عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Jul-2026

الذكاء الاصطناعي يبتلع الصحافة الحرّة
الاخبار-
 
لم يعد الذكاء الاصطناعي يهدد وظائف الصحافيين فحسب، بل يضرب الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه الصحافة المستقلة. مع انتقال المستخدمين إلى إجابات البوتات بدلاً من المواقع الإخبارية، تتراجع الزيارات والعائدات، فيما تتعاظم هيمنة شركات التكنولوجيا على إنتاج المعرفة وتوزيعها، وسط دعوات إلى بدائل أكثر عدالة
 
لم يكن النموذج الاقتصادي في زمن وسائل التواصل الاجتماعي نموذجاً عادلاً بالمعنى المطلق، لكنه على الأقل سمح بهامش من البقاء للصحافة المستقلة والناشرين عبر ما عُرف بـ «اقتصاد النقرة».
 
في هذا النموذج القديم، كان الناشرون يتبادلون المحتوى مع محركات البحث الكبرى مقابل الحصول على زيارات بشرية تترجم إلى عوائد إعلانية أو اشتراكات تدعم غرف الأخبار. أمّا اليوم، فيتعرض هذا العقد الاجتماعي والتكنولوجي الهش لعملية تدمير بنيوية شاملة، مدفوعة ببروز ما يُشار إليه بـ «حركة المرور الوكيلة» (Agentic Traffic).
 
تقود هذه الحركة بوتات برمجية، أي برامج افتراضية غير مجسّمة، وأنظمة ذكاء اصطناعي تتصفح شبكة الإنترنت بالنيابة عن البشر، مستخلصةً المعلومات والوقائع وصائغةً إياها في إجابات جاهزة داخل نوافذ المحادثة المغلقة، دون أن يضطر المستخدم النهائي إلى النقر على رابط واحد أو زيارة موقع المصدر.
 
في الثالث من حزيران (يونيو) الماضي، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة الأمن والبنية التحتية السحابية «كلاود فلير»، ماثيو برينس، عن تجاوز حركة مرور البوتات لحركة المرور البشرية عبر الويب المفتوح للمرة الأولى في التاريخ.
ووفقاً للبيانات، فإن هذا التحول الجذري جاء متقدماً بنحو ثمانية عشر شهراً عن التقديرات السابقة للشركة. هذا الانزلاق نحو «الويب غير البشري» توثقه أيضاً دراسات شركة «هيومان سيكيوريتي» المختصة في ضمان إبقاء التفاعل الرقمي من تنفيذ أشخاص حقيقيين، وتشير إلى أن حركة مرور الوكلاء الرقميين نمت بمتغيرات انفجارية بلغت 7,851 في المئة خلال عام واحد، متفوقة بثمانية أضعاف على معدل نمو النشاط البشري الرقمي.
 
وتتجلى أبعاد هذا التغير الهيكلي في المؤشرات التكنولوجية والاقتصادية للويب. تظهر أداة الرادار التابعة لشركة «كلاود فلير» أنّ حصة البوتات بلغت نحو 57.5 في المئة من إجمالي طلبات الويب مقابل 42.5 في المئة فقط للبشر. وينعكس هذا التضخم الآلي مباشرةً على قدرة الناشرين على البقاء، إذ تظهر دراسة سوق المنصات الصادرة عن مؤسسة «تول بيت» الرقمية، تراجعاً حاداً في معدل النقر من بوتات البحث الذكية بنسبة تقارب 95.7 في المئة مقارنة بمحرك البحث التقليدي «غوغل». في هذا الإطار أيضاً، تطابقت النتائج الأخيرة مع المسح الشامل لشركة «وود وينغ» الدولية الذي وثّق تراجعاً مأساوياً في زيارات الإحالة لمواقع الصحافة الخدمية يتراوح بين 62 و97 في المئة من خسارة الروابط الإحالية.
 
يعكس هذا التحوّل جوهر الأزمة الراهنة: بينما تأقلم الصحافيون مع الديناميكية المفروضة من اقتصاد الإنترنت وانهمكوا في جذب القرّاء للنقر، جاءت البوتات لتُشيّد واقعاً جديداً أصبح فيه القارئ مجرّد آلة عوضاً عن مستهلك متفاعل. وسط هذه المعضلة، استحال الأرشيف الصحافي من منارة للتثقيف العام إلى مجرد براميل نفط معرفية لتغذية النماذج الاحتكارية.
 
المعرفة والبيانات كأدوات تراكم رأسمالي
لا يمكن فهم هذا الهجوم التكنولوجي بمعزل عن سياق التاريخ الرأسمالي الطويل في الاستيلاء على الملكيات العامة. وتكشف التحليلات الصادرة عن مجلة «جاكوبين» أنّ الشركات الترليونية المالكة لتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تخلق قيمة جديدة بقدر ما تعمل على «تسييج المشاع الرقمي» وإعادة إنتاج آليات التراكم الأولي التي وصفها كارل ماركس. في هذا الإطار، يُمثّل «التسييج المعرفي» (Epistemic Enclosure) عملية فصل قسرية لمنتجي المعرفة الإنسانية عن وسائل إنتاجهم وتوزيعهم، عبر خصخصة البيانات العامة والمحتوى التاريخي المتاح مجاناً على الإنترنت وتحويله إلى أصول احتكارية مغلقة تدرّ عوائد لشركات التكنولوجيا الاحتكارية.
 
وصفت «لو موند ديبلوماتيك» هذا النموذج بـ «الاستعمار المعرفي الجديد»
 
من جهتها، وصفت المجلّة الفرنسية «لو موند ديبلوماتيك» هذا النموذج الاستخلاصي بـ «الاستعمار المعرفي الجديد». فالمنصات الكبرى تبني أنظمتها الذكية من خلال استغلال العمل الحي للصحافيّين والمبدعين من دون تعويض عادل، لتبيعه لاحقاً هذه المعرفة المُصنّعة للمستهلكين كبديل للصحف ذاتها. يُعيد هذا الاستخلاص البياني (Data Extractivism) رسم خارطة الإنتاج الثقافي لصالح رأس المال المالي، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى أن عمالقة التكنولوجيا يسعون إلى إنفاق مئات المليارات في السنوات المقبلة للهيمنة الكاملة على ممرات البنية التحتية للمعرفة.
 
وهم الحلول الفردية
في مواجهة هذا المد، اندفعت بعض المؤسسات الصحافية الليبرالية الكبرى لتوقيع اتفاقيات ترخيص ثنائية لحماية عوائدها، كصفقة «نيوز كورب» الضخمة التي تنصّ على دفع مبلغ يصل إلى 50 مليون دولار سنوياً للشركة الإعلامية لمدة ثلاث سنوات على الأقل، في مقابل السماح لـ«ميتا» باستخدام محتوى من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والإجابة عن الأسئلة في الوقت الفعلي عبر روبوتات الدردشة.
 
على وقع هذا التوجّه، ارتسمت معالم سوق مجزأة تُكرّس اللامساواة الطبقية داخل الفضاء الإعلامي. في هذا الصدد، تكشف دراسة الباحثة كورتني رادش الصادرة عن «معهد الأسواق المفتوحة» بالتعاون مع معهد «بروكينغز» بعنوان «نفس الحراس، بوابات جديدة»، أنّ هذه الصفقات لا تحمي غرف الأخبار بل تمثل فخاً تكنولوجياً جديداً. وتوضح الدراسة أنّ «الارتباط المزدوج للناشر» يكمن في اضطرار وسائل الإعلام إلى الاعتماد على البنية التحتية القانونية والتكنولوجية التي يمتلكها ويتحكم فيها محتكرو التكنولوجيا نفسهم الذين يدمرون حركة المرور الطبيعية لمواقعهم.
 
علاوة على ذلك، أظهرت البيانات أنّ ما يسمى بـ «صفقات البريمييم» (Deal Premium) التي كانت تمنح المواقع الموقّعة أفضلية مؤقتة في محركات بحث الذكاء الاصطناعي قد تبخرت تماماً بعد تراجع معدل النقر العام من منصات الذكاء الاصطناعي بمقدار ستة أضعاف. يضع هذا الوضع الناشرين الصغار والصحافة المحلية والمستقلة في مأزق وجودي، إذ لا يملكون القدرة التفاوضية لعقد مثل هذه الصفقات الثنائية. وبموجب هذا الإقصاء البنيوي، يتحول نظام المعلومات المعاصر إلى إقطاعية رقمية تسيطر فيها قلة من الشركات الاحتكارية على الفضاء العام وتملي شروط صياغة الواقع الاجتماعي والسياسي.
 
الاشتراكية في مواجهة الإقطاع الرقمي
من جهة أخرى، تؤكد التحليلات النقدية الصادرة عن «مركز تاو للصحافة الرقمية» في جامعة كولومبيا، والتي أسهمت في صياغتها الأكاديمية إميلي بيل، أنّ محاولات التقوقع الفردي للناشرين ستنتهي بالهزيمة الحتمية أمام عمالقة وادي السيليكون. كما تُشير بيل إلى أن تشكيل تحالفات جماعية مثل تحالف «سبور» في المملكة المتحدة يُمثل بداية متواضعة للبحث عن شروط جماعية منسّقة لرفض العبث الاحتكاري بجهود الصحافيين. مع ذلك، فإن هذه الأطر التعاقدية لا تزال عاجزة عن حل الأزمة الجذرية طالما ظلّت البيانات خاضعة لمنطق السلعة وقوانين السوق الرأسمالية.
 
أمام معضلة الوضع القائم، يتقدّم نموذج «اشتراكية المعرفة الاصطناعية» كحلّ جذري للأزمة، وهو ينطلق من أفكار الأكاديمي والمفكّر النيوزيلندي، مايكل بيترز، وأكّده «الأب الروحي للذكاء الاصطناعي» مهندس الكمبيوتر البريطاني الكندي، جيفري هينتون. وسبق للأخير أن أشار في نيسان (أبريل) العام الماضي، إلى أنّ السبيل الوحيد القابل للتطبيق لمنع التفاوت الشديد في الثروة جرّاء ثورة الذكاء الاصطناعي هو من خلال الاشتراكية. ويقتضي نموذج «اشتراكية المعرفة الاصطناعية» تحويل البيانات والإنتاج الثقافي إلى «مشاع رقمي عام» (Public Data Commons) تديره وتراقبه مجالس ديمقراطية ومجتمعية مستقلة، وتُموّل من خلال فرض ضرائب تصاعدية صارمة على الأرباح الخيالية والاحتكارات السحابية لشركات التكنولوجيا الكبرى.
 
يطرح هذا النموذج نفسه كخارطة طريق متكاملة توقف الوضع السائد الذي يسمح بمعاملة أرشيف المعرفة الإنسانية كطعم مجاني لخوارزميات الاستخلاص الرأسمالي، ليُعيد بناءه كبنية تحتية عامة تضمن الكرامة الاقتصادية والاجتماعية لعمال المعرفة، وتحفظ للصحافة الاستقصائية والتحليل النقدي دورهما المركزي في حماية العقد الاجتماعي وحقوق الجماهير الشعبية في وجه «كارتيل» الواحد في المئة المتحكّم في ثروات الكوكب المعرفية والعلمية والبشرية والطبيعية.