الدستور
من يراقب حركة التصريحات الإيرانية خلال الأيام الأخيرة يلاحظ شيئاً واضحاً، فطهران ترفع سقف الكلام أكثر مما ترفع سقف الفعل. التهديد بإغلاق مضيق هرمز يتكرر، والخطاب التصعيدي حاضر بقوة، لكن خلف هذه اللغة تبدو إيران أكثر حذراً مما تحاول إظهاره. فهي تعرف أن أي خطوة فعلية في المضيق لن تُقرأ كرسالة سياسية فقط، بل كتهديد مباشر للاقتصاد العالمي، وهذا ما قد يدفع المنطقة كلها إلى مواجهة لا تبدو طهران مستعدة لها فعلياً.
إيران تدرك أن مضيق هرمز هو الورقة الأهم التي تملكها. فالممر البحري ليس مجرد خط ملاحي، بل نقطة حساسة تمر عبرها نسبة ضخمة من صادرات النفط والتجارة العالمية. لهذا تحاول طهران دائماً إبقاء هذه الورقة حاضرة في أي أزمة، لأنها تعرف أن العالم يتعامل مع أمن المضيق باعتباره خطاً أحمر.
لكن المشكلة بالنسبة لإيران أن قدرتها على استخدام هذه الورقة أصبحت أكثر تعقيداً من السابق. أي تعطيل واسع للملاحة اليوم لن يضر خصومها فقط، بل سيضرب ما تبقى من الاقتصاد الإيراني نفسه، وسيمنح القوى الدولية مبرراً لتحرك عسكري وسياسي أكبر. لذلك تبدو طهران وكأنها تبحث عن «تصعيد محسوب»؛ ضجيج سياسي وعسكري يمنحها صورة القوة دون الوصول إلى لحظة الانفجار الكبير.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أقل اهتماماً بفكرة التفاوض التقليدي. الرسائل الأميركية الأخيرة توحي بأن واشنطن لا تريد العودة إلى سياسة شراء الوقت مع إيران، بل تريد فرض معادلة جديدة بالكامل. ولهذا فإن أي مقترحات أميركية مطروحة اليوم لا تبدو قابلة للنقاش من وجهة النظر الإيرانية، لأنها تمس جوهر النفوذ الذي بنته طهران خلال السنوات الماضية في المنطقة.
هنا تحديداً يظهر التوتر الحقيقي داخل النظام الإيراني نفسه. فالحرس الثوري يتحدث بلغة التصعيد والتهديد، بينما تحاول الخارجية الإيرانية ترك أبواب دبلوماسية مفتوحة، في وقت يبدو فيه الرئيس الإيراني شبه غائب عن المشهد، فيما يظل القرار الحقيقي محصوراً في دوائر ضيقة تدرك خطورة المرحلة الحالية.
هذه التناقضات ليست تفصيلاً داخلياً، بل تعكس أزمة أعمق داخل إيران. فالنظام الإيراني يريد أن يظهر كقوة إقليمية قادرة على فرض شروطها، لكنه يعرف في الوقت نفسه أن الظروف الاقتصادية الداخلية لم تعد تحتمل مغامرات مفتوحة. العقوبات، تراجع العملة، الضغوط الاجتماعية، والانقسام الداخلي كلها عوامل تجعل أي مواجهة واسعة مخاطرة غير مضمونة النتائج.
وهنا تظهر حالة الثقة للعواصم الخليجية مقارنة بحالة الارتباك الإيرانية. فالمنطقة تغيرت خلال السنوات الأخيرة. هناك مشاريع اقتصادية ضخمة، وتحولات تنموية، واستثمارات عالمية، وشبكات شراكة دولية واسعة. بينما ما تزال إيران تتحرك بالعقلية نفسها التي أدارت بها أزمات الثمانينيات والتسعينيات.
المشكلة أن طهران لم تنتبه إلى أن العالم نفسه تغيّر. سياسة حافة الهاوية لم تعد تمنح النتائج ذاتها، واستخدام الممرات البحرية كورقة تهديد أصبح أقرب إلى استنزاف سياسي طويل لا إلى صناعة انتصارات حقيقية.
ولهذا يبدو المشهد الحالي أقرب إلى معركة أعصاب أكثر من كونه مقدمة لحرب شاملة. إيران تحاول أن تقول إنها ما تزال قادرة على الإزعاج، بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها إيصال رسالة معاكسة، وهي أن زمن الابتزاز عبر المضائق والصواريخ والأذرع المسلحة يقترب من نهايته.
أما مضيق هرمز، الذي ظل لعقود عنواناً للتوتر، فقد أصبح اليوم اختباراً أكبر من مجرد ممر بحري. إنه اختبار لقدرة المنطقة على حماية استقرارها، واختبار لقدرة إيران على فهم أن الشرق الأوسط الجديد لم يعد يشبه الشرق الأوسط الذي اعتادت اللعب فيه بالنار دون حسابات حقيقية.