الغد-عزيزة علي
سلطت محاضرة نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين، فرع الزرقاء، الضوء على الإرث الحضاري والثقافي والتاريخي للأردن ولمدينة الزرقاء ومحيطها، مستعرضة نتائج ثلاثة عقود من الدراسات الأنثروبولوجية الميدانية التي وثقت ملامح التراث المحلي، والمواقع الأثرية والتاريخية، والعادات والتقاليد، وأنماط الحياة والتكوين الاجتماعي والثقافي للمجتمعات المحلية.
وتناولت المحاضرة، التي قدمها أستاذ الأنثروبولوجيا التاريخية في جامعة آل البيت، الدكتور عبد العزيز محمود هويدي، وأدارتها الشاعرة والفنانة التشكيلية كفاية عوجان، التحولات التي شهدتها المنطقة عبر العصور، بدءا من الشواهد الأثرية التي تعود إلى فترات تاريخية موغلة في القدم، مرورا بالمعالم التراثية المرتبطة بالقوافل التجارية وطرق الحج، وصولا إلى مظاهر النمو العمراني والديموغرافي والتنوع الاجتماعي والثقافي الذي يميز مدينة الزرقاء.
وأكدت المحاضرة أهمية توثيق هذا الإرث الحضاري والثقافي والحفاظ عليه، بوصفه جزءا من الذاكرة الوطنية والسردية الأردنية، وضرورة الاستفادة من مقوماته التاريخية والتراثية في تنشيط السياحة الثقافية والاجتماعية، وتعزيز الهوية المحلية وربط الأجيال الجديدة بتاريخ المنطقة وخصوصيتها الثقافية.
وتناول هويدي، خلال المحاضرة التي أُقيمت أول من أمس، مفهوم الأنثروبولوجيا، بوصفها علم الإنسان، وتعريفها واهتماماتها الموضوعية والمنهجية، وأبرز فروعها، بما في ذلك الأنثروبولوجيا الطبيعية (الفيزيقية)، التي تُعنى بالتكوين الجسدي والحيوي للإنسان، والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، التي تدرس المجتمعات الإنسانية وثقافاتها وأنماط حياتها.
واستعرض العلوم والمعارف المرتبطة بالأنثروبولوجيا، ومنها الإثنولوجيا، التي تُعنى بدراسة الجماعات البشرية ومقارنتها، والإثنوغرافيا، التي تختص بوصف الشعوب ومجتمعاتها وثقافاتها، إلى جانب التاريخ المقارن.
وتحدث هويدي عن تجربته في الدراسات الأنثروبولوجية الميدانية على مدى ثلاثة عقود، شملت بيئات ومناطق أردنية متنوعة، امتدت من الريف والبادية إلى الأغوار والمدن والتجمعات السكانية. وقدم نماذج من نتائج هذه الدراسات والمشروعات البحثية التي أنجزها، ونُشرت في كتب مؤلفة وأبحاث علمية في مجلات متخصصة، مستعينا بالنصوص والصور التوثيقية لإبراز ملامح التراث والثقافة في تلك المناطق.
وطرح المحاضر تساؤلا حول مدى إمكانية بناء أنثروبولوجيا تنطلق من الخصوصية الأردنية وتعبر عنها، في ضوء ما تكشفه الدراسات الميدانية من سمات اجتماعية وثقافية وتراثية مميزة. وتوقف المحاضر عند عدد من الدراسات التي أُجريت في جنوب الأردن، وشملت قرى ومناطق تاريخية وتراثية في محافظة الكرك، من بينها قرية "عينون، وكثربا ومحي ومدين".
كما عرض نتائج دراسات تناولت البيئة والثقافة والمجتمع في مناطق الأغوار الجنوبية، بما فيها غور الصافي والمزرعة والحديثة، إضافة إلى مناطق لواء الشونة والكفرين. وتطرق كذلك إلى نتائج الدراسات الميدانية في محافظة المفرق، ولا سيما في بلدتي رحاب وحيان المشرف، إلى جانب أبحاث تناولت مناطق البادية الشمالية الأردنية، بما فيها مدينة أم الجمال الأثرية، وبلدات وقرى السرحان، والباعج وصبحة وصبحية وأم القطين.
وشملت العروض أيضا نماذج من المعالم التراثية والثقافية في وادي العاقب ووادي راجل، في أقصى البادية الشمالية، فضلا عن مشروع لدراسة المساجد التاريخية والتراثية وتوثيقها، وعرض صور ومعلومات عن المدافن الرجمية الحجرية وعدد من المواقع الأثرية.
وسلطت المحاضرة الضوء على أهمية الدراسات الأنثروبولوجية الميدانية في توثيق التراث الأردني، وفهم التحولات الاجتماعية والثقافية، والكشف عن الخصائص التي تميز البيئات المحلية، بما يسهم في حفظ الذاكرة التراثية وتعزيز المعرفة بالمجتمع الأردني وتنوعه الثقافي.
وتناول هويدي في المحاضرة البحث في عناصر التراث الثقافي المادي ووصفها، بما في ذلك المساكن التقليدية والتراثية في القرى القديمة، والمبنية من الحجر والطين، مستعرضا نماذج من أنماط الحياة والأنشطة اليومية للمجتمعات المحلية في مناطق انتشارها.
كما استعرض المواقع الأثرية والتراثية في محافظة الزرقاء ومحيطها، مسلطا الضوء على أهميتها التاريخية والاستراتيجية، باعتبار المنطقة معبرا للقوافل التجارية القديمة، ومحطة على طريق الحج الشامي عبر العصور. وأشار إلى ما تزخر به هذه البيئة من مقومات سياحية متنوعة، تشمل السياحة التاريخية والأثرية والتراثية والدينية، مستعينا بالصور والرسوم التوضيحية لعرض عدد من المواقع الطبيعية والأثرية والتراثية.
واستهل المحاضر عرضه بصور توضح التكوينات الجيولوجية والطبيعية لوادي الزرقاء، الذي عُثر فيه على بقايا مستحاثات حيوانية وأدوات ثقافية تعود إلى أكثر من مليوني عام، وفق ما عرضه من نتائج الدراسات الميدانية.
كما عرض نماذج من المدافن الحجرية المعروفة بالدولمنات، التي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، في موقعي خريسان والكمشة. وأشار إلى كهف صقرة، الذي تناوله بوصفه أحد المواقع المرتبطة بمأوى الإنسان في الفترات المناخية المطيرة، التي سادت خلالها بيئات السهوب العشبية، في موقع عرنوس الواقع بين الضليل والهاشمية.
وتطرقت المحاضرة إلى عدد من المواقع والخِرَب الأثرية في محافظة الزرقاء، من بينها خربة الحديد الواقعة شرق المدينة، وخربة خو، اللتان تضمان بقايا مبانٍ وأسوار وبرك للحصاد المائي، تعود إلى العصور الكلاسيكية، ابتداء من القرن الثالث الميلادي.
كما تناول هويدي خربة البحراوي، التي تعود، وفق ما عرضه، إلى العصر البرونزي المبكر، في الألف الرابع قبل الميلاد، إلى جانب مواقع أثرية أخرى، منها خِرَب الرصيفة ورجم الشوف وخربة السور في وادي العش، التي تضم محاجر استُخرجت منها مواد بناء الأعمدة الرومانية.
واستعرض المحاضر صورا ومعلومات تاريخية عن قصر شبيب، الذي يُعد من أبرز المعالم الأثرية في مدينة الزرقاء، إلى جانب طريق تراجان الروماني، الذي أُنشئ عام 106 ميلاديا، ويمتد عبر مناطق الياسمين والتربة السمراء شمالا.
وشمل العرض كذلك قصر الحلابات وقصير عمرة وقلعة الأزرق، من خلال صور توثق هذه المواقع وتبرز قيمتها التاريخية والأثرية ضمن المشهد التراثي الأردني.
وفي الجانب المتعلق بالتراث الثقافي والاجتماعي في الزرقاء، تناولت المحاضرة العادات والتقاليد وملامح التكوين الاجتماعي والثقافي في المدينة ومحيطها القروي، مع عرض نماذج مصورة وإيضاحات تناولت التراث الشعبي، ومظاهر الثقافة المادية وغير المادية، والفنون الشعبية، والأزياء التقليدية، والعمارة التراثية، ومواد البناء المستخدمة فيها، وخصائص تصميمها المعماري، إلى جانب التحولات التي طرأت عليها.
ولفت إلى ما تتميز به الزرقاء من تنوع اجتماعي وثقافي، باعتبارها مدينة تجمع العمال والعسكريين والطلاب والمثقفين، وتحتضن نسيجا مجتمعيا متنوعا تسوده قيم التآخي والتعايش.
وخلص هويدي إلى أهمية الإرث الحضاري والثقافي والتاريخي لمدينة الزرقاء ومحيطها في إبراز السردية الوطنية الأردنية وتعزيز حضورها، مؤكدا ضرورة الحفاظ على هذا الإرث وتوثيقه.