الغد
هآرتس
بقلم: ضياء حاج يحيى
في الصباح الباكر، في الأراضي الزراعية في الطيبة، يصعد عبد حاج يحيى على تراكتور قديم ويبدأ يوم عمل جديد. يقود التراكتور ببطء بين أشجار التين الخضراء وأشتال التوت، يتفقد نضج الثمار. عند إطارات التراكتور تتناثر الأدوات وصناديق التعبئة، وحوله عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية.
هو يحرث الأرض نفسها منذ خمسين سنة تقريبا، وهنا لعب في طفولته مع والده وجده، وهنا تعلم لأول مرة العمل في الأرض، وهنا قام بتربية أولاده. وهو يقول: "والدي ورث الأرض عن جدي ونحن ورثناها عن والدنا. معظم ذكرياتي تنبع من هنا، في كل مراحل حياتي. هي جزء لا يتجزأ مني". على مساحة 60 دونم تملكها العائلة يزرع عبد وإخوته التين والتوت. هذا هو مصدر الرزق الوحيد لهم. الإخوة الثلاثة يعملون في الحقل كل يوم، مع عمال آخرين يكسبون الرزق من البساتين. ويقول عبد إن مشروع العائلة يعيل عشر عائلات. مع ذلك يخيم شبح ثقيل على أرض عبد، وعلى أراضي مئات السكان الآخرين في الطيبة، حيث تنوي الدولة إقامة محطة في قلب بلدية الطيبة لتفريغ "الرمل والحصى ومعادن أخرى". وتهدد بمصادرة الأراضي الزراعية للسكان وما بقي من الأراضي التي تم التخطيط لتطوير المدينة عليها، وهي المدينة التي تشهد نموا سكانيا متزايدا منذ سنوات. ومن أجل ربط المحطة بشبكة الطرق يتم الترويج أيضا لشارع جديد، الشارع الجديد 440 (شارع الطيبة الالتفافي)، الذي سيقتضي مصادرة مساحة إضافية، 4 آلاف دونم من أراضي الطيبة، معظمها أراض خاصة بملكية السكان.
لن يقتصر الضرر الذي سيلحق بالسكان على مصادرة الأراضي فقط، حيث تقول بلدية الطيبة إن هذه الخطة ستؤدي إلى "مكرهة صحية وبيئية ومواصلاتية في قلب منطقة سكنية لعشرات آلاف السكان". وحسب البلدية، قد يشمل النطاق المخطط لعملية إنشاء المحطة دخول وخروج حوالي 2500 شاحنة كل يوم. ويوضح أحد سكان الطيبة، وهو ناشط في معارضة الخطة، ويقول: "هذا يعني ضجة مستمرة وكمية كبيرة من الغبار وتلوث الهواء وحركة مرور كثيفة طوال اليوم. هذه ليست منشأة صغيرة، بل مشروع نقل ضخم في قلب حياتنا".
النضال على المستقبل
تنقسم منطقة بلدية الطيبة بين الجانب الشرقي للشارع السريع رقم 6 والجانب الغربي الذي يوجد فيه احتياطي الأرض للطيبة. ويقول المحامي يوسف جمعة، وهو من سكان الطيبة ويمثل السكان أمام هيئات التخطيط: "على هذه الأراضي كان يمكن ويجب تخطيط حي جديد مع إمكانية لبناء عشرات آلاف الوحدات السكنية ومنطقة صناعية ومبان عامة". ويوضح أن الطيبة، مثل الكثير من البلدات العربية، تطورت على مر السنين ضمن مساحة تخطيط محدودة جدا. لقد زاد عدد السكان ووصل إلى أكثر من 47 ألف نسمة، لكن مساحة المدينة ثابتة. والأراضي المتاحة للتطوير تتقلص بالتدريج. "وراء كل دونم محدد على خرائط التخطيط الحكومية، هناك جيل شاب من العائلات يبحث عن مكان لبناء بيت. والمساحة المخصصة للمصادرة كان يمكن أن تسمح للمدينة بالنمو في العقود القادمة".
ووفقا له، فإن هذا هو أيضا سبب توسع المعارضة للخطة وتجاوزها دائرة أصحاب الأراضي. "لن يقتصر الضرر على من حصلوا على إشعار المصادرة"، قال وأضاف. "ستتأثر جودة حياة كل سكان الطيبة، وسيشعرون بذلك في تفاقم أزمة السكن وتضرر فرصة التنمية الزراعية والتشغيلية، وفي الازدحام المروري وتلوث الهواء والبيئة". ويوافق عبد حاج يحيى على ذلك ويضيف: "هذا المشروع كارثة على كل المنطقة، على الطيبة والطيرة وتسور إسحق وشاعر افرايم والمستوطنات الأخرى في المحيط. فكلها قريبة من المحطة وستتعرض للتلوث والازدحام".
سامر جبارة (32 سنة)، هو واحد من آلاف الشباب في الطيبة الذين يبحثون عن مكان لبناء بيت. وهو يقول إنه يناضل هو وعائلته منذ أربع سنوات من أجل الحصول على رخصة بناء على قطعة أرض بملكية العائلة في غرب المدينة، ولكن بسبب الخطط التي من المفروض أن تستولي على الأرض، لا يمكنه إحراز أي تقدم. قال: "أنا أدفع في الشهر أموالا على بيت لن يكون في أي يوم لي، في حين أنني أمتلك قطعة أرض يمكنني إقامة بيت عليها". الأمر لا يقتصر على الناحية المالية فقط. وقد قال: "أنا في بداية مرحلة تكوين عائلة، لكن كل شيء متوقف. لا أعرف إذا كان يجب علي الانتظار أو البحث عن الحل في مكان آخر. أخشى أن ينتهي بنا المطاف من دون أرض، وأن نعاني أيضا من الضجة والتلوث، وأشعر أنه تتم التضحية بمستقبلنا".
عملية معيبة
ولدت فكرة إقامة المحطة كجزء من مبادرة وطنية لوزارة المواصلات من أجل تغيير طريقة نقل مواد البناء. فبدلا من آلاف الشاحنات التي تسافر على الشوارع السريعة وهي محملة بالركام والمواد الخام الأخرى، يعتزم استخدام قطارات الشحن لنقل المواد إلى مجمعات التفريغ الإقليمية، ومن هناك يتم نقل المواد بالشاحنات إلى مواقع البناء المعنية داخل كل منطقة.
مع ذلك، عندما طلب من سلطة التخطيط تحديد موقع محطة الشحن التي ستخدم المنطقة الوسطى، نشب خلاف حاد، وعلى مر السنين تمت دراسة عدة بدائل قرب المطار وفي مناطق أخرى في مركز البلاد. ويقول المحامي جمعة: "عندما راجعنا بروتوكولات مؤسسات التخطيط اكتشفنا أمرا مثيرا للاهتمام، فقد تم رفض بدائل أخرى بسبب قربها من المناطق السكنية أو الزراعية، أو بسبب حساسيتها البيئية أو بسبب قربها من الوديان. ولكن هذه الاعتبارات تنطبق بالضبط على الطيبة".
وقد أكد هذه الأقوال مجد راس، وهو مخطط مدن وخبير في التخطيط الاقتصادي ويرافق السكان. وقال في حديثه مع "هآرتس" إن الطيبة صنفت بالفعل كبديل مع تقييم منخفض بسبب القرب من التجمعات السكانية. وحسب تقرير بيئي قدم للمجلس الوطني للتخطيط والبناء، فإنه في مشروع الطيبة البديل سيبنى المرفق الملوث على بعد 300 متر تقريبا من البيوت السكنية القائمة، و150 مترا عن حي سكني مخطط له، سبق ووافقت عليه الجهات المختصة. ويشير التقرير أيضا إلى أن مرفق تخزين الركام، المصدر الرئيس للتلوث، سيكون على بعد 110 أمتار من بيوت سكنية أخرى صنفت بأنها غير مرخصة. ويقول راس: "قد يكون هذا اعتبار بيروقراطي، لكن في نهاية المطاف يوجد أناس يعيشون هناك". وللمقارنة، يشير إلى أن خيار بناء المجمع قرب موشاف حاغور في المجلس الإقليمي جنوب السامرة، تم رفضه بعد اعتراض السكان، رغم أنه صنف بأنه مناسب جدا بسبب وجود مسافة لا تقل عن 460 مترا بين مرفق التخزين المخطط له والبيوت السكنية.
ويشير راس إلى قصور آخر في عملية التخطيط، ينبع من عدم دقة تقدير تكلفة تنفيذ الخطة وفقا للبدائل؛ "المجلس القطري رفض خيار إقامة المبنى قرب المطار بسبب ارتفاع تكلفته، ولكن في الواقع يعد بناء المجمع في الطيبة أكثر كلفة، والسبب هو أننا عندما درسنا بديل المطار أخذنا في الحسبان التكلفة المرتبطة بنقل البنى التحتية مثل الطرق والجسور، في حين تم تجاهل هذه التكلفة تماما في الطيبة".
ويحذر خبراء الصحة العامة من أن بناء المجمع قرب التجمعات السكنية يتوقع أن تكون له آثار خطيرة على صحة السكان. ويقول الدكتور وسام أبو أحمد، من كلية الصحة العامة في الجامعة العبرية: "تعد المواد المجمعة مصدرا لانبعاث الجسيمات التنفسية، وهناك أدلة قوية على أنه حتى التركيزات المنخفضة نسبيا من الجسيمات في الهواء تسبب أضرارا على الصحة. ونتيجة حركة القطارات والشاحنات وتشغيل المعدات الثقيلة، يتوقع أيضا زيادة انبعاث ملوثات السولار، المصنفة كمواد مسرطنة. وقد يؤدي ازدياد التلوث إلى ارتفاع معدل الوفيات الناتج عن أمراض القلب والرئة".
شارع زائد
تعارض بلدية الطيبة بشدة خطة تحويل مسار الشارع السريع 444 الذي يمر حاليا في الجزء الشرقي للمدينة. وتؤكد البلدية أن الحاجة إلى شق شارع جديد يمر بآلاف الدونمات من الأراضي الخاصة، لم تثبت على الإطلاق، وأنه خلال سنوات طرحت بدائل تعتمد على توسيع الشارع الحالي. هذا البديل يمكن أن يمنع إلحاق الضرر بالبيوت السكنية ويقلص بشكل كبير الحاجة إلى عمليات نزع ملكية إضافية.
وصرح مصدر في شركة "نتيفي يسرائيل"، المسؤولة عن المشروع نيابة عن وزارة المواصلات، لـ "هآرتس" أن الشركة تعارض أيضا تحويل مسار الشارع. وقال: "من الواضح أنه يمكن إجراء تغيير على خطة الشارع الحالية، وتوسيعه بإضافة مسار للنقل العام في كل اتجاه، لا سيما أن جزءا من هذا التوسع خطط له بالفعل، وتمت مصادرة أراض لصالحه. أنا لا أعرف ما هي اعتبارات وزارة النقل، لكن تحويل مسار الشارع لا يبدو أنه حل موضوعي للمشكلة".
بعد اجتماع الشركة مع ممثلي بلدية الطيبة، كتب المدير العام لشركة "نتفي يسرائيل" رسالة لرئيس المجلس القطري للتخطيط والبناء يطلب فيها وقف خطة تحويل مسار الشارع. ويقول المحامي جمعة: "إذا كانت شركة نتيفي يسرائيل نفسها تعتقد بإمكانية توسيع الشارع الحالي، فإنه من غير الواضح لماذا تستمر في الترويج لخطة ستسلب آلاف الدونمات من الأراضي الخاصة وتضر بما تبقى من احتياطي الأرض للتنمية في المدينة".
وينهي عبد حاج يحيى أقواله: "لم أتخيل في أي يوم أن يأتي أحد ويستولي على أرضي. الأمر يشبه أن يطلب مني إخلاء بيتي ويرمى بي في الشارع، لا يوجد مأوى لي وأنا عمري 50 سنة، لا أعرف ماذا أفعل، كل حياتي مرتبطة بهذه الأرض". يتوقف لحظة وينظر إلى الحقل ويقول: "الناس يعتقدون أنها قطعة أرض فقط، لكنها بالنسبة لي قصة حياة عائلة بأكملها".
ويجد عبد حاج يحيى صعوبة في تخيل التغيير الذي طرأ على المشهد الذي عاش فيه في طفولته، وقال: "أنا أنظر حولي وأرى حقول الفاكهة والمحاصيل الموسمية والأراضي الزراعية للجيران والأصدقاء. لا يمكنني فهم كيف سيتحول كل هذا إلى مجمع من الشاحنات والخرسانة والضجة". ويتفق جمعة معه في الرأي ويقول: "عندما يتحدث الناس عن مصادرة الأراضي للمنفعة العامة، يخطر ببالهم عدد قليل من أصحاب الأراضي الذين يفقدون أملاكهم. ولكن في هذه الحالة الأمر يتعلق بمساحة تعيل عائلات وتوظف عمالا وتعد جزءا من الاقتصاد المحلي". ويؤكد أن هذا ضرر لا يمكن إصلاحه. ويضيف: "المصادرة على الأغلب تكون أحادية الاتجاه. فحتى لو توقف المجمع عن العمل بعد عشرين أو ثلاثين سنة فإن الأرض لن تعود إلى أصحابها، بل ستبقى في يد الدولة".
لم يأت أي رد من مدير التخطيط تعقيبا على الموضوع