الدستور
لا تزال الأنظار تتجه إلى اللحظات الأخيرة قبل الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يلف الغموض معظم البنود التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. ولا يتعلق الأمر هنا بعلاقة ثنائية بين دولتين، بل بملف يمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة الملاحة والاستقرار السياسي في منطقة تعد الأكثر حساسية في العالم.
ورغم ذلك، يبدو أن بقية دول العالم تقف في موقع المتفرج، تنتظر ما ستقرره واشنطن وطهران، فيما تراقب إسرائيل التطورات باعتبارها الطرف الأكثر تأثيراً في مستقبل أي اتفاق. هذه الصورة تطرح سؤالاً أكبر من الاتفاق نفسه، وهو (هل أصبح النظام الدولي عاجزاً عن المشاركة في صناعة القرارات التي تمس مصالحه، أم أن العالم بات ينتظر ما يقرره طرف واحد ثم يتعامل مع النتائج؟).
الحرب الأخيرة أظهرت أن قرار التصعيد لا يبقى محصوراً بين أطرافه المباشرين. فأسواق النفط اهتزت، وأسعار الشحن والتأمين ارتفعت، وحركة التجارة تعرضت لضغوط كبيرة، بينما عاش ملايين البشر حالة من القلق خشية توسع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة. وعندما تكون الخسائر عالمية بهذا الحجم، يصبح من الطبيعي أن يكون القرار أيضاً مسؤولية جماعية، لا قراراً تتخذه عاصمة واحدة ثم يُطلب من الجميع التكيف معه.
ما يثير التساؤلات أيضاً هو طبيعة السياسة الأمريكية في إدارة الأزمات. فمن يراقب المشهد يلاحظ أن واشنطن قادرة على الانتقال من لغة الحرب إلى لغة التفاوض خلال فترة قصيرة، ثم العودة إلى سياسة الضغوط إذا تغيرت الظروف. هذه المرونة قد تُفسَّر بأنها قادرة على إدارة الملفات المعقدة، لكنها في المقابل تخلق حالة من عدم اليقين لدى الحلفاء والشركاء الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى تعديل سياساتهم باستمرار وفق التحولات الأمريكية.
وفي حال نجحت واشنطن في توقيع اتفاق جديد مع إيران، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في التوقيع نفسه، بل في بناء الثقة بأن هذا الاتفاق سيصمد، وأن السياسة الأمريكية لن تتغير بعد أشهر مع تغير الحسابات الداخلية أو الضغوط الإقليمية. فالاستقرار لا يصنعه توقيع سياسي فقط، بل تصنعه القدرة على الالتزام والاستمرارية.
إدارة الرئيس دونالد ترامب تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في طمأنة الحلفاء بأن القرارات الكبرى لن تُدار بمنطق المفاجآت. فالدول التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة تحتاج إلى وضوح في الرؤية وإلى شراكة في إدارة الملفات التي تؤثر مباشرة في أمنها واقتصادها، وليس الاكتفاء بإبلاغها بالنتائج بعد اكتمال التفاهمات.
كما أن أي اتفاق لا يراعي هواجس القوى الإقليمية، ولا يقدم تصوراً واضحاً لمعالجة الملفات العالقة، سيظل معرضاً للاهتزاز عند أول أزمة. فالمنطقة لا تحتاج إلى هدنة قصيرة بقدر حاجتها إلى تفاهمات مستقرة تقلل احتمالات العودة إلى المواجهة وتمنح الاقتصاد العالمي قدراً أكبر من اليقين.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني، بل بمستقبل النظام الدولي نفسه. فإذا كانت القرارات التي تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي تُصنع داخل دائرة ضيقة ثم تُفرض نتائجها على الجميع، فإن الثقة في منظومة التحالفات الدولية ستواجه اختباراً حقيقياً.
العالم لا يحتاج إلى إدارة أحادية للأزمات، بل إلى شراكات أوسع في صناعة القرار؛ لأن تكلفة الحرب لا يدفعها طرف واحد، وتداعياتها لا تتوقف عند حدود دولة بعينها. وعندما تكون الخسائر مشتركة، فإن المسؤولية عن القرار يجب أن تكون مشتركة أيضاً، حتى لا يبقى الملايين ينتظرون كل مرة قراراً يصدر من غرفة مغلقة ليحدد مصير منطقة بأكملها، وربما مصير الاقتصاد العالمي معها.