصرا شاملا لخصائصها، ولا تشخيصا سريريا، وإنما هي صورة لسلوكيات يمكن ملاحظتها، تُظهر كيف قَوَّض انشغاله الدؤوب بذاته مسؤوليات القيادة الديمقراطية، وألحق أضرارا بالبلد والعالم تفوق كل تصوّر.
النزوع الدؤوب إلى تعظيم الذات
إن ما يُبقي ترامب على قيد الحياة هو تعظيم الذات؛ وتشكل نرجسيته جزءا من تكوينه الجيني، ولا شيء يردعه عن إظهار سماته النرجسية القبيحة. وفي 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، أعلن ترامب مجددا أنه يستحق جائزة نوبل للسلام، مستشهدا بتقديم ماريا كورينا ماتشادو ميداليتها له، وبإشادتها بجدارته بالحصول على الجائزة. وقد وضعت تصريحاته الاعتراف الشخصي في صميم روايته للدبلوماسية الدولية.
حاجة ترامب النهمة إلى الثناء
في 2 أيار (مايو) 2025، نشر ترامب صورة لنفسه مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، ظهر فيها مرتديا زيّ البابا. وفعل ذلك بعد وقت قصير من حضوره جنازة البابا فرنسيس؛ ثم أعاد البيت الأبيض نشر الصورة. وعلى الرغم من وصفه الأمر بأنه مزحة، فقد استحوذت هذه الواقعة على لحظة حداد ديني وانتقال في المنصب لتوظيفها في استعراض الذات، تاركة انطباعا عالميا راسخا لا جدال فيه عن مدى خطورة الأوهام التي يعيش هذا الرجل في أسرها.
الشعور بالاستحقاق
يحاول ترامب ملء روحه الخاوية بادعاء استحقاقه امتيازات خاصة. في 19 شباط (فبراير) 2025، واحتفاء بمساعي إدارته إلى إنهاء نظام تسعير الازدحام المروري في نيويورك، أعلن ترامب: "عاش الملك"! وعمّم البيت الأبيض صورة له وهو يرتدي تاجا، مقدّما ممارسة للصلاحيات التنفيذية باعتبارها انتصارا للسلطة الشخصية الملكية؛ في تجلٍّ آخر للاضطراب النفسي الذي يعاني منه رجل يُوصَف بأنه زعيم العالم الحر.
المبالغة
يتمادى ترامب في مبالغاته إلى أن يخلق واقعا جديدا. وقد تجلّى ميله المعتاد إلى المبالغة بوضوح صارخ في مقابلة أجراها مع مجلة "تايم" في 22 نيسان (أبريل) 2025، حين أعلن: "أبرمتُ 200 صفقة" بشأن التجارة، وعندما طُلب منه توضيح ذلك، أكّد: "بنسبة 100 في المئة". ومع ذلك، لم تكن إدارته قد أعلنت إبرام اتفاق تجاري واحد مكتمل بينما كانت المفاوضات مع شركاء رئيسين جارية. وبذلك قدّم مفاوضات لم تُستكمل بعد على أنها انتصارات تحققت بالفعل، وضخّم إنجازاته لتعظيم مكانته العامة بينما كان يفقد المصداقية الدولية التي تشكّل ركيزة أساسية للقيادة الأميركية.
الكذب المعتاد
في 18 شباط (فبراير) 2025، ألقى ترامب باللوم زورا على أوكرانيا في إشعال الحرب مع روسيا، قائلا: "ما كان ينبغي لكم أن تبدأوها قط". لكن روسيا هي التي كانت قد شنّت غزوها الشامل لأوكرانيا في 24 شباط (فبراير) 2022، وهي حقيقة موثّقة أعاد حتى مايك بنس، نائب الرئيس السابق في عهد ترامب، تأكيدها علنا في الرد على تصريحاته. وبذلك قلب ترامب الأدوار، فجعل المعتدي ضحية والضحية معتدية، مستبدلا بالوقائع الثابتة رواية ملائمة لحساباته السياسية، في حين ابتهج بوتين وظل الأوكرانيون يدفعون ثمن ذلك بدمائهم.
الاستهانة بالحقيقة
في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2024، دافع ترامب عن ادعائه أن المهاجرين الهايتيين في مدينة سبرينغفيلد بولاية أوهايو كانوا يأكلون الحيوانات الأليفة للسكان، على الرغم من تأكيد المسؤولين المحليين والشرطة مرارا عدم وجود أي بلاغات موثوقة تدعم هذا الادعاء. وعندما اعترض أحد الناخبين على كلامه خلال لقاء مفتوح نظّمته شبكة "يونيفيجن"، أجاب: "كنتُ أكتفي بترديد ما نُشر في التقارير". وبدلا من الاعتراف بالخطأ وتصحيح المعلومات، استند إلى تقارير لم يسمّها ليُبقي اتهاما فقد مصداقيته حيّا، مبدّدا بذلك ما تبقّى له من ذرة ثقة.
التنصّل من المسؤولية عن الإخفاقات
يُعرف عن ترامب أنه لا يتحمّل المسؤولية مطلقا عندما تسوء الأمور، ويسارع إلى نسبة الفضل إلى نفسه عندما تسير على ما يرام، حتى عندما لا يكون له أي دور فيها. في 13 آذار (مارس) 2020، وعندما سُئل عن الإخفاقات في إجراء فحوص الكشف عن فيروس كورونا، أجاب ترامب: "أنا لا أتحمّل أي مسؤولية على الإطلاق". وألقى باللوم على الظروف التي ورثتها إدارته واللوائح التنظيمية، متنصّلا بذلك من مسؤوليته عن إخفاق أساسي في مجال الصحة العامة وقع في ظل إدارته.
ازدراء الانتقادات
تجلّى عدم تسامح ترامب مع التدقيق والمساءلة مرارا. في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، وعندما ضغطت عليه كاثرين لوسي، مراسلة وكالة "بلومبرغ"، بسؤال ملفات جيفري إبستين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، قاطعها قائلا: "اخرسي. اخرسي، أيتها الخنزيرة الصغيرة". وبدلا من الإجابة عن سؤال مشروع، لجأ إلى الإذلال الشخصي، وإلى الحطّ من شأن المرأة على أساس جنسها، وهو أسلوب آخر مألوف لدى ترامب الذي يتعامل مع المساءلة الصحفية باعتبارها إساءة تستوجب الإهانة.
النزعة الانتقامية تجاه مَن يعتبرهم أعداءه
اتخذت نزعة ترامب الانتقامية شكلا ملموسا في أيلول (سبتمبر) 2025 عندما عيّن ليندسي هاليغان، محاميته الشخصية السابقة، للإشراف على الملاحقات القضائية بحق مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيسيا جيمس، بعد أن رفض سلفُها المضيّ في توجيه اتهامات، مستندا إلى عدم كفاية الأدلة. ونجحت هاليغان في استصدار لوائح اتهام بحق الاثنين، محوّلة مطالب ترامب بمعاقبتهما إلى ملاحقات جنائية. لكنّ قاضيا اتحاديا أسقط القضيتين، وقال إن تعيين هاليغان تم بصورة غير قانونية.
اللامبالاة بمعاناة الآخرين
في 1 تموز (يوليو) 2025، وقبل زيارته مركز احتجاز المهاجرين في فلوريدا المعروف باسم "ألكاتراز التماسيح"، أطلق ترامب مزحة بشأن المهاجرين الذين قد يواجهون التماسيح إذا حاولوا الفرار. وقال، وهو يرسم بيده حركة متعرجة: "لا تركضوا في خط مستقيم. اركضوا هكذا". ثم أضاف: "أتعرفون ماذا؟ ترتفع فرص نجاتكم بنحو واحد في المئة". وبذلك حوّل احتمال فرار بشر مذعورين من حيوانات مفترسة إلى مادة للتندر، في استعراض مقلق للامبالاة بهشاشتهم وضعفهم، ومشهد مقزّز شاهده الجميع.
الاندفاعية
في 9 نيسان (أبريل) 2025، أعلن ترامب، على نحو مفاجئ، تعليقا لمدة 90 يوما للرسوم الجمركية الأعلى المفروضة على معظم الشركاء التجاريين، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من دخول تلك الرسوم حيّز التنفيذ. وجاء تراجعه بعد أيام من الاضطرابات في الأسواق، التي محَت تريليونات الدولارات من قيمة الأسهم. ولتفسير هذا التحوّل، قال إن الناس بدأوا يشعرون بـ"التوتر والارتباك" و"بشيء من الخوف". ويقدّم ذلك مثالا لافتا على فرض سياسات واسعة النطاق أولا، ثم إعادة النظر فيها فقط بعد أن أصبحت عواقبها من الوضوح بحيث لم يعد في وسع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة تجاهلها.
إثارة الانقسامات
تجلّت نزعة ترامب إلى إثارة الانقسامات بوضوح صارخ في 2 كانون الأول (ديسمبر) 2025، عندما وصف المهاجرين الصوماليين بأنهم "قمامة"، خلال اجتماع متلفز لمجلس الوزراء، وأعلن أنهم "لا يقدّمون أي شيء"، مضيفا: "نحن لا نريدهم في بلدنا". وقد استهدفت إدانته التعميمية مجتمعا بأكمله بدلا من أفراد بعينهم أو أفعال غير قانونية محددة، مقدّما الأشخاص من أصول صومالية على أنهم غير مرغوب فيهم بطبيعتهم، ومحيلا الهوية الوطنية إلى سلاح للإقصاء.
إن نرجسية ترامب ليست مجرد إخفاق شخصي؛ إنها خطر يهدّد جمهورية يتوقف بقاؤها على وجود قادة -والرئيس في مقدمتهم- يحترمون الحدود التي تقيّد سلطاتهم، ويقبلون المساءلة، ويخدمون غاية أسمى من ذواتهم. وما يزيد الأمور سوءا أن تحلّ ولاءات المسؤولين الجمهوريين لرجل واحد محل ولائهم للدستور؛ عندئذ تصبح الحقيقة شيئا يمكن التضحية به، وتصبح القسوة أمرا مقبولا، وتتحوّل السلطة العامة إلى أداة للانتقام الشخصي.
لا يستطيع الجمهوريون الذين يواصلون تمكين ترامب التنصّل من مسؤوليتهم عن الأضرار التي يسهمون في استمرارها. والخيار المطروح أمامهم ليس بين ترامب والديمقراطيين، وإنما بين الخضوع لرجل والوفاء للجمهورية. إن نرجسية ترامب تدمر أميركا حجرا حجرا. ويبدو أن الجمهوريين لا يدركون أن الرئاسة ملك للشعب الأميركي، وليس لغرور الشخص الذي يشغل المنصب.
سوف يكون الدفاع عن هذا المبدأ وطنية وليس انحيازا حزبيا. لكنّ الجمهوريين فقدوا هذا الشعور منذ زمن بعيد، وهم يتبعون بلا تفكير نرجسيا لا يمتّ إلى الوطنية الأميركية بصلة.
الدكتور ألون بن مئير هو رئيس معهد تسوية النزاعات الإنسانية.
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي مقيم في الولايات المتحدة، ورئيس معهد تسوية النزاعات الإنسانية. يُعرف بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذا للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. يمتاز بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Narcissist in Chief