عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Oct-2026

لماذا ما يزال سموتريتش يرسم أفق السياسة الإسرائيلية؟

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
آفي-رام تسوريف - (مجلة 972+) 20/10/2026
على مدى السنوات التسع التي أعقبت طرح النائب في الكنيست، بتسلئيل سموترتش، "خطة الحسم"، سلّم الليبراليون الإسرائيليون بمنطق اليمين الديني المتطرف، في حين ظلّوا يدّعون معارضتهم للعنف "المسياني".
 
 
في أيلول (سبتمبر) 2017، نشر بتسلئيل سموتريتش، الذي كان آنذاك عضوًا في الكنيست عن حزب "البيت اليهودي" ذي التوجّه الصهيوني الديني، مقالًا في مجلة "هاشيلواح" بعنوان "خطة الحسم: مفتاح السلام بيد اليمين". وفيه عرض برنامجًا سياسيًّا لحلّ الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، لكنه انطلق من رفض "فكرة أن هذه الأرض مقدّر لها أن تضمّ جماعتين ذواتَي تطلّعات وطنية متعارضة".
وكان جوهر الخطة يقوم على ضمّ الضفة الغربية وفرض "السيادة الإسرائيلية الكاملة" عليها، ونقل مئات الآلاف من المستوطنين الجدد للإقامة في أراضيها. ورأى سموتريتش أن هذا "النصر بالاستيطان" من شأنه أن يقنع الفلسطينيين، بل "العالم بأسره"، بأن دولة فلسطينية لن تقوم أبدًا.
كان سموتريتش يؤكد أن الفلسطينيين الذين "يرغبون في التخلّي عن تطلّعاتهم الوطنية" سيُسمح لهم بالبقاء، لكنهم لن يتمتّعوا سوى بحقوق فردية في ظلّ حكم ذاتي تديره إدارات بلدية مجزّأة، من دون أيّ وعد بمنحهم المواطنة الكاملة. أمّا الآخرون، فيمكنهم اختيار الهجرة إلى الخارج، والحصول على دعم مالي من إسرائيل في صورة "منحة مغادرة". لكن سموتريتش دعا إلى إلحاق هزيمة عسكرية ساحقة بمن يرفضون كلا الخيارين ويقاومون، وصولًا إلى "قتل مَن يتعيّن قتلهم".
وحرص سموتريتش على تقديم هذا المقترح بوصفه طرحًا عمليًّا واقعيًّا. وعلى الرغم من هويته الصهيونية الدينية، طمأن القرّاء بالقول: "لن تجدوا في هذا المقال شيئًا يستند إلى ذلك الإيمان". وبدلًا من ذلك، وصفه بأنه "خطة واقعية وجيوسياسية وإستراتيجية"، تستند إلى "اعتبارات تاريخية وديمقراطية وأمنية وسياسية". وفي الوقت نفسه، أقرّ بأنه "يمكن لمَن يشاء أن ينظر إليها باعتبارها حلًّا سياسيًّا لا أكثر"، مشيرًا إلى أن آخرين قد "يرون فيها تلاقيًا بين الإيمان والواقعية".
وكان إصرار سموتريتش على عدم وجود صلة بين هويته الدينية ومقترحه عنصرًا حاسمًا في تحويل رؤيته إلى برنامج سياسي ملموس. ومن خلال تجنّب إضفاء أيّ مسوّغ ديني على طرحه، صاغ الرجل الذي سيصبح وزيرًا للمالية في إسرائيل والوزير المشرف على الضفة الغربية المحتلة طموحاته بلغةٍ تتجاوز أصداؤها أوساط اليمين الديني بكثير. كما كانت البيئة الفكرية والسياسية التي طرح فيها خطته مهيّأة بشكل خاص لتلقّيها.
بعد تسع سنوات، وبعد ثلاث سنوات على الهجوم الذي قادته "حماس" في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) وما أعقبه من إبادة جماعية ارتكبتها إسرائيل في غزة، انتقلت رؤية سموتريتش من هامش السياسة الإسرائيلية، ظاهريًّا، نحو مركزها. وساعد على ذلك إلى حدّ كبير أن المعسكر الليبرالي، الذي يُقصد به على نطاق واسع المعارضة الصهيونية لكتلة اليمين المتطرف التي يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم يقدّم سوى قدر ضئيل إلى حد لافت من التحدّي للأسس التي تقوم عليها خطته. وقد انصبّ معظم اعتراض هذا المعسكر على هوية الجهة التي تمارس سلطة الدولة وكيفية ممارستها، بينما أبقى على حاله التوافق الأوسع حول التفوّق اليهودي، واستخدام القوة العسكرية الاستثنائية، واستمرار حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية.
ويكشف استعراض الكيفية التي استُقبلت بها خطة سموتريتش والصراعات السياسية التي أعقبتها عن الافتراضات الأساسية التي أصبح المعسكر الليبرالي الإسرائيلي يتشاركها مع اليمين الديني. كما يطرح سؤالًا أهمّ: ما الذي يتطلّبه إرساء بديل سياسي للمستقبل الذي تصوّره سموتريتش؟
منبر يحظى بالاحترام
حين نشرت مجلة "هاشيلواح" خطة سموتريتش، كان تمويلها يأتي من "صندوق تيكفا"، وهو مؤسسة أميركية دعمت عددًا من البرامج الأكاديمية والسياسية اليمينية. ومن بين الجهات التي موّلها الصندوق "منتدى كوهيلت للسياسات"، وهو مركز أبحاث يجمع بين اليمين المتطرف والنزعة التحررية، ويُنظر إليه بوصفه القوة المحرّكة وراء قانون أساسي: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي، الصادر في العام 2018. كما أسهمت أوراق السياسات التي أصدرها المنتدى في وضع الأسس لإعادة هيكلة الجهاز القضائي التي دفع بها اليمين في العام 2023.
وحظيت المجلة بقدر كبير من الشرعية في الأوساط الفكرية والأكاديمية الإسرائيلية، حيث عُدّت منبرًا للفكر اليميني الجاد. وقد قوبلت مواقفها العنصرية والمعادية للفقراء بانتقادات أكاديمية بدلًا من الإدانة الصريحة، في حين شجّع أكاديميون يعرّفون أنفسهم بأنهم ليبراليون طلابَهم على المشاركة في حلقات دراسية نظّمها "صندوق تيكفا" -بل وشاركوا فيها بأنفسهم.
بالإضافة إلى ذلك، حافظ يوآف سوريك، رئيس تحرير المجلة، بدوره على مكانة المثقف المحترم في نظر الليبراليين الإسرائيليين، خلافًا للشخصيات الحاخامية المرتبطة بالحركة الاستيطانية. واستند جانب من جاذبيته الفكرية إلى المنهج الذي طرحه في كتابه "العهد الإسرائيلي"، وهو تصوّر للوجود اليهودي يجعل السيادة الإسرائيلية محورًا له بدلًا من الالتزام بالتوراة والوصايا الدينية.
وقد لقي هذا التصوّر صدىً لدى الأوساط الليبرالية التي رأت في الولاء للدولة القومية الإسرائيلية التعبيرَ الأساسي عن الجماعة اليهودية، وخاصة من خلال التجنيد العسكري. وكما جادل مايكل مانيكين، انسجم هذا النهج أيضًا مع التوجّهات التي سادت في البرامج التحضيرية للخدمة العسكرية، التي سعت إلى تطوير نموذج لما سمّته "اليهودية الإسرائيلية". (وفي وقت لاحق، في شباط/ فبراير 2024، شارك سوريك في تأليف ورقة موقف مع نوغا أربيل، دعا فيها إلى أن تعمل إسرائيل على تسهيل "الهجرة الطوعية" لما لا يقل عن 75 في المائة من سكان غزة).
في هذه البيئة الفكرية والسياسية التي يُفترض أنها تحظى بالاحترام، وجدت "خط الحسم" التي طرحها سموتريتش موطئ قدم لها؛ وهي بيئة تتوافق مع الصهيونية الدينية التي دعا إليها أمثال نفتالي بينيت، الذي سرعان ما أصبح محطّ إعجاب الجمهور الليبرالي ومرشّحه المفضّل لرئاسة الوزراء.
كان بينيت، بما يمتلكه من خبرة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة وصورةٍ براغماتية، ينتمي إلى التيار الذي يمكن للمعسكر الليبرالي العلماني أن يجد أرضية مشتركة معه داخل اليمين الديني. والأهم من ذلك أن الطرفين التقيا في السعي إلى إزاحة الأحزاب الحريدية المتشددة عن مواقع النفوذ التي راكمتها في ظلّ حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
في المقابل، ظلّ منتقدو سموتريتش الليبراليون يصوّرونه باعتباره "أصوليًّا خطيرًا" على هامش الصهيونية الدينية، وينسبونه إلى تيار يميني آخر "مسياني" وغير عقلاني. وقد أخفقوا في إدراك دلالة اللغة العلمانية التي صيغ بها برنامجه السياسي.
ويُعزى ذلك -في جزء منه- إلى أن "إدارة الصراع" ظلّت، حين نُشرت "خطة الحسم" التي اقترحها سموتريتش في العام 2017، موضعَ إجماع داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية برمّتها. وبدا سموتريتش في ذلك الحين صوتًا نشازًا، حيث اقترح بديلًا يقوم على اتخاذ تدابير جذرية تحول دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية بصورة دائمة.
ومع ذلك، واصلت عناصر من رؤيته اكتساب مزيد من الزخم، حتى في ظلّ "حكومة التغيير" التي ترأسها نفتالي بينيت. وعلى مدى الأشهر الثمانية عشر التي امتدّت من حزيران (يونيو) 2021 إلى كانون الأول (ديسمبر) 2022، استمرّ بناء المستوطنات وهدم المنازل الفلسطينية في الضفة الغربية بالوتيرة نفسها، بينما قتلت القوات الإسرائيلية في الأرض المحتلة عددًا من الفلسطينيين يفوق ما قتلته خلال السنة الأخيرة من حكومة نتنياهو السابقة.
وخلال هذه السنوات، ازدادت أيضًا حدّة الخطاب السياسي الإسرائيلي وعنفه، وظهرت دعوات صريحة إلى إيقاع نكبة ثانية بالفلسطينيين. في أيار (مايو) 2022، حذّر يسرائيل كاتس، الذي كان آنذاك عضوًا في الكنيست عن المعارضة، ويشغل الآن منصب وزير الدفاع، الفلسطينيين بقوله إن عليهم أن "يتذكّروا حرب استقلالنا ونكبتكم"، ردًّا على طلاب رفعوا الأعلام الفلسطينية إحياءً لذكرى يوم النكبة. ووجّه يوآف غالانت، الذي سيصبح لاحقًا شخصية بارزة في المعسكر الليبرالي خلال الاحتجاجات على الإصلاح القضائي، تهديدًا مماثلًا، فقال أنه في حال كرر العرب "خطأ" العام 1948، فإن اليهود "سيُخرجون أيديهم من جيوبهم... وسيكون الثمن باهظًا جدًّا". وكما كتب ميرون رابوبورت وأمير فاخوري، انتقلت النكبة من كونها كارثةً ظلّ إنكارها سائدًا لوقت طويل إلى مسار عمل طُرح مرارًا باعتباره احتمالًا عمليًّا، في انسجام مع دعوة سموتريتش السابقة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة وعنيفة ضد الفلسطينيين. لكن كبار المسؤولين في "حكومة التغيير" لم يعارضوا هذا التحوّل؛ بل إنهم شاركوا في نزع الشرعية عن التطلّعات الوطنية الفلسطينية، ووصموا التعبير عنها بأنه "إرهاب"، وأيّدوا استخدام التدابير العنيفة لقمعها.
 
تحالفات جديدة ومعارضة واهنة
أفضت انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 إلى وصول ائتلاف يميني جديد ومتكامل إلى السلطة، قام على تحالف بين نتنياهو وسموتريتش وإيتمار بن غفير. وقد مثّل هذا الائتلاف التقاءً بين النخبة الصهيونية الدينية الأشكنازية وناخبي الطبقة الوسطى الدنيا من المزراحيين الذين لم تكن مصالحهم السياسية متوافقة دائمًا، بل كثيرًا ما سادت العداوة بينهم على المستوى المحلي.
وعلى سبيل المثال، واجهت "غارين توراني" (النوى التوراتية) -وهي شبكة من التجمعات الاستيطانية الصهيونية الدينية تسعى إلى تهويد المدن الإسرائيلية التي تضمّ أعدادًا كبيرة نسبيًّا من الفلسطينيين- انتقادات حادة من السكان المقيمين فيها منذ زمن طويل. وقد أُنشئ كثير من هذه التجمعات في بلدات التنمية السابقة التي أُسكن فيها المزراحيون.
مع ذلك، عكس هذا التحالف مدى التقاطع الواسع بين مصالح المستوطنين ومصالح مَن وصفهم عالم الاجتماع ياغيل ليفي بـ"المقاتلين من أبناء الطبقة العاملة" -ليس في ما يتصل بسياسات إسرائيل في الضفة الغربية فحسب، وإنما أيضًا في القضايا الداخلية.
وسعى بن غفير، من خلال تعهّده باستعادة "الحوكمة"، إلى تطبيق منطق العمل الشرطي الذي يقوده المستوطنون في الضفة الغربية على الحياة المدنية داخل إسرائيل، مع تصوير المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بأنهم "مشكلة أمنية". وقد استقطب هذا الخطاب بشكل خاص الناخبين من أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يواجهون الجريمة وابتزاز العصابات وفرض الإتاوات، في حين استند سموتريتش إلى قاعدة انتخابية من الصهاينة الدينيين الأكثر ثراءً ورسوخًا في المجتمع.
ولم تقدّم المعارضة الليبرالية أيّ سردية بديلة لتفسير المشكلة؛ واكتفت فقط بالمقارنة بين عنف بن غفير الشبيه بعنف العصابات وبين النهج الذي يُفترض أنه أكثر اتزانًا ومهنيةً لدى المؤسسة الأمنية.
كما جادلتُ سابقًا في مقال نشرته في موقعيّ "مجلة 972+" و"سيكول مكوميت" عقب الانتخابات، فإن التحالف بين سموتريتش وبن غفير يشبه صعود أندرو جاكسون إلى السلطة في الولايات المتحدة خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وفي ذلك الوقت، عزّزت النخب الأميركية الراسخة مكانتها بعد أن استفادت من عمليات التجريد الأولى للسكان الأصليين من أراضيهم، وأبرمت معهم ترتيبات قانونية محدودة ومتنوعة. لكن الفئات الأقل امتيازًا داخل المجتمع الاستيطاني، التي كانت غالبًا في صدام مباشر مع مجتمعات السكان الأصليين، طالبت بمزيد من التوسع وتحدّت المؤسسات التي كانت تقيّدها، وفي مقدمتها المحاكم المسؤولة عن إنفاذ المعاهدات المبرمة مع السكان الأصليين.
وقدّمت هذه الفئات كفاحها من أجل مواصلة التوسع على أنه مسعى إلى إرساء الديمقراطية، وانتصار لعامة الشعب على المؤسسة الأرستقراطية الحاكمة. لكنها كانت تسعى عمليًّا إلى اقتطاع حصة أكبر من الامتيازات التي يتمتع بها المجتمع الاستيطاني بحكم تفوّقه.
في ضوء هذا التاريخ، لم يكن الهجوم الذي شنّته الحكومة الإسرائيلية الجديدة على السلطة القضائية فور تولّيها الحكم أمرًا عارضًا أو مصادفةً. كانت المحاكم الإسرائيلية تؤدي دورًا محوريًّا في إضفاء الشرعية على تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم وفي إرساء حقوق الملكية لليهود في المجتمع الاستيطاني على أراضٍ مسروقة. ومع ذلك، أوجدت هذه المحاكم بعض الضمانات المحدودة للفلسطينيين، وفرضت قيودًا معينة على التوسع الإقليمي. ومن أمثلة ذلك قرار المحكمة في العام 2020 إبطال "قانون التسوية" الصادر في العام 2017، الذي أتاح لإسرائيل مصادرة الأراضي الفلسطينية الخاصة في الضفة الغربية لصالح المستوطنات، وكذلك إصرارها على اتباع الإجراءات البيروقراطية التي تميل إلى إبطاء وتيرة المصادرة.
سعى اليمين إلى إضعاف هذه الضمانات. ورد المعسكر الليبرالي بعد سنوات من إفراغ السياسة من مضمونها على التعديلات القضائية بحركة احتجاجية جماهيرية أعادت استقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات إلى صدارة النقاش العام. لكن الحركة تجاهلت إلى حدّ كبير الأهداف السياسية التي استهدف إضعاف السلطة القضائية تحقيقها، خاصة إزالة العقبات القانونية القليلة التي كانت تعترض توسيع المستوطنات.
وباستثناء مجموعات هامشية، مثل "كتلة مناهضة الاحتلال" و"التجمّع المدني المزراحي"، تبنّى المحتجّون المحكمة العليا باعتبارها محورًا لهويتهم الثقافية، وتجسّد ذلك في الشعار الغريب: "أحبّ باغاتس" -وهو اختصار عبري لاسم محكمة العدل العليا.
أما الشعار الآخر، "باغاتس شاخباتس"، الذي يمكن ترجمته تقريبًا إلى "المحكمة العليا درعٌ واقٍ"، فقد كشف بصورة أوضح الافتراضات الكامنة وراء الحركة. فهو يشيد بدور المحكمة في حماية الجنود الإسرائيليين من الملاحقة القضائية في لاهاي. وفي حين عارض اليمين المحكمة لأنها تقيّد استخدام القوة، دافع عنها المعسكر الليبرالي لأنها تضفي الشرعية على تلك القوة.
وسعَت الحركة إلى استقطاب المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل للمشاركة في المظاهرات، مثلما سعت إلى إشراك الاتحاد العام لنقابات العمال، "الهستدروت"، والعمال المنظّمين نقابيًّا. وكانت هذه التحالفات تنطوي على إمكانات حقيقية لإحداث تغيير سياسي. لكن الفلسطينيين دُعوا إلى المشاركة وفق شروط تحدّدها الأغلبية اليهودية الليبرالية من دون تحدّي الإجماع السياسي الذي جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، أو الذي أخضع أبناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة للاحتلال والحصار.
وظهرت حدود الحركة بوضوح تام خلال الهجومين الإسرائيليين على غزة في أيار (مايو) 2023 وعلى جنين في تموز (يوليو) من العام نفسه؛ حيث سارع قادة الاحتجاج إلى الاصطفاف خلف الحملة العسكرية، وألغوا المظاهرات تضامنًا معها.
وجاء تعبير أكثر كشفًا عن ذلك في أيلول (سبتمبر) 2023، حين قالت شيرا إيتينغ، وهي طيّارة مقاتلة وإحدى قيادات مجموعة الاحتجاج "الإخوة والأخوات في السلاح"، في برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس": "إذا أردتَ أن يتمكّن الطيّارون من التحليق وإلقاء القنابل والصواريخ على المنازل، وهم يعلمون أنهم قد يقتلون أطفالًا، فلا بدّ أن تكون لديهم ثقة راسخة بأولئك الذين يتخذون هذه القرارات".
عبّرت تصريحات إيتينغ عن حدود الخيال السياسي للمعسكر الليبرالي. فقد تم التسليم بشرعية قصف المنازل وقتل الأطفال بينما انصبّ الاهتمام على هوية الذين يأذنون بهذه الهجمات ومدى مصداقيتهم. ومرة أخرى، رُسم الخط الفاصل بين عنف اليمين المنفلت من الضوابط والعنف المؤسسي الذي يمارسه تيار الوسط واليسار، ويحظى بالاحترام والقبول.
"علينا الآن أن نكون بلا رحمة"
كان هذا هو حال النقاش السياسي الإسرائيلي عشية السابع من تشرين الأول. فبعد أن أمضى المعسكر الليبرالي الإسرائيلي نحو عقدين في الإسهام في تهميش الاحتلال والحصار المفروضين على غزة بوصفهما قضيتين سياسيتين، حشد جهوده للدفاع عن النظام القضائي. وبذلك ساعد على تعزيز شرعية أشكال عنف الدولة نفسها التي سعى اليمين إلى توسيع نطاقها.
وفي غضون ذلك، كان سموتريتش قد بدأ -مستفيدًا من الصلاحيات الموسّعة التي أتاحت له السيطرة على الشؤون المدنية في الضفة الغربية من خلال منصبه الوزاري الخاص في وزارة الدفاع- ببناء الأسس المؤسسية اللازمة لتنفيذ خطته. وخلال النصف الأول من العام 2023، وبينما كان حلفاؤه يدفعون قدمًا بمشروع التعديلات القضائية، شرع الحاكم الجديد للضفة الغربية في تسريع خطط البنية التحتية بهدف مضاعفة عدد المستوطنين في الأراضي من 500 ألف إلى مليون مستوطن.
عقب هجمات "حماس" غير المسبوقة في السابع من تشرين الأول، أدرك سموتريتش على الفور أن الكارثة تتيح فرصة ينبغي اغتنامها. وفي أول اجتماع للحكومة في ذلك اليوم، أعلن: "علينا الآن أن نكون بلا رحمة؛ ويجب ألّا نبدي قدرًا كبيرًا من المراعاة للأسرى".
وفي الأشهر التي تلت ذلك، اتخذ خطوات جذرية لوضع "خطة الحسم" موضع التنفيذ، ودفع إسرائيل نحو ضمّ الضفة الغربية؛ بدءًا بنقل الصلاحيات المتعلقة بالأراضي من المؤسسة العسكرية إلى الإدارة المدنية، مرورًا بتوسيع نطاق إنفاذ القانون الإسرائيلي في المناطق الخاضعة اسميًّا لسيطرة السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى فتح باب بيع الأراضي الفلسطينية للإسرائيليين والأجانب.
ومن جهته، جادل المعسكر الليبرالي بأن إسرائيل لم يكن أمامها خيار سوى الردّ على هجمات السابع من تشرين الأول باستخدام القوة الوحشية والعشوائية، وانخرط بأعداد كبيرة في الحرب من دون التشكيك في أهدافها. ولم تعد الثقة التي وصفتها إيتينغ بأنها شرط أساسي للسماح بشنّ هجمات قد تقتل أطفالًا تُعامل بوصفها شرطًا ضروريًّا لتنفيذ تلك الهجمات.
وعلى الرغم من مطالبتهم بالإفراج الفوري عن الرهائن، امتنعوا عن توضيح الكيفية التي يتوقعون بها تحقيق هذا المطلب. ولم تتحوّل المطالبة باتفاق شامل بشأن الرهائن يقتضي أيضًا وقف تدمير غزة إلى الشعار المركزي الذي يلتفّ حوله المعسكر الليبرالي إلا تدريجيًّا. وكان ذلك مطلبًا رفضت المؤسسة العسكرية، التي يحظى أداؤها بتقدير كبير لدى الليبراليين الإسرائيليين، النظر فيه حين أتيحت لها الفرصة في الأيام الأولى للحرب.
إلى جانب دعمه للحرب، طوّر المعسكر الليبرالي إطارًا عاطفيًّا وفكريًّا لتبرير الإبادة الجماعية والمشاركة فيها. وفي حين احتفى اليمين بالقسوة بوصفها استجابة سياسية مرغوبة، واستدعى اللغة الصوفية للحرب باعتبارها "زمن المعجزات"، تبنّى المشاهير والشخصيات العامة الليبرالية خطابًا عاطفيًّا أكثر اعتدالًا. وصوّروا الرغبة في الانتقام على أنها استجابة غريزية للفظائع التي وقعت في السابع من تشرين الأول، وشدّدوا على عجزهم عن الشعور بالتعاطف مع الفلسطينيين، ورفضوا المحاولات الرامية إلى وضع عنف "حماس" في سياقه التاريخي والسياسي.
وكرّس مثقفون إسرائيليون، مثل إيفا إيلوز وتومر بيرسيكو، قدرًا كبيرًا من جهودهم لانتقاد ما رأوا أنه إخفاق "اليسار العالمي"، مع تركيز خاص على الاحتجاجات التي شهدتها الجامعات الأميركية. وبينما كانت الإبادة الجماعية في غزة مستمرة بكامل زخمها، وصفوا الربط بين الصهيونية والحكم الإسرائيلي للفلسطينيين من جهة، والاستعمار من جهة أخرى، بأنه معاداة للسامية، ورفضوا المقارنات بين عنف السابع من تشرين الأول وأشكال العنف الشديد الأخرى في السياقات الاستعمارية. وقد أسهم تصوير السابع من تشرين الأول بوصفه حدثًا منزوعًا من سياقه التاريخي، وبذلك هجومًا استهدف اليهود بصفتهم يهودًا، في إضفاء الشرعية على تدمير غزة.
لكن أبرز تجليات هذا الحشد الليبرالي على المستوى المؤسسي تمثّل في تعيين الرئيس السابق للمحكمة العليا، أهارون باراك، عضوًا في الهيئة التي نظرت في دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية أمام "محكمة العدل الدولية".
وكان باراك، الذي أسهمت أحكامه في بناء الإطار القانوني الذي أتاح استمرار الاحتلال مع الإبقاء على طابعه "المؤقت" المزعوم، قد أصبح هدفًا لليمين المتطرف بسبب ارتباط اسمه باستقلال السلطة القضائية وسائر القيم الليبرالية. لكنّه، في رأيه المخالف أمام "محكمة العدل الدولية" في لاهاي، صوّر إسرائيل على أنها ضحية متحضّرة من نوع ما: دولة تمثّل في آنٍ واحد الضحايا الأبرز في التاريخ الأوروبي؛ والقيم الأوروبية التي يُزعم أن "البرابرة" يهددونها.
واصل خطاب العنف القابل للتبرير رسم الحدود الفاصلة بين المعسكر الليبرالي وما يصفه باليمين "المسياني". وبينما دعم الليبراليون تدمير غزة أو سوّغوه باسم تحقيق "الأمن الدائم"، رفضوا الدعوات إلى إعادة توطين المستوطنين في القطاع. وفي الآونة الأخيرة، خاصة خلال العام الماضي، وجّهت أجزاء من المعسكر الليبرالي اهتمامها إلى مشروع اليمين الصهيوني الديني المتمثّل في إقامة بؤر استيطانية على هيئة مزارع، والتطهير العرقي للتجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
مثّل رسم هذا الخط الفاصل بداية صحوة، وتحولًا نحو الاعتراف بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية سياسية محورية. لكن جانبًا كبيرًا من الانتقادات انصبّ على عنف "شبّان التلال"، الذي يشبه عنف "الغرب الأميركي المتوحش"؛ ولم يتطور، في معظمه، إلى نقد أكثر مبدئية للتوسّع الإسرائيلي أو لاستخدام القوة العسكرية.
رسم أفق سياسي جديد
بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من تشرين الأول، ومع قدوم الانتخابات الإسرائيلية، ما تزال "خطة الحسم" التي طرحها سموتريتش في العام 2017 ترسم أفق السياسة الإسرائيلية. وفي واقع الأمر، لا يتحدّى الليبراليون الإسرائيليون -حتى وإن شكّكوا أحيانًا في أساليب اليمين "المسياني" أو في شرعية عنفه الخارج على القانون- الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها برنامجه السياسي. بل إن جميع المرشحين الإسرائيليين تقريبًا، بمن فيهم مرشحو المعارضة، أصبحوا يتفقون مع سموتريتش على رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وما تزال السلطة القضائية هدفًا لهجوم الحكومة، حتى بينما تواصل إضفاء الشرعية على سياسات اليمين ومنحها غطاءً قانونيًّا ليبراليًّا. وبعد أن أسهمت في إدامة الاحتلال وإضفاء الشرعية على الإبادة الجماعية في غزة، أخذت المحكمة الآن في تقويض ما تبقّى من ضمانات محدودة متاحة للفلسطينيين في إسرائيل، بما في ذلك حقهم في اختيار ممثليهم السياسيين.
وما تزال النخبة الليبرالية الإسرائيلية متمسّكة بدعم نهج عسكري دائم بعدما أيّدت بحماسة الهجمات الإسرائيلية على لبنان وإيران. وهذا أحد أسباب تحوّل المطالبة بتجنيد الرجال الحريديم (اليهود المتشددين دينيًّا) إلى محور أساسي للحشد السياسي الليبرالي منذ "وقف إطلاق النار" في تشرين الأول 2025، الذي انتهكته إسرائيل مرارًا مما أسفر عن مقتل آلاف الفلسطينيين. وحال ذلك دون استثمار المعسكر الليبرالي التوترات المتزايدة بين الأحزاب الحريدية والصهيونية الدينية لبناء تحالفات سياسية جديدة تتمحور حول نزع الطابع العسكري عن الدولة والمجتمع.
وبرزت إحدى هذه الفرص خلال التصويت على مشروع قانون عقوبة الإعدام. فقد عارض التشريعَ جميعُ سياسيّي المعارضة الليبرالية تقريبًا، إلى جانب حزب "يهدوت هتوراه" (يهودية التوراة الموحدة)، الذي عارضه التزامًا بتقليد راسخ في الامتناع عن تطبيق عقوبة الإعدام وعن الخوض في "ديني نفاشوت" (الأحكام الشرعية التي تترتب عليها تبعات مباشرة تمسّ حياة البشر). أمّا حزب "شاس"، الذي اقترب أكثر من المواقف الكاهانية منذ وفاة الحاخام عوفاديا يوسف، فقد صوّت أيضًا لصالح المشروع.
كان من الممكن أن يشكّل هذا التصويت لحظة فارقة تدفع المعسكر الليبرالي إلى إعادة رسم حدود الشراكة السياسية المقبولة من خلال إعلان أن حزب المعارضة اليميني "يسرائيل بيتينو"، الذي أيّد المشروع، شريك غير مقبول، والعمل على بناء ائتلاف مع حزب "يهدوت هتوراه". لكن التصويت كشف بدلًا من ذلك أن هذه الحدود لم تتغيّر قطّ؛ بالنسبة لليبراليين، يظل التجنيد العسكري الإلزامي أمرًا غير قابل للتفاوض.
ويظهر النمط نفسه في تعامل المعسكر الليبرالي مع الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية. فهو يواصل تقسيمهم إلى مواطنين فلسطينيين "جيدين" وآخرين "سيئين"، ويقبل منصور عباس وحزب "القائمة العربية الموحدة" (رعام) شريكين محتملين، بشرط إقرارهما بخضوعهما ضمن الحدود التي ترسمها الدولة القومية اليهودية، في حين يتجاهل "القائمة المشتركة" أو يسعى حتى إلى نزع الشرعية عنها.
بلغ نزع الشرعية هذا ذروته المقلقة عندما انضمّ حزب "الديمقراطيون"، وهو الحزب الصهيوني الأكثر يسارية في إسرائيل، إلى حزب "عوتسما يهوديت" (القوة اليهودية) في تأييد منع رئيس حزب "بلد"، سامي أبو شحادة، من الترشح لانتخابات الكنيست. ثم نظرت المحكمة العليا في القضية، واقترح رئيسها، يتسحاق عميت، أن يسحب أبو شحادة ترشحه طوعًا لتجنّب صدور حكم قضائي، وهو ما وافق عليه أبو شحادة.
تكشف هذه الوقائع جميعها حدود ما يُسمّى معارضة المعسكر الليبرالي لليمين الإسرائيلي. ولرسم أفق سياسي مختلف، ينبغي لنا أن نرفض، إلى جانب السياسيين اليمينيين، رؤيتهم لاستمرار الاستعمار والإبادة الجماعية، وهي رؤية تحظى بإجماع واسع. والبديل الوحيد واضح: إطار ثنائي القومية يقوم على المساواة في الحقوق بين الفلسطينيين واليهود، ومساءلة اليهود الإسرائيليين عن أفعالهم، وحق الفلسطينيين في العودة.
 
*آفي-رام تسوريف Avi-ram Tzoreff: مؤرّخ في جامعة بن غوريون في النقب والجامعة المفتوحة في إسرائيل، وعضو في المنظمات التالية: "الأكاديميا من أجل المساواة"، و"أرض واحدة للجميع"، و"التجمّع المدني المزراحي"، و"زوخروت".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why Smotrich still defines the horizon of Israeli politics