عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2026

"المعيار الوحيد".. تبسيط الواقع وتشويهه*موفق ملكاوي

 الغد

على مستوى الفيزياء أو الرياضيات قد توجد قوانين دقيقة تحكم ظواهر محددة، لكن عندما ننتقل إلى الإنسان والثقافة والأخلاق والسياسة والهوية والتاريخ، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدا، فمسائل مثل الحب والعدالة والحرية والكرامة والجمال، كلها مفاهيم لا تخضع عادة لقراءة واحدة.
 
 
لكن مفهوم «المعيار الوحيد»، الذي ينتهجه كثير من الأفراد والجماعات كطريقة كاملة في النظر إلى العالم والإنسان والحقيقة والاختلاف، يدعي امتلاك القدرة على الحكم، وتحديد المسار الصحيح في جميع الأمور.
في الفلسفة، يمكن مقاربة المفهوم من خلال فكرة الأحادية في مقابل التعددية، فالأحادية تفترض حقيقة واحدة نهائية، ومنهجا واحدا صحيحا، وقيمة عليا واحدة يجب أن تخضع لها بقية القيم. أما التعددية فتفترض أن الإنسان يعيش وسط حقائق وقيم وتجارب لا يمكن اختزالها في قالب واحد.
العلوم الإنسانية والاجتماعية ترفض القراءات القسرية، فعندما يقال إن هناك «قراءة واحدة للتاريخ»، أو «فهما واحدا للدين»، أو «تعريفا واحدا للوطنية»، نكون غالبا أمام مشروع أيديولوجي أكثر من كونه مشروعا معرفيا، فالإصرار على «معيار وحيد» في القضايا الإنسانية هو نوع من تبسيط الواقع إلى درجة تشويهه.
خطورة مثل هذا الفكر تتأتى من أنه ينتج ظواهر مرضية، فالاعتقاد أننا نمتلك الحقيقة الوحيدة يفترض أن المختلف معنا يصبح «خاطئا» ثم «خطرا». كما أن الأحادية تفرز خوفا من السؤال الذي يعد تهديدا للبناء المغلق، ما يؤدي إلى تجميد الإبداع الذي يولد من الاحتكاك بين الرؤى المختلفة، وليس من منطق الطاعة المطلقة التي تؤدي إلى «تحنط الإبداع».
من البديهي أنه ليس هناك شعبا مستعدا «جينيا» لأن يكون أحاديا أو تعدديا، لكن ظروفا تاريخية معينة، تراكمات نفسية وسياسية وثقافية تدفع المجتمعات لذلك. علماء الاجتماع يرون أن الحروب الطويلة، مثلا، تؤدي إلى التقوقع بسبب شيوع الخوف، لتدخل تدريجيا في ما يسمى «عقلية البقاء»، فيتحدد الخطاب العام باختزال العالم إلى ثنائيات صارمة مثل «مع وضد»، و»وطني وخائن»، وغيرها من الثنائيات التي تسهم في اختفاء المساحات الرمادية.
في مساره الطويل وترسخه في الفكر المجتمعي، يؤدي مفهوم «المعيار الوحيد» إلى إنتاج أنظمة شمولية تسعى للسيطرة المطلقة على حياة الأفراد والمجتمع؛ سياسا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، من دون أن تسمح بأي شكل للمعارضة أن يعبر عن نفسه، وهي الظاهرة التي درستها الفيلسوفة الألمانية الأميركية حنة آرنت، وكشفت عن كيفية نهوض الأنظمة الشمولية على ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية وسحق التنوع الإنساني.
هذا الأمر تجلى في حالة ألمانيا النازية باستثمار النظام الإحساس الجمعي بالهزيمة بعد الحرب العالمية الأولى، وتحويل الخوف الجمعي إلى فكرة أن هناك طريقا واحدة لإنقاذ الأمة من خلال العرق والقوة والطاعة، ما مهد لاحقا لصعود النازية. الحرب، بطبيعتها، لا تخلق الفكر الأحادي مباشرة، ولكنها تجعل الناس أكثر استعدادا للتخلي عن التعدد مقابل الشعور بالأمان، ما يؤدي إلى أن يصبح التنوع رفاهية مؤجلة، بينما تتحول الوحدة والانضباط إلى ضرورة وجودية.
الاستبداد السياسي، كذلك، قد ينتج فكرا مجتمعيا أحاديا، فالأنظمة السلطوية تحتاج إلى رواية واحدة، لأن التعدد يفتح الباب للمساءلة، لذلك تسيطر الأنظمة على التاريخ والمناهج والإعلام والذاكرة الوطنية، لتصب جميعها بقصة مركزية واحدة تؤكد احتكار تفسير الوطن والوطنية.
الأنظمة الشمولية، بحسب آرنت، تتعدى فكرة السيطرة على السياسة، نحو السعي إلى السيطرة على تفسير الواقع نفسه، فيصبح الاختلاف الفكري محرما، كونه مصدر تهديد للنظام.
المؤسسات التعليمية القائمة على التلقين، ساهمت هي الأخرى في شيوع الأحادية، من خلال التعليم القائم على الحفظ وإهمال صناعة السؤال، ليتم تشكيل العقل وفق فكرة أن المعرفة شيء جاهز ومغلق. نموذج المرسل والمستقبل القائم على أسس لا علاقة لها بإنماء العقل والتفكير، واعتماد الامتحان لقياس الحفظ وليس الفهم، كلها تسهم بإنشاء الفرد على أن الحقيقة تأتي من أعلى، وليس من البحث.
في كتابه الثوري «تعليم المقهورين»، يسمي التربوي البرازيلي باولو فريري هذا النوع من التعليم بـ»التعليم البنكي»، حيث يتم إيداع المعرفة في الطالب كما تودع الأموال في البنك، ما ينتج فردا قد يصبح ناجحا أكاديميا، لكنه ضعيف في النقد ومساءلة المسلمات وتقبل الرأي الآخر، وهي بيئة مثالية لنشوء «المعيار الوحيد».