عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Aug-2026

مملكة الأنباط: أسرار العبادة الغامضة".. قراءة في الحياة الدينية للأنباط

 الغد-عزيزة علي

 يسلط كتاب "مملكة الأنباط: أسرار العبادة الغامضة" للباحث الدكتور خالد أكرم الحموري، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون"، بدعم من وزارة الثقافة، الضوء على الحياة الدينية لدى الأنباط، متتبعا طبيعة معتقداتهم والآلهة التي عرفوها، وأماكن العبادة والطقوس والممارسات المرتبطة بها، في محاولة لتقديم قراءة شاملة لأحد الجوانب المهمة من تاريخ المملكة النبطية.
 
 
ويعتمد الكتاب على قراءة الأدلة الأثرية والنقوش التاريخية، إلى جانب تحليل أسماء الآلهة ورموزها ووظائفها، للكشف عن ملامح المنظومة الدينية النبطية وتطورها في ظل التحولات التي شهدتها المملكة، ولا سيما الاستقرار والتحول إلى الزراعة والتفاعل مع الحضارات والثقافات المجاورة.
يبحث الحموري في طبيعة البانثيون النبطي، ومكانة الآلهة الرئيسة مثل "ذو الشرى"، "اللات"، "العُزّى"، "مناة"، إلى جانب آلهة أخرى محلية وأجنبية، متوقفًا عند احتمالات تطور وظائفها وخصائصها وتأثرها بالبيئة الثقافية والحضارية المحيطة.
ويتناول الكتاب كذلك الأماكن المقدسة في البترا والحِجْر وغيرها من المواقع المرتبطة بالعبادة، فضلا عن المعابد والمذابح والمزارات والمقابر، وما ارتبط بها من طقوس دينية وجنائزية. ومن خلال هذه الموضوعات، يسعى الكتاب إلى رسم صورة متكاملة للمعتقدات والممارسات الدينية لدى الأنباط، وإبراز امتداد تأثير بعض الآلهة النبطية إلى مناطق وشعوب عربية أخرى قبل الإسلام.
يشير الحموري في مقدمة الكتاب إلى أن دراسة الديانة النبطية تمثل تحديا علميا كبيرا، نظرا إلى محدودية الإشارات المباشرة الواردة في النقوش وغموض دلالاتها، إذ تقدم معلومات جزئية عن خصائص الآلهة وطبيعة المعتقدات المرتبطة بها. ويضيف أن هذه المعلومات تقتصر غالبا على الجوانب العامة، ما يستدعي مقارنتها بتقاليد دينية موازية، بهدف فهمها ضمن سياق أوسع وأكثر عمقا. لافتا إلى أن تحليل دلالات أسماء الآلهة، وتتبع حضورها في الطوبونيميا "علم أسماء الأماكن"، والأونومستيكا "علم الأسماء الشخصية"، يمثلان من الوسائل المهمة التي تسهم في الكشف عن أدوار هذه الآلهة ومكانتها ضمن السياق الديني النبطي، وتكوين صورة أكثر وضوحا عن طبيعة المعتقدات والممارسات الدينية لدى الأنباط.
ويبين المؤلف أن الديانة النبطية تتسم، شأنها في ذلك شأن الديانات العربية السابقة للإسلام، بطابع فلكي واضح، يُعد من أبرز سماتها المميزة. ويُرجح أن هذه السمة، إلى جانب الطابع البدوي الذي طبع المراحل الأولى من حياة الأنباط، أسهمت في تمثيل الآلهة من خلال البيتيلات "الأحجار المقدسة"، وهو نمط استمر حتى بعد استقرار الأنباط، بوصفه انعكاسا لرفض الثقافة السامية للتمثيلات الأنثروبومورفية، أي التصويرات البشرية للآلهة.
ومع توسع الدولة النبطية، في مرحلة لاحقة، دخلت إلى منظومتها الدينية آلهة من مناطق أخرى، من بينها "بعلشامين"، في الوقت الذي انتشرت فيه آلهتها المحلية إلى مناطق جديدة. وأسهم الاستقرار والتحول إلى الزراعة، إلى جانب التواصل مع الحضارة الهلنستية، في إعادة تشكيل طبيعة الآلهة وخصائصها، وأحدثت هذه التحولات تأثيرا عميقًا في طقوس العبادة. وفي هذا السياق، ارتبطت بعض الآلهة بسمات تعكس وظائف جديدة ذات صلة بالزراعة والخصوبة، ومن أبرزها "ذو الشرى"، و"اللات"، كما أُدخلت ملامح أنثروبومورفية على البيتيلات، وبدأت تظهر تمثيلات تصويرية للآلهة.
أما ممارسات العبادة، فقد تركزت في مواقع محددة، مثل المعليات، إلى جانب مراكز العبادة الأولى، وظهرت معابد أكثر تطورا ضمن المجال النبطي، بما يعكس التحولات التي طرأت على الحياة الدينية بالتوازي مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والحضارية التي شهدتها المملكة.
بعيدا عن الإشارات إلى الآلهة الأجنبية وبعض الآلهة الثانوية، تكشف النقوش النبطية عن أسماء عدد من الآلهة، من أبرزها "ذو الشرى"، "اللات"، "العُزّى"، "مناتو"، "هبلو"، "شيع القوم"، "الكتبى". إلا أن هذه المعطيات تثير تساؤلا مهما: هل يمكن اعتبار هذه المجموعة بانثيونًا نبطيًا متكاملا؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، بحسب الحموري، لا بد من بحث دور "ذو الشرى"، بوصفه الإله الرئيس، في تشكيل هذا النظام الديني. وعلى الرغم من أن هذه الفرضية قد تبدو مستبعدة من الناحية النظرية، بالنظر إلى الطابع المحلي لـ"ذو الشرى"، ومكانته المحدودة نسبيا، أو إلى احتمال كونه تجسيدا محليا لإله أعلى اكتسب مكانة أوسع بفعل ارتباطه بالدولة النبطية، فإن بعض المؤشرات، وإن كانت محدودة، تدعم احتمال وجود عملية لتوحيد الآلهة النبطية ضمن بانثيون ذي بنية هرمية.
وبعد تحليله الأدلة النقشية المتاحة، يرى جورج هيلي أن هذه الشواهد قد تتيح التوصل إلى استنتاج أولي مفاده وجود مؤشرات على تشكل بانثيون منظم، ربما برعاية ملكية، وفي إطار الإصلاحات الدينية التي شهدها عهد الملك رابيل الثاني.
غير أن الأدلة المتاحة تشير في الوقت نفسه إلى أن قائمة الآلهة في هذا البانثيون لم تكن موحدة أو ثابتة، بل اتسمت بتنوع واضح، انعكس في اختلاف الآلهة المحلية من منطقة إلى أخرى داخل المملكة النبطية. ويعكس ذلك، على ما يبدو، تعدد المراكز والممارسات الدينية داخل الدولة، إلى جانب محاولات محتملة لإضفاء قدر من التنظيم والهرمية على منظومتها الدينية.
ويشير المؤلف، استنادا إلى ملاحظتين أوردَهما ستاركي بشأن البانثيون النبطي، إلى أن هذا البانثيون يبدو، أولًا، محدودًا من حيث عدد الآلهة مقارنةً ببانثيونات الثقافات الوثنية المعاصرة، مثل ثقافات جنوب الجزيرة العربية وتدمر، التي اتسمت بتعدد الآلهة وتنوعها الكبير. ويجعل هذا العدد المحدود البانثيون النبطي أقل تعقيدًا وتنوعًا من حيث بنيته التعددية.
يوضح الحموري أن اختيار دراسة الأديان العربية في فترة ما قبل الإسلام يأتي انطلاقا من الاهتمام العلمي الكبير الذي حظيت به، لما تمثله من قيمة في ذاتها، ولأهميتها في فهم جوانب من الحضارة العربية خلال تلك الحقبة. وقد انعكس هذا الاهتمام في كثرة الدراسات التي أنجزها باحثون عرب ومستشرقون، وشكل دافعا لإجراء هذا البحث، ولا سيما في ظل محدودية الدراسات التي تناولت الدين النبطي من مختلف جوانبه، مقارنة بوفرة الأبحاث المتخصصة في موضوعات أخرى ذات صلة.
ويشير المؤلف إلى دافع آخر يتمثل في وجود أدلة على عبادة بعض الآلهة النبطية لدى شعوب عربية أخرى، بما قد يدل على امتداد تأثير الدين النبطي إلى مناطق وشعوب مجاورة. ومن أبرز الأمثلة الإله "ذو الشرى"، الذي يُعتقد أنه ذو أصل نبطي، ويبدو أن عبادته امتدت إلى شعوب في شمال غرب شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.
كما عُبدت الإلهتان "اللات"، "العُزّى"، وهما من الآلهة الرئيسة لدى الأنباط، لدى بعض شعوب جنوب الجزيرة العربية. وتظهر إشارات متأخرة إلى عبادتهما في نقوش مملكة سبأ، يعود معظمها إلى ما بعد عام 250م، في حين لا تعود نقوش مملكة معين إلى ما قبل القرن الرابع للميلاد. ويرجح أن أصل عبادتهما يعود إلى شمال شبه الجزيرة العربية، حيث عُثر على إشارات كتابية أقدم لهما، ما يعكس استمرار حضورهما في المعتقدات الدينية عبر فترات زمنية طويلة.
وبغض النظر عن طبيعة العلاقة المحتملة بين هذه الآلهة والله، فإن ورودها في القرآن الكريم والمصادر الإسلامية يؤكد مكانتها في الحياة الدينية لأهل مكة خلال العصر الجاهلي، ويشير إلى استمرار حضورها وتأثيرها في معتقداتهم.
ويقول الحموري إن الدراسة تهدف إلى تقديم تحليل شامل للدين النبطي، من خلال بحث طبيعة الآلهة النبطية وخصائصها وتطورها، إلى جانب دراسة أماكن العبادة والمقابر والطقوس والعادات الجنائزية المرتبطة بها. كما تعتمد على جمع الأدلة الأثرية والنقوش التاريخية، بهدف تكوين صورة متكاملة عن المعتقدات والممارسات الدينية لدى الأنباط.
الكتاب جاء في ثلاثة فصول الأول: يتناول الآلهة النبطية الرئيسة والفرعية، وأهميتها ووظائفها الدينية، وفي مقدمتها "ذو الشرى"، "اللات"، "العُزّى"، "مناة"، مع بحث طبيعتها الفلكية المحتملة. فيما يتحدث الفصل الثاني عن الأماكن المقدسة: حيث يركز على أهم المواقع المرتبطة بالعبادة لدى الأنباط، وفي مقدمتها المعليات والمزارات في البترا، إلى جانب مواقع مثل الحِجْر وعين الشلالة.
الفصل الثالث: يتناول الطقوس والممارسات الدينية والجنائزية، ولا سيما أنماط الدفن في البترا والحِجْر، مع تحليل اللقى الجنائزية من أوانٍ وتماثيل وأدوات طقسية، وما تحمله من دلالات رمزية. كما يبحث في طقوس تكريم الموتى والولائم الجنائزية وممارسات التطهير المرتبطة بالمعتقدات حول العالم الآخر.