الدستور
في الحروب لحظة لا تلتقطها عدسات الكاميرات. لحظة صامتة يتغير فيها معنى القوة. لا تحدث حين يسقط الصاروخ، وإنما حين يسقط الوهم الذي كان يحمله. تلك اللحظة هي التي تعيد رسم الخرائط الحقيقية في العقول قبل أن تعيدها على الورق.
ما جرى في الأيام الأخيرة حول إيران يشبه تلك اللحظة تماما. فالنظام الذي بنى صورته طوال عقود على أنه قلعة لا تمس، وأنه مركز ثقل يملك القدرة على خلط أوراق المنطقة في أي ساعة يريد، وجد نفسه فجأة أمام مرآة لا تعكس الخطابات والشعارات، بقدر ما تعكس حجم القوة الفعلية حين تختبر بالنار.
استثمرت طهران ولسنوات طويلة في صناعة مخالبها. صواريخ، طائرات مسيرة، أذرع تمتد في أكثر من ساحة، مع خطاب دائم يوحي أن المنطقة تقف تحت ظل قوة صاعدة لا يردعها شيء. كان المشروع كله قائما على فكرة واحدة: أن الخوف هو العملة السياسية الأثمن.
غير أن جذور الحكاية تعود إلى أبعد من هذه الحرب. فمنذ أن رفعت الثورة الإيرانية شعار تصدير الثورة أخذ المشروع يتمدد في خرائط المنطقة خطوة بعد أخرى. حرب طويلة مع العراق، ثم بناء أذرع ونفوذ في أكثر من عاصمة عربية، حتى جاء يوم تفاخر فيه قادة طهران بأن نفوذهم بلغ أربع عواصم دفعة واحدة. في تلك اللحظة بلغ الطموح ذروته، واتسعت المسافة بين ما يراد وما يمكن احتماله.
الحروب القصيرة أحيانا تكون أصدق من سنوات الدعاية. ففي أيام معدودة انكشف جانب كبير من تلك الإمبراطورية العسكرية التي نمت في الظل. ظهرت قوتها، وظهرت حدودها القاسية أيضا. حين تطلق الصواريخ على المطارات والموانئ والأحياء السكنية في أكثر من دولة يتضح حجم النار التي كانت مهيأة للاشتعال في لحظة واحدة. ويتضح أن المنطقة عاشت طويلا قرب برميل بارود ضخم.
ومع انكشاف المشهد يطل سؤال أكثر هدوءا وعمقا. الدول تقف أحيانا أمام طريقين واضحين: طريق ينصرف إلى بناء الداخل وتنمية الإنسان، وطريق يبدد الطاقة في مطاردة النفوذ خارج الحدود. إيران اختارت الطريق الثاني سنوات طويلة، فكبر المشروع العسكري واتسعت الأذرع، بينما بقي الداخل مثقلا بأعباء مشروع يتجاوز قدرته.
ومع ذلك فإن الأنظمة لا تسقط دائما حين تنهزم عسكريا. التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الجريحة قد تبقى زمنا طويلا وهي تحاول ترميم صورتها المكسورة. حدث ذلك مع أنظمة كثيرة بقيت واقفة فوق ركامها سنوات قبل أن تتغير أو تتلاشى.
لهذا فإن المشهد الإيراني اليوم يبدو كجسد قوي تلقى ضربة موجعة لكنه ما زال واقفا. السلطة متماسكة، والمؤسسات لم تنفرط، والشارع لم يتحول بعد إلى موجة قادرة على تغيير المعادلة. العالم أيضا لا يبدو مستعدا لمغامرة كبرى تعيد رسم إيران من الخارج.
النتيجة الأقرب أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة. ليس لأن إيران اختفت من المعادلة، وإنما لأن صورتها تغيرت. القوة التي كانت تبدو كوحش إقليمي صار ينظر إليها كقوة مجروحة تحاول حماية ما تبقى من أنيابها.
وهذا التغير وحده يكفي أحيانا لفتح صفحة جديدة في التاريخ. فحين تنكسر المخالب، حتى لو بقي الحيوان حيا، فإنه يتعلم أخيرا أن الغابة لم تعد كما كانت.