الغد
منذ البدايات المنظمة للحركة الصهيونية كان الاستيطان الصهيوني في فلسطين في صميم مشروعها السياسي الاستعماري. وشكّلت الهجرة اليهودية المنظمة وإقامة المستعمرات الزراعية والكيبوتسات وتوسيعها أدوات أساسية لتحويل الفكرة القومية إلى وجود مادي وسياسي على الأرض. ولذلك، يُغفِل قَصر صفة «المستوطنين» على اليهود الذين أقاموا تجمعاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 مسارًا تاريخيًا سبق قيام «الدولة» ومهّد لتأسيسها على أنقاض المجتمع الفلسطيني.
والصلةُ موثقة وواضحة. في مؤتمر بازل الصهيوني الأول في العام 1897، نصّ البرنامج الذي أقرّه المؤتمر على السعي إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحدّد من بين وسائل تحقيقه تشجيع استعمار البلدِ بتوطينِ المزارعين والحرفيين والتجار اليهود. وكانت هذه الصياغة جزءًا من اللغة السياسية للحركة الصهيونية نفسها. ثم جاء وعد بلفور في العام 1917 ليمنح المشروع دعمًا رسميًا من القوة الإمبريالية التي كانت تستعد للسيطرة على فلسطين، وأدرج صكّ الانتداب البريطاني لاحقًا إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في الإطار السياسي والقانوني الذي حكم البلد.
وفي تلك الحقبة، أدّت «الوكالة اليهودية» ومؤسسات الحركة الصهيونية دورًا يتجاوز تنظيم شؤون المهاجرين. فقد عملت على استقدامهم، وتوجيه الموارد إلى إقامة المستعمرات، وتطوير البنى الاقتصادية والاجتماعية للتجمعات اليهودية، وتعزيز القدرة على تثبيت الوجود الصهيوني في فلسطين. وبذلك، أصبحت الهجرة المنظمة جزءًا من آلية بناء المشروع السياسي، واكتسبت وظيفتها من الغاية التي وُجّهت لخدمتها.
منذ العام 1882، أُنشئت في فلسطين مستعمرات زراعية صهيونية، ثم ظهرت الكيبوتسات في مطلع القرن العشرين. وتشير دراسات تاريخية إلى إقامة نحو ثلاثمائة مستوطنة ريفية صهيونية، جماعية وغير جماعية، بين العامين 1882 و1948. وقد أسهمت هذه التجمعات في ترسيخ الوجود الصهيوني، وارتبط بعضها بالبنى التنظيمية والعسكرية للحركة. وكانت الأرض ركيزة لبناء السيادة المستقبلية، بينما عومل الوجود الفلسطيني، بما يمثله من حقوق ومجتمع وتاريخ، بوصفه عائقًا أمام تحقيق الغاية الصهيونية.
عشية النكبة، لم تتجاوز مُلكية اليهود الخاصة للأرض نحو 7 في المائة من مساحة فلسطين، وفق التقديرات الشائعة. لكن السيطرة على البلاد لم تكن مرهونة بحجم الملكية الخاصة وحده. فقد أحدثت حرب العام 1948، وما رافقها من تهجير جماعي للفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وقراهم، تحولًا جذريًا في ميزان السيطرة على الأرض. وارتبط تأسيس «الدولة» بإحداثِ تحول عسكري وسياسي وديمغرافي واسع، جرى خلاله اقتلاع معظم المجتمع الفلسطيني من أجزاء كبيرة من وطنه، وأُعيد توزيع السيطرة على الأرض في ظل النظام الجديد.
كان من مرافِقات تشكّل «الدولة» الاستعمارية حدوث تحول في اللغة السياسية التي تتناول الاستيطان. وأصبحت التجمعات الاستعمارية/ الاستيطانية التي أنشأتها الحركة الصهيونية قبل العام 1948 تُقدَّم، بعد اندماجها في «الدولة»، باعتبارها كيبوتسات وبلدات ومدنًا في «وطن قومي» أصبح يعتبر دولة ذات مؤسسات وجيش وحدود تعترف بها دول أخرى. وانتقل سكانها في الخطاب السائد من موقع «المستوطنين» إلى موقع «المواطنين». وتمت العملية على الاستيلاء الاستعماري/ الاستيطاني على الأرض وإعادة تشكيل المجال السكاني في الرواية الوطنية الرسمية.
لا ينبغي أن يفضي التحول القانوني والسياسي الذي طرأ على المشروع الاستعماري إلى محو ظروف نشأته. ولا ينبغي أن يحوِّل الاعتراف الدولي غير النزيه بـ»الدولة» الاستيطان السابقَ لقيامها إلى حركة هجرة مجرّدة من الأهداف السياسية، وأن يمحو ما لحق بالشعب الفلسطيني من اقتلاع وفقدان للأرض والوطن. وفي حين تصف تسميات مثل «التجمعات الزراعية» و»المجتمعات التعاونية» شكل الكيبوتسات الاجتماعي، فإنها تُعتم على وظيفتها السياسية التاريخية. ولا ينفي الطابع «التعاوني» للمستعمرة وظيفتها الاستيطانية، كما أن الأيديولوجيا الاشتراكية التي اعتنقها بعض مؤسسيها لا تخرج علاقتهم بالأرض والسكان الأصليين من سياق الاستعمار.
ينطوي مصطلح «المستوطنين» على مستويين مترابطين من الدلالة. إنه يصف، في معناه المباشر، الأفراد الذين ينتقلون إلى أرض يجري إخضاعُها لمشروع استيطاني ويقيمون ضمن مؤسساته وآلياته. ويصف، بمعناه البنيوي، موقع جماعة سكانية داخل نظام تاريخي نشأ عن ذلك المشروع وظلت نتائجه تؤثر في واقعها السياسي والقانوني. ووفق هذا المنظور، تشكّل «المجتمع الإسرائيلي» داخل الكيان الذي أقامه المشروع الاستعماري الصهيوني، واستفاد، بدرجات وصور متفاوتة، من النظام الذي رسخه.
لكنّ ثمة مشكلة حقوقية حاسمة في الاستخدام المعاصر للمصطلح. عندما يتم حصر «الاستيطان» في الأراضي المحتلة في العام 1967، تصبح مستوطنات هذه الأراضي مطروحةً كمشكلة قانونية وسياسية محددة، بينما يُدفع الاستيطان السابق لقيام الكيان إلى خانةِ الماضي التأسيسي، ويُروى غالبًا بوصفه تاريخًا للهجرة وبناء المجتمع. وقد تكون لهذا الفصل أهمية قانونية بالنظر إلى الوضع الخاص للأراضي المحتلة منذ 1967، لكنه يصبح مضللًا حين يقطَع الصلة التاريخية بين المشروع الذي سبق «الدولة» والسياسات التي واصلتها بعدها.
تتجاوز المسألة اختلاف تجارب الأفراد أو دوافعهم لتتصل بالعلاقة بين نشأة الكيان والمشروع الذي مهّد له، وبالنتائج التي ترتبت على تحويله إلى نظام للسيادة والسيطرة على الأرض. وقد سبقت الهجرة المنظمة قيام «الدولة»، وكانت المستعمرات جزءًا أساسيًا من بنيتها المادية بينما شكلت النكبة لحظة حاسمة في تثبيت نتائج المشروع الاستعماري على حساب الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
لكنَّ الخطابَ المتداول –حتى عربيًا، في ما يثير العجب- نقل الاستيطان الاستعماري إلى مرحلة «الدولة»، وغيَّر التسمية بطريقة تطمس الصلة التاريخية الحقيقية. وأصبح ما كان يُوصَف –حتى في سياق الحركة الصهيونية نفسها- بأنه استيطان استعماري يُروى، بعد قيام الكيان، باعتباره تأسيسًا وطنيًا. وهذه مفارقة أساسية في تاريخ فلسطين: أصبح الانتقال من صفة «المستوطن» في فلسطين التاريخية إلى صفة «المواطن» يحسم بطريقة اعتباطية السؤال المركزي عن الأرض التي قامت عليها «الدولة»، والشعب الذي انتزعت منه الأرض والمواطنة ليكونَ بلا دولة ولا حقوق.