عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Oct-2026

أبعاد سياسية واقتصادية وخيمة للعقوبات الأوروبية على الكيان المحتل

 توسيع نطاق عزلة الاحتلال دوليا.. وتغيير التعامل مع ملف الاستيطان

الغد-نادية سعد الدين
تكتسب الإجراءات الأوروبية والغربية الأخيرة ضد المستوطنات في الضفة الغربية أبعادًا ودلالات وازنة تتجاوز نطاق "الإدانة والقلق" الذي يسِمُ مواقفها التقليدية، إلى مرحلة العقوبات الاقتصادية والجنائية الفعلية، في تحول تاريخي لافت أدى إلى توتير العلاقات الدبلوماسية مع الكيان المحتل.
 
 
ويُلاحظ اعتماد القرارات الصارمة التي اتخذتها هولندا وبريطانيا، بدعم 11 دولة أوروبية أخرى وكندا، مقاربة مغايرة في التعامل مع ملف الاستيطان بالضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، وهضبة الجولان السوري المحتل، عند حظر استيراد وبيع سلع المستوطنات وفرض عقوبات جنائية على مخالفيها.
فلسنوات طويلة؛ اكتفى الاتحاد الأوروبي بسياسة "تمييز" منتجات المستوطنات عبر وضع ملصقات خاصة توضح منشأها، مع حرمانها من الإعفاءات الجمركية الممنوحة لمنتجات الاحتلال داخل فلسطين المحتلة عام 1948، ولكنه انتقل مؤخرًا إلى لغة الحظر التجاري الشامل.
ويعني ذلك الحظر المطلق؛ حيث باتت هذه السلع تعامل كـ "مواد مهربة وغير قانونية" يُمنع تداولها أو إدخالها إلى الأسواق الأوروبية بشكل قطعي.
أما التحول الأخطر بالنسبة للكيان المحتل فيتمثل في إدخال البُعد الجنائي بالقوانين المحلية الأوروبية، مثل القانون الهولندي الذي يفرض عقوبات تصل إلى السجن لـ 6 سنوات على الأفراد والشركات التي تلتف على الحظر أو تزور بلد المنشأ.
وينقل هذا الإجراء عبء المراقبة من الحكومات إلى الشركات والمستوردين أنفسهم، الذين لن يغامروا بسمعتهم أو حريتهم من أجل تسويق بضائع استيطانية.
في حين أن تطبيق الحظر على أساس جغرافي دقيق يعيد رسم خطوط عام 1967 قانونيًا واقتصاديًا في الوعي الأوروبي، إذ يعني عمليًا رفضًا أوروبيًا قاطعًا لسياسة "الضم الفعلي" التي تنتهجها حكومة الاحتلال، وتأكيدًا بأن الدولة الفلسطينية المنشودة تمتد بحدود حزيران (يونيو) 1967.
ويترتب على ذلك تداعيات قاتمة يواجهها الكيان المحتل، تطال قطاع الزراعة والصناعة في المستوطنات الجاثمة فوق أراضي الضفة الغربية، لا سيما الأغوار، حيث يشكل السوق الأوروبي الوجهة الرئيسة لصادراتها الضخمة من التمور والأعشاب الطبية والخضراوات، فيما يتسبب حظرها بتكديس البضائع وخسائر فادحة للمزارعين والمصانع معًا.
ورغم أن الحظر يستهدف المستوطنات، إلا أن اقتصاد الكيان الصهيوني مترابط؛ فالعديد من شركاته الكبرى تملك فروعًا أو مصانع تغليف أو خطوط إنتاج في المستوطنات، وقد تضطر لإغلاق فروعها وإنقاذ صادراتها الإجمالية لأوروبا، مما يؤدي إلى تراجع الاستثمارات داخل المستوطنات.
كما أن الإجراءات الهولندية بتفتيش أمتعة المسافرين ومصادرة المنتجات حتى الشخصية منها في المطار توجد حالة من الإرباك والتعقيد اللوجستي، وتزيد من تكلفة الرقابة والتدقيق على كافة الصادرات القادمة من الكيان المحتل.
ولا تنحصر التبعات السلبية على الجانب الاقتصادي فحسب؛ فانضمام دول توصف تقليديًا بأنها "صديقة" أو "معتدلة" تجاه الكيان المحتل، مثل هولندا وبريطانيا، إلى جبهة المقاطعة التجارية الشاملة، يمثل صدمة كبيرة للساسة الصهاينة، حيث لم يعد التوافق الدولي ضد الاستيطان حكرًا على دول بعينها، بل تحول إلى إجماع أوروبي عريض.
بينما تؤدي قرارات الاحتلال التي وصفها "بالانتقامية"، مثل سحب الاعتماد من الدبلوماسيين الهولنديين وإغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، إلى "تدمير الجسور" الدبلوماسية وحرمانه من قنوات تواصل حيوية مع قوى أوروبية فاعلة، وزيادة حدة الخلافات مع الاتحاد الأوروبي.
ولا شك أن إدراج حركات متطرفة، مثل "نحالا" و"أمانة"، على قوائم العقوبات الأوروبية يُضفي صبغة الجريمة والتطرف على النظام الصهيوني الداعم للاستيطان برمته، وقد يفتح الباب مستقبلًا أمام ملاحقة قادة المستوطنين ووزراء في حكومة الاحتلال أمام المحاكم الأوروبية أو الدولية بتهمة تمويل ورعاية أنشطة غير قانونية، وهو أمر لا تملك واشنطن سلطة إلغائه داخل الحدود الأوروبية.
وليس مستبعدًا أن تؤدي العقوبات لحدوث شرخ داخل الكيان المحتل إزاء تصاعد الضغوط على رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" بعدما وضعته الإجراءات الأوروبية في مواجهة مباشرة مع قطاعات اقتصادية وصناعية قوية داخلية، بدأت تستشعر الخطر على الاقتصاد ككل.
إلا أن الاحتلال يمتلك أدوات قد تكفل التفافه على العقوبات والحد من فاعليتها؛ نظير الدعم الأميركي المطلق والضغوط الاقتصادية والسياسية التي قد تمارسها واشنطن خلف الكواليس على الدول الأوروبية المعاقبة للاحتلال، مهددةً بتأثير ذلك على العلاقات التجارية الثنائية بين أميركا وتلك الدول.
وتشكل المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية الضخمة للكيان الصهيوني معولًا مهمًا لتخفيف الضغط عن ميزانيتها العامة، وتعويض مزارعي ومصانع المستوطنات عن خسائرهم في السوق الأوروبية، مما يضمن استمرار وجودهم الجغرافي رغم المقاطعة.
وقد تجد الصادرات الاستيطانية، بخاصة التكنولوجية أو الصناعية الخفيفة، ملاذًا في السوق الأميركية الواسعة التي لا تميز قوانينها الفيدرالية الحالية بصرامة بين منتجات المستوطنات ومنتجات الاحتلال، أو عبر التوجه نحو أسواق آسيا وأفريقيا التي لا تضع شروطًا سياسية على التجارة.
وتمتلك الشركات الصهيونية خبرة طويلة في الالتفاف على جمارك الاتحاد الأوروبي؛ حيث يتم نقل المنتجات المصنعة أو المزروعة في المستوطنات إلى مصانع ومخازن داخل الكيان المحتل وإعادة تغليفها وتصديرها بملصق "صنع في إسرائيل"، بما يصعب على الجمارك الأوروبية تتبعه بدقة رغم التفتيش الصارم.
ومع ذلك؛ هناك أبعاد بنيوية وقانونية في العقوبات الأوروبية تجعل الدعم الأميركي عاجزًا عن إبطال مفعولها بالكامل، فعندما تتحول قرارات الحظر إلى قوانين جنائية وطنية داخل الدول الأوروبية، مثل عقوبة السجن 6 سنوات في هولندا، تصبح المسألة بيد القضاء المستقل في تلك الدول.
وفي تلك الحالة لا تستطيع الإدارة الأميركية التدخل في المنظومة القضائية الجنائية لدولة أوروبية لحماية شركة أو فرد يهرب بضائع مستوطنات عبر تزوير منشئها.
في حين يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للكيان المحتل ككتلة موحدة، ورغم أن أميركا شريك ضخم، إلا أن الأسواق الأوروبية تستوعب جزءًا هائلًا من الصادرات الزراعية والصناعية القريبة لوجستيًا، وبالتالي فإن تحويل هذه البضائع إلى أميركا أو أسواق بديلة ليس أمرًا سهلًا؛ نظرًا لاختلاف معايير الجودة، تكاليف الشحن، ورغبة المستهلكين.
وتخشى الشركات الكبرى والبنوك بالكيان المحتل من "العزل المالي"، فالدعم الأميركي لا يمكنه إجبار بنك أوروبي أو شركة استثمارية أوروبية على التعامل مع كيان مدرج على قوائم المخاطر، خوفًا من الغرامات الأوروبية.