عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Aug-2026

"هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز".. استعادة لإرث الكاتب الفكري والصحفي

 مؤسسة عبد الحميد شومان تحتضن حفل إشهار الكتاب

الغد-عزيزة علي
 استعاد أصدقاء الراحل الروائي والمفكر مؤنس الرزاز ورفاقه، ملامح من إرثه الأدبي والفكري والصحفي. وذلك في حفل إشهار كتاب "هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز" الذي أقيم في مؤسسة عبد الحميد شومان أول من أمس؛ حيث شكّل الحفل شرفة أطلوا منها على رؤيته العميقة للواقع العربي، ومواقفه الصلبة تجاه التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، إلى جانب ملامح من شخصيته الإنسانية وعلاقاته بأصدقائه وزملائه.
 
 
وضم الكتاب مجموعة من مقالات الرزاز التي نشرها خلال تسعينيات القرن الماضي في صحيفتي "الدستور" و"الرأي"، وجُمعت بمبادرة من صحيفة "الدستور" بهدف توثيق جانب من إنتاجه الصحفي والفكري وإتاحته للقراء في صورة موثقة.
وأكد المتحدثون في هذا الحفل وهم: رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، الصحفي محمد خروب، الناقد فخري صالح، الروائي يحيى القيسي، والصحفي محمود منير، أن مقالات الرزاز لم تكن مجرد متابعة للأحداث اليومية، بل شكلت مساحة للقراءة والتحليل والنقد، مستندة إلى خلفية أدبية وفكرية جعلتها تتجاوز رصد الحدث إلى البحث في أسبابه ودلالاته وسياقاته الأوسع.
وتناول المشاركون في الحفل الذي أداره عطا الله الطراونة، تجربة الرزاز في الكتابة الصحفية وعلاقتها بمشروعه الأدبي، مشيرين إلى حضور السخرية والنقد والتأمل في مقالاته، وقدرته على مقاربة قضايا السياسة والمجتمع العربي من منظور يتجاوز اللحظة الراهنة، فيما استعاد شقيقه الدكتور عمر الرزاز محطات من حياته وتكوينه الإنساني والفكري، مؤكدًا أن غيابه لم يتحول إلى ذكرى بعيدة.
وأعرب الدكتور عمر الرزاز عن شكره للمشاركين في الحفل، بوصفهم أصدقاء مؤنس ورفاق دربه. وقال إن الكتاب يضم مجموعة من مقالات مؤنس الرزاز التي نشرها خلال تسعينيات القرن الماضي في صحيفتي "الدستور"، و"الرأي"، وهي مقالات تعكس صوت رجل لم يكتفِ يومًا بمراقبة الواقع، بل انخرط في قراءته والتفاعل مع قضاياه.
وأضاف أن جمع هذه المقالات كان أمانة تطلبت جهدًا تحريريًا صادقًا من أصدقائه وزملائه في الصحافة، حتى خرج الكتاب في صورته الموثقة التي تليق بإرث مؤنس.
وقال الرزاز: "من الصعب عليّ أن أكتب عن مؤنس بموضوعية كاملة؛ فهو لم يكن أخي الأكبر فحسب، بل كان أيضًا صديقي الأقرب في مراحل كثيرة من حياتي، والإنسان الذي ترك أثرًا عميقًا في وجداني وفي نظرتي إلى كثير من الأمور. رحل مؤنس، لكن غيابه لم يتحول يومًا إلى ذكرى بعيدة".
وأوضح أنه قبل التعرف إلى مؤنس كاتبًا للمقال، لا بد من التعرف إلى مؤنس الإنسان، في سياق تشكّله الإنساني والأسري والتاريخي، وقراءة مقالاته ضمن هذا السياق.
وبيّن أن مؤنس كان يكبره بعشر سنوات، وأنهما نشآ في بيت جمع منيف الرزاز ولمعة بسيسو؛ بيتًا صغيرًا في حجمه، لكنه كان يضج بالهم العام والجدل السياسي والانخراط المتواصل في الشأنين الوطني والقومي. ولم يكتفِ والداهما بالتنظير، بل كانا منخرطين بعمق في العمل السياسي والاجتماعي العام.
وأضاف أن مؤنس تشكّل في هذا المناخ، ومنذ وقت مبكر بدأ يدون خواطره وملاحظاته، محاولًا أن يحوّل ما يراه ويعيشه إلى كتابة تعبّر عن نظرته إلى الإنسان والمجتمع والواقع من حوله.
وقال الزراز، إن مؤنس كتب أول مجموعة خواطره وهو في مقتبل العمر تحت عنوان يختزل روحه كلها: "مد اللسان الصغير في وجه العالم الكبير"، وهو عنوان يكشف الكثير من شخصيته تلك الرغبة الدائمة في المشاكسة والسؤال والتمرد على المسلمات. ثم انتقل إلى كتابة القصة والرواية، وهناك وجد مساحته الأوسع للتعبير. وحظيت رواياته باهتمام ملحوظ على المستويين الأردني والعربي؛ لجرأتها اللافتة، إذ لم تسر في الدرب المعبد، بل كسرت الشكل والمضمون.
وقال الصحفي محمود منير، إننا قد لا نجد روائياً أردنياً أو عربياً كتب أفكاره بهذا الوضوح كما فعل مؤنس، وإن اختار أن يقدمها في بناء مشظّى ومشتّت، ولا سيما في رواياته الثلاث الأولى "أحياء في البحر الميت"، "اعترافات كاتم صوت"، "متاهة الأعراب في ناطحات السراب"، مبينا أن الشخصية الرئيسة ذات الفكر القومي في رواية "أحياء في البحر الميت"، تنتهي إلى مصحّ للأمراض العقلية، فيما يُقتل البطل ذو التوجهات الماركسية على يد القوميين، ويعيش بطل ماركسي آخر مرضه واغترابه بسبب عدم انتقاله من دائرة التنظير إلى الفعل.
وأشار منير إلى أن مؤنس وجّه نقده إلى مختلف الشخصيات في رواياته، سواء تلك التي انقادت إلى تقديس الماضي، أو التي بحثت عن رؤى مستقبلية، من دون أن تتمكن أي منها من تغيير واقعها. وفي المقابل، انحاز إلى شخصية المقاوم للاحتلال، حتى وإن لم تكن تمتلك فكراً قادراً على إحداث التغيير.
من جانبه، رأى الناقد فخري صالح أن مؤنس الرزاز لم يكن صحفيًا محترفًا أو كاتبًا سياسيًا بالأساس، ولا يمكن وصف تجربته في الكتابة للصحافة، بما في ذلك عموده اليومي في صحيفة "الدستور"، ثم "الرأي"، بأنها انخراط كامل في العمل الصحفي. لكنه، شأنه شأن كثير من الكتاب والمبدعين العرب، ظل قريبًا من عالم الصحافة، ولم يتفرغ تمامًا للإبداع الأدبي وكتابة القصة والرواية أو الترجمة.
وأشار صالح إلى أن هذا هو حال كثير من المثقفين والكتاب العرب، إذ يظل التفرغ للكتابة محفوفًا بالمخاطر، ولا يتيح للكاتب حياة كريمة. لافتا إلى أن مؤنس عمل، أسوة بغيره من الكتاب العرب، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين من حياته، كاتبًا للمقالة السياسية والاجتماعية والثقافية، ساعيًا إلى وضع الأحداث اليومية والحروب والصراعات والمشكلات السياسية والاجتماعية العربية في سياق القراءة والتحليل والتأمل، والبحث عن تأويل شامل لمشكلات العرب المعاصرين.
وأوضح أن هذه الرؤية الفكرية، وما اتسم به تصوره من غوص عميق في المعاني الضمنية للحدث السياسي أو الاجتماعي، ميّزاه عن أقرانه من كتاب الأعمدة الذين يلاحقون الحدث، ويكتفون غالبًا بوصف ما يحدث أو تقديم وجه واحد من وجوه تأويله.
ولفت صالح إلى أن الخلفية الفكرية والثقافية والأدبية والإبداعية لمؤنس هي التي دفعته بعيدًا عن اللهاث وراء الخبر، والحفر عميقًا في أسبابه والسياقات الكلية التي تحكمه. وهو ما منح مقالاته، التي نشرها على مدى عقدين في مجلة "الأفق" الأردنية وصحيفتي "الدستور" و"الرأي"، مذاقًا مختلفًا وديمومة وقدرة على إضاءة الحاضر، تمامًا كما أضاءت زمنه.
من جهته، بيّن الروائي يحيى القيسي أنه، رغم أن مؤنس الرزاز كان يعاني، كما كثير من الأدباء المرهفين، من نوبات الكآبة التي كان يبوح ببعض جوانبها في اعترافاته التي نشرها خلال حياته، فإنه كان يقاومها على الصعيد الشخصي بالضحك والنكتة والسخرية، وربما أسهم ذلك في تحقيق توازنه اليومي.
وأشار القيسي إلى أن مؤنس لم يكن منعزلًا عن الحياة والعمل أو بعيدًا عن الشأن العام، بل كان يكتب مقالاته السياسية بانتظام، ويتولى رئاسة تحرير مجلة "أفكار"، الشهرية، ويعمل مستشارًا لوزير الثقافة، إلى جانب لقاءاته اليومية بأصدقائه وبعدد كبير من زوار الوزارة من الأدباء والإعلاميين والسياسيين، على اختلاف مستوياتهم الفكرية والأدبية والمزاجية، ومن بينهم أشخاص اتسموا بدرجة عالية من الإزعاج والتقلب.
ولفت إلى حضور السخرية المرة في عدد من مقالات مؤنس، مستشهدًا بما كتبه في مقال بعنوان "عقلية شوهاء"، تعليقًا على رأي بعض المناضلين العرب في قتل الرئيس السوداني جعفر النميري للمناضل عبد الخالق محجوب، إذ قال: "هذا المنطق لا يبعث في أعماقي سوى الضحك المبكي والسخرية السوداء".
واستعرض الصحفي محمد خروب في مداخلته علاقته وصداقته بالراحل مؤنس الرزاز، مستذكرًا عددًا من المحطات التي كان مؤنس يتفاءل فيها بالتطورات السياسية، وتنعكس على كتاباته بوضوح.
وأشار خروب إلى أن كلمات مؤنس كانت، في بعض تلك المواقف، "تكاد تخرج من النص راقصة، منتشية، وفرحة"، احتفاءً ببوادر عودة الديمقراطية إلى عدد من الأقطار العربية، لمجرد صدور تصريح أو قرار من إحدى العواصم يعلن استعادة الحياة الحزبية، وضمان نشاط الأحزاب، وتأمين حقوقها وحريتها، وحماية أعضائها.
وتكشف هذه المواقف، وفق خروب، عن جانب من شخصية مؤنس المتفائلة، التي كانت تتعلق بأي مؤشرات، مهما بدت محدودة، على إمكان استعادة الحياة الديمقراطية والحزبية في العالم العربي.