عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Oct-2026

إيران والصين.. شراكة تبدأ من الفضاء وتصل إلى البحر الأحمر

 الغد-مالك العثامنة

 لم تعد إيران بحاجة إلى امتلاك كل أدوات القوة العسكرية بنفسها حتى تتمكن من توسيع قدراتها وتأثيرها في المنطقة، فثمة عالم كامل من التكنولوجيا والمعلومات يمكن الوصول إليه عبر شركات تجارية وعلاقات دولية معقدة، ثم توظيفه في معادلات أمنية تتجاوز حدود الدولة نفسها، ولعل ما تكشفه قضية الأقمار الصناعية الصينية من معلومات عن التعاون مع طهران يقدم مثالاً مهماً على هذا التحول، خصوصاً عندما نكتشف أن أثر هذه العلاقة قد لا يتوقف عند مراقبة القواعد العسكرية والمنشآت الدفاعية، وإنما يمكن أن يصل إلى السفن التجارية وناقلات النفط التي تعبر البحر الأحمر وخليج عدن.
 
 
في هذه القصة، تبدو إيران الطرف الذي تتقاطع عنده خيوط متعددة من المصالح والقدرات، فهي تسعى إلى تطوير إمكاناتها في الاستطلاع وجمع المعلومات وتحديد المواقع، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات مع جماعات مسلحة تمتلك القدرة على التأثير في ساحات إقليمية مختلفة، ومن بينها الحوثيون في اليمن، الذين أصبح البحر الأحمر بالنسبة إليهم مساحة أساسية من مساحات المواجهة، ولذلك فإن حصول طهران على تكنولوجيا فضائية متقدمة لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية ما تضيفه إلى قدراتها العسكرية المباشرة، بل أيضاً من زاوية ما يمكن أن تمنحه لشبكة حلفائها من معلومات وقدرات لم تكن متاحة لهم بسهولة من قبل.
وتشير تحقيقات ووثائق تناولت هذا التعاون إلى دور لشركة صينية تحمل اسم Chang Guang Satellite Technology في توفير صور فضائية ومعلومات جغرافية استخدمت، بحسب اتهامات أميركية، لمساعدة الحوثيين في مراقبة سفن عسكرية وتجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وهي معلومات تكتسب أهميتها من طبيعة الجهة التي تصل إليها بقدر ما تكتسبها من دقة الصور نفسها، لأن معرفة موقع سفينة وحركتها تمنح من يريد استهدافها فرصة أكبر لمتابعتها واختيارها ضمن نطاق العمليات، حتى وإن لم يكن امتلاك المعلومات وحده كافياً لتنفيذ الهجوم.
وهنا يظهر جانب مهم من الطريقة التي استطاعت بها إيران توسيع حضورها الإقليمي خلال السنوات الماضية، إذ لا يرتبط هذا الحضور بالقوة العسكرية الإيرانية المباشرة وحدها، وإنما بالعلاقات التي بنتها مع جماعات وحركات مسلحة تستطيع العمل في بيئات جغرافية مختلفة، مع احتفاظ كل منها بهامش من القرار والحسابات الخاصة، وبذلك تصبح التكنولوجيا التي تصل إلى إيران ذات قيمة إضافية عندما يمكن نقل المعلومات المستمدة منها أو الاستفادة من خدماتها في ساحات أخرى، من دون الحاجة إلى وجود عسكري إيراني مباشر في كل موقع تتأثر به هذه القدرات.
ولعل البحر الأحمر يقدم المثال الأوضح على أهمية هذه المعادلة، فهو ليس مجرد ممر ملاحي بين منطقتين، وإنما واحد من الطرق التي ترتبط بها تجارة آسيا وأوروبا وتتحرك عبرها صادرات الطاقة والبضائع والمواد الأولية، وأي اضطراب في الملاحة فيه يمتد أثره إلى شركات النقل والموانئ والتأمين والأسواق، وهو ما يجعل قدرة جماعة مسلحة على تهديد السفن مسألة اقتصادية دولية تتجاوز بكثير حدود المواجهة العسكرية التي تنخرط فيها.
وما يضيفه التعاون الفضائي الصيني الإيراني إلى هذه الصورة، إذا صحت المعلومات المتعلقة باستخدام بياناته في العمليات البحرية، هو احتمال حصول أطراف مرتبطة بطهران على خدمات استطلاع أكثر تقدماً مما تسمح به قدراتها الذاتية، بما يوسع قدرتها على مراقبة السفن والتعرف إلى أنماط حركتها، ويجعل المعلومات جزءاً من أدوات التأثير الإقليمي، إلى جانب الصواريخ والمسيرات والوسائل العسكرية الأخرى.
لكن من المهم هنا ألا تتحول القراءة التحليلية إلى أحكام لا تسندها الأدلة، فوجود معلومات فضائية صينية لدى إيران أو الحوثيين لا يعني تلقائياً أن بكين شاركت في اتخاذ قرارات استهداف السفن، كما أنه لا يثبت أن طهران وجهت كل عملية نفذها الحوثيون، غير أن ما تكشفه التحقيقات يفتح سؤالاً مشروعاً عن كيفية انتقال المعلومات بين الشركات والدول والجماعات المسلحة، وعن الدور الذي يمكن أن تؤديه إيران في ربط هذه الجهات بمنظومة أوسع من القدرات التكنولوجية.
والمثير أن العلاقة بين إيران والصين في هذا المجال لا تتوقف عند الصور الفضائية، إذ تشير الوثائق إلى تعاون يتعلق بخدمات الملاحة عبر المنظومة الصينية "بيدو"، التي يمكن أن تقدم بديلاً أو مصدراً إضافياً لتحديد المواقع والتوقيت في بيئات تتعرض فيها أنظمة الملاحة الغربية للتشويش، وهو ما يمنح التعاون التقني بعداً يتجاوز مراقبة الأهداف إلى تحسين بعض القدرات اللازمة للعمل في ظروف عسكرية معقدة، مع ضرورة التمييز بين الاستخدام العام لهذه المنظومة وبين إثبات توظيفها في عمليات بعينها.
أما الصين، فتجد نفسها في موقع بالغ الحساسية داخل هذه المعادلة، فهي شريك اقتصادي وإستراتيجي مهم لإيران، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بمصالح تجارية واستثمارية كبيرة مع دول الخليج، وتعتمد تجارتها الدولية على استقرار الممرات البحرية التي أصبحت مهددة بفعل الصراع، وهو تناقض لا يعني بالضرورة وجود سياسة صينية متعمدة لدعم اضطراب الملاحة، لكنه يطرح أسئلة عن قدرة بكين على الفصل بين مصالحها الاقتصادية وبين الاستخدامات العسكرية المحتملة للتكنولوجيا التي تنتجها شركاتها.
وتزداد هذه الأسئلة تعقيداً عند النظر إلى طبيعة قطاع الفضاء التجاري الصيني، حيث تتداخل الشركات والمؤسسات العلمية والتمويل الحكومي ضمن نموذج يسمح بالاستفادة من القدرات المدنية في تطوير الإمكانات العسكرية، وهو ما يعرف بالدمج العسكري المدني، ولذلك فإن وصف شركة بأنها تجارية لا يكفي وحده لفهم طبيعة نشاطها أو الاستخدام النهائي لخدماتها، تماماً كما أن وجود صلات بينها وبين مؤسسات الدولة لا يشكل دليلاً تلقائياً على أن كل ما تقوم به يصدر عن قرار عسكري أو سياسي مباشر.
وإذا كانت إيران قد اعتمدت تاريخياً على تطوير قدراتها الصاروخية والمسيرات وتعزيز علاقاتها بحلفاء إقليميين لتعويض جوانب من الفجوة العسكرية مع خصومها، فإن تكنولوجيا الاستطلاع الفضائي تمثل مجالاً إضافياً يمكن أن تستفيد منه في هذا الاتجاه، لأن امتلاك القدرة على جمع المعلومات وتحليلها وتبادلها يضيف إلى الأدوات التقليدية بعداً مهماً، ويجعل أثر العلاقات التكنولوجية مع القوى الكبرى قابلاً للامتداد إلى مسارح لا توجد فيها قوات إيرانية مباشرة.
وهنا يصبح أمن الملاحة في البحر الأحمر مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بطبيعة العلاقات التي تقيمها إيران مع موردي التكنولوجيا والمعلومات، لأن التهديد البحري لا يبدأ دائماً مع إطلاق صاروخ أو تحليق مسيرة، بل قد تسبقه عمليات رصد وجمع بيانات وتحليل لحركة السفن، وفي حال وصول هذه المعلومات إلى جماعات مسلحة، فإن أثرها المحتمل لا يقتصر على الجانب العسكري، وإنما يظهر أيضاً في ارتفاع تكاليف التأمين وتغيير خطوط الشحن وزيادة أعباء النقل، وهي نتائج يمكن أن تصيب الاقتصادات والأسواق حتى من دون توقف الملاحة بصورة كاملة.
وقد أظهرت تطورات البحر الأحمر كيف تستطيع جماعة مسلحة تمتلك وسائل محدودة نسبياً، مقارنة بالجيوش النظامية الكبرى، أن تؤثر في حسابات شركات الشحن الدولية وفي حركة التجارة والطاقة، ومع إضافة إمكانات استطلاع فضائي خارجية محتملة تصبح الحاجة إلى فهم مصادر المعلومات التي تستند إليها هذه الجماعات أكثر إلحاحاً، خصوصاً عندما ترتبط تلك المصادر بعلاقات أوسع بين إيران وقوى دولية تمتلك تكنولوجيا متقدمة.
والمسألة في النهاية لا تتعلق بقمر صناعي صيني واحد أو شركة بعينها، وإنما بما يمكن أن تمثله هذه العلاقة لإيران من انتقال تدريجي نحو توظيف خدمات فضائية وتجارية ضمن قدراتها الأمنية والعسكرية، وما إذا كان هذا التوظيف يمتد إلى حلفائها في الإقليم، وهو تحول يجعل من الصعب قراءة النفوذ الإيراني من خلال حجم ترسانتها العسكرية وحدها، من دون النظر إلى شبكات المعلومات والتكنولوجيا والاتصالات التي قد تضيف إلى هذه الترسانة قدرة على العمل والتأثير.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذه القضية أن إيران، التي يرتبط حضورها الإقليمي عادة بالصواريخ والمسيرات والجماعات المتحالفة معها، قد تجد في التكنولوجيا التجارية القادمة من خارج المنطقة وسيلة إضافية لتوسيع أثر هذه الأدوات، بينما تجد الصين نفسها أمام تساؤلات متزايدة عن مسؤولية شركاتها تجاه الجهات التي تستخدم خدماتها، وفي المسافة بين الطرفين تتحرك معلومات لا تحمل بالضرورة صفة السلاح، لكنها قد تصبح جزءاً من العملية التي تسبق استخدامه.
هكذا تتغير صورة القوة في المنطقة، حيث لم يعد ضرورياً أن تكون الدولة حاضرة بأساطيلها وجيوشها في كل ساحة تريد التأثير فيها، ما دامت قادرة على الوصول إلى المعلومات والتكنولوجيا وإلى أطراف يمكن أن تستفيد منهما، وربما تكون هذه هي الدلالة الأعمق للعلاقة الصينية الإيرانية في ملف البحر الأحمر، فالسفينة التي تغير مسارها خوفاً من الاستهداف قد تكون تأثرت في النهاية بسلسلة من الحسابات والمعلومات بدأت بعيداً عن البحر نفسه، ومرت عبر طهران أو إحدى الشبكات المرتبطة بها، قبل أن تنتهي عند مضيق تعبره تجارة العالم.