عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jul-2026

العيش لإبهار الآخرين.. حينما يصبح توثيق اللحظة أهم من عيشها!

 الغد-ديمة محبوبة

 في الوقت الذي كان يلتقط فيه الناس الصور لتوثيق ذكرى ما، والعودة إليها في أي وقت لاستعادة لحظات جميلة مرت، أصبحت الصورة اليوم أساسا تبنى عليه كثير من تفاصيل الحياة؛ من اختيار المطعم، إلى السفر، وحتى الخروج إلى أي مكان. فأصبح التفكير في الصورة يسبق الاستمتاع باللحظة نفسها.
 
 
وتغيرت تفاصيل الحياة تدريجيا، حتى أصبح استعراض المحطات المفرحة وإظهارها للآخرين أهم وأكثر حضورا من عيشها والاستمتاع بها فعليا، لتصبح قيمة التجربة لدى كثيرين مرتبطة بما تحققه من تفاعل ومشاهدات ولايكات، أكثر من ارتباطها بما تمنحه من متعة حقيقية حينها.
 البحث عن التفاعل من الآخرين
يقف محمد وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، أمام المرآة في النادي الرياضي لدقائق، يصور نفسه من زوايا مختلفة قبل أن يبدأ تمرينه الحقيقي. ليست هذه عادة جديدة عليه، فمنذ أن انضم إلى النادي قبل عام، أصبح جزءا أساسيا من روتينه أن يوثق كل حصة تدريب، ويختار أفضل صورة، ويضيف إليها "فلترا" خفيفا، وينشرها قبل أن يكمل باقي تمارينه.
وإذا لم تنل الصورة تفاعلا كافيا خلال الساعة الأولى، يشعر محمد بإحباط حقيقي يفوق، أحيانا، إحباطه من عدم تحقيق هدفه التدريبي.
يقول محمد بصراحة: "كنت بشوف الناس بتتصور بالجيم، لدرجة أني صرت أروح حتى أتصور أكثر مما أتدرب، وكأنه صار يهمني هو عرض هالجزء من حياتي والبحث عن التفاعل". ما يعيشه محمد لا يتوقف عند النادي الرياضي، فحتى قبل أن يخرج من منزله، يقضي وقتا طويلا في اختيار ملابسه بناء على ما يبدو مناسبا في الصورة، لا على ما يشعره بالراحة.
وحين يزور مقهى جديدا مع أصدقائه، يكون أول ما يفكر فيه هو الزاوية التي ستظهر فيها القهوة، والإضاءة المناسبة للصورة، قبل أن يفكر بطعمها أو بالحديث مع من حوله.
المقارنات السلبية مع الآخر
أيضا رحلاته السياحية، التي تكلفه مبالغ كبيرة وتخطيطا مسبقا، أصبحت تقاس بعدد "الستوريز" التي سينشرها، أكثر مما تقاس بمتعة اللحظة نفسها. ويقول: "صرت ألاحظ أني بكون بالمكان الحلو وبدل ما أستمتع فيه، عقلي مشغول كيف بدي أصوره وأنشره".
هذا الشعور الذي يصفه محمد لم يعد استثناء، بل أصبح سمة عامة لدى فئة كبيرة تعيش تجاربها اليومية من خلال عدستين؛ واحدة تعيش اللحظة، وأخرى موجهة دائما نحو من سيراها.
الثلاثينية ميس تروي تجربة مشابهة، وتقول إنها بدأت الذهاب إلى النادي الرياضي بحثا عن صحة أفضل بعد أعوام من قلة الحركة، لكنها وجدت نفسها تدريجيا تقارن نفسها بفتيات أخريات تتابعهن عبر "إنستغرام".
وتضيف بلغة عفوية: "كل ما بفتح التطبيق بشوف بنات بأجساد مثالية، يتمرنن باحترافية، وملابسهن مدروسة بعناية. صرت أشعر وكأنني من عالم آخر".
ظاهرة نفسية تؤثر على الجيل الحالي
وتؤكد ميس أن هذا الشعور نفسه انتقل إلى رحلاتها السياحية، إذ وجدت نفسها تنفق أكثر من ميزانيتها المعتادة في إحدى الرحلات، فقط لتلتقط صورا تشبه ما تراه لدى المؤثرات اللواتي تتابعهن.
وعند عودتها من الرحلة، تكون أكثر تعبا من أن تكون مستمتعة، بين التجهيز للملابس، والتصنع بالفرح والدهشة، والتقاط الصور من زوايا متعددة.
تقول المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني إن ما يعيشه محمد وميس يعكس ظاهرة نفسية متزايدة تتجاوز الرياضة لتشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحول أي نشاط، صغيرا كان أم كبيرا، من تجربة شخصية إلى أداء أمام جمهور افتراضي دائم الحضور في العقل.
وتوضح الكيلاني أن الإنسان أصبح يعيش حياته بعقلين؛ عقل يعيش اللحظة، وعقل يراقبها من الخارج ويهيئها لتعرض للآخرين. وهذا الانقسام الداخلي يستهلك طاقة نفسية كبيرة، حتى وإن لم يشعر الشخص بذلك بصورة مباشرة.
أشخاص ينقلون تفاصيل حياتهم للعلن
وتشير إلى أن هذا النمط يخلق ما تسميه "إنهاك الأداء"، حيث يشعر الشخص بالتعب النفسي حتى عند ممارسة نشاط من المفترض أن يمنحه الطاقة والراحة.
ووفق الكيلاني فإن الخطر الأكبر يكمن في أن كثيرين يفقدون القدرة على التمييز بين ما يريدونه فعلا، وما يريدون أن يظهروا به أمام الآخرين. فعندما تسأل شخصا لماذا اختار هذا المقهى، أو تلك الرحلة، أو هذا اللباس، قد تجده يجيب بكل صدق: "ما ضل غيري ما عمله".
ومن زاوية اجتماعية، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن هذه الظاهرة تعكس تحولا أوسع في علاقة الإنسان المعاصر بحياته اليومية بأكملها.
ويقول إن كثيرا من الأشخاص أصبحت جميع تفاصيل حياتهم للعلن؛ ما يأكلونه، وما يلبسونه، وأين يسافرون، ومع من يجلسون. فكل هذه التفاصيل تحولت إلى مواد لبناء صورة اجتماعية متكاملة.
 إنفاق على تفاصيل لا تناسب الاهتمامات الفعلية
ويضيف خزاعي أن وسائل التواصل الاجتماعي ضخمت هذه الظاهرة بشكل غير مسبوق، إذ أصبح كل فرد يمتلك منصة لعرض تفاصيل حياته كاملة، ومقارنتها فورا بآلاف التفاصيل الأخرى المنسقة بعناية.
ويحذر من أن هذا النمط يخلق اقتصادا موازيا للمتعة، حيث يقاس نجاح التجربة بمدى قابليتها للعرض، لا بمدى إشباعها الحقيقي.
ويوضح أن بعض الأشخاص ينفقون مدخراتهم على رحلات لا تناسب اهتماماتهم الفعلية، أو على مطاعم باهظة الثمن لمجرد أنها "ترند"، في حين كانوا سيشعرون بسعادة أكبر في تجربة أبسط، لولا وجود جمهور افتراضي يراقب كل خطوة.
ويلفت إلى أن هذه الظاهرة تمتد من المراهقين إلى البالغين في منتصف العمر، وإن اختلفت تفاصيل التعبير عنها بين فئة وأخرى.
وبعد أشهر من التفكير، بدأ محمد يقلل من توثيق تمارينه وتفاصيل حياته اليومية، ويحاول استعادة إحساسه الأصلي بالتجارب، ليكتشف أن المتعة الحقيقية تكمن في عيشها بتفاصيلها وبساطتها وليس الاستعراض أمام الآخرين.
أما ميس، فتقول إنها بدأت بإلغاء متابعة الحسابات التي تجعلها تشعر بالنقص، وقررت في رحلتها الأخيرة أن تترك هاتفها في الحقيبة لساعات طويلة، وتستمتع بمحطات وتفاصيل ربما لن تتكرر مرة أخرى.