عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Sep-2026

هل سيصبح الشتاء المقبل قاسيا؟

 الغد

أظهرت دراسة علمية نشرت مؤخرا أن أنماط التيارات الهوائية في الغلاف الجوي للأرض تشهد تغيرات كبيرة ستزيد من شدة الرياح والعواصف الرملية في المنطقة العربية وحوض المتوسط خاصة في فصل الشتاء. هذه التغيرات من المتوقع أن تكون لها تأثيرات عميقة على الأمن المائي والغذائي ومستقبل مشاريع الطاقة النظيفة في المنطقة.
 
 
تؤدي الرياح دورا حيويا في تشكيل أنماط الطقس، حيث تسهم في توزيع الحرارة والرطوبة عبر المناطق المختلفة. يقول  أستاذ الجغرافيا في جامعة عبد المالك السعدي بتطوان المغربية، الدكتور عادل الصالحي في حوار مع الجزيرة نت، إن الرياح هي المحرك الذي ينقل الحرارة والرطوبة والغبار عبر الكوكب. فهي التي تحرك السحب وتوزع الأمطار وتضبط عمليات تبخر المياه من التربة وفوق البحار، وأي تحوّل فيها يجرّ خلفه سلسلة تغيّرات تطال الزراعة والمياه وحتى انتشار الملوثات، وفق ما نشر على موقع "الجزيرة نت".
ويضرب الباحث مثالا بحبيبات الغبار المتطاير من الصحراء الكبرى التي تعبر المحيط الأطلسي أحيانا لتغذي غابات الأمازون بمعادن نادرة، في رحلة تبدأ من هبّة رياح فوق الصحراء وتنتهي على بُعد آلاف الكيلومترات.
لكن ما الذي يدفع هذه الأنظمة الهوائية للتحول؟ الإجابة تكمن، وفق عادل، في ميكانيكا فيزيائية واحدة ذات وجهين. يحدث على شكل ظاهرتين مناخيتين هما وجهان لعملية واحدة.
الظاهرة الأولى هي توسّع تدريجي في "خلية هادلي"، وهي منظومة الدوران الهوائي الكبرى التي تنقل الهواء الدافئ من المناطق الاستوائية نحو خطوط العرض شبه المدارية، ثم تُعيده هابطًا نحو السطح لتتشكل أحزمة الضغط المرتفع الجافة. هذا التوسّع الذي يحدث بفعل زيادة التبخر الناتج عن ارتفاع درجة الحرارة عند خط الاستواء، يدفع الرياح نحو الاشتداد في الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى.
الظاهرة الثانية هي الاحترار المتسارع في القطب الشمالي، الذي يفوق في سرعته المتوسط العالمي بمرتين إلى 3 مرات، مما يضعف التباين الحراري بين القطب والمناطق الاستوائية، فيؤدي إلى إضعاف الرياح فوق كندا وسيبيريا وشمال أوروبا.
أما من الناحية الإحصائية الدقيقة، فقد وجد الباحثان أن التغيّر في إفريقيا يحمل بصمة قوية للتأثير البشري، إذ يفسّر الاتجاه طويل الأمد نحو 42 % من التذبذب السنوي، بينما تهيمن التقلبات الطبيعية الداخلية على أكثر من 95 % من التغيّر في أمريكا الشمالية وآسيا، وهو ما يعني أن تأثير بصمة الإنسان في تغيير أنماط الرياح ينحصر في بعض المناطق دون أخرى، بحسب الدراسة.
أظهرت النتائج بوضوح، وفق عادل، حدوث تغيرات في حركة الرياح خلال العقود الأربعة الماضية في أجواء الأرض بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتمثلت ملامح هذه التغيرات فوق المنطقة في زيادة تراكمية تناهز 5% إلى 8 % في شدة الرياح على طول الحزام المتصل للرياح المتصاعدة الممتدة من غرب الصحراء الكبرى إلى صحاري آسيا الوسطى شرقًا عبر الساحل وشبه الجزيرة العربية وهضبة إيران، خلال 44 عاما.
وأضاف أن هذه الزيادة في شدة الرياح ذات طابع شتوي، حيث تبلغ التغيرات في فصل الشتاء من ضعفين إلى 3 أضعاف نظيرتها الصيفية، مما يعني أن رياح الشمال فوق العراق والخليج، ورياح الشمال الغربي الشمالية، ورياح الهرمتان الجافة فوق الساحل الإفريقي، باتت تهب بوتيرة أعلى في الأشهر الباردة تحديدا.
بمعنى آخر فإن تمدد خلية هادلي نحو شمال المناطق المدارية يدفع أحزمة الضغط الجوي المرتفع نحو المنطقة العربية مسببة زيادة في الرياح والجفاف مع ما يرافقهما من ضغط قاسٍ على الموارد المائية والزراعية.
تأثيرات واسعة على الماء والغذاء والطاقة
تأثير هذه التغيرات يشمل الأمن المائي والغذائي، ومستقبل مشاريع الطاقة النظيفة في المنطقة، حيث كشف أستاذ الجغرافيا في جامعة عبد المالك السعدي أن الرياح التي لا تتجاوز سرعتها 8 إلى 12 مترا في الثانية، إذا استمرت ساعات متواصلة خلال موسم امتلاء الحبوب صيفا، تكون كافية لإحداث ظاهرة "رقاد المحاصيل" وهي انحناء دائم لسيقان القمح والشعير يمكن أن ينجم عنه خسارة 40 % من المحاصيل في المناطق الأكثر عرضة.
تأثير هذه التغيرات سيتفاقم مستقبلا، وفق الباحث، فما تم رصده "ليس عابرا، بل يعكس إعادة تنظيم فعلية في آلية الدوران الجوي الكبرى"، مرجحا أن تتراكم آثاره على الماء والزراعة والطاقة ما لم تتغيّر مسارات الاحترار العالمي نفسها.