عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Oct-2026

لماذا يضرم "جيل زد" النار في مدارس فرنسا؟

 

 
الغد
إيما-كيت سيمونز* - (الإندبندنت) 2026/10/5
 
دخان يتصاعد على مقربة من برج إيفل، ومدارس تلتهمها النيران، واحتجاجات بدأت من داخل الفصول الدراسية اعتراضًا على جداول الحصص، قبل أن تنزلق إلى فوضى وعنف تستثمرهما قوى سياسية في غضب الشباب. وبينما تراهن حركة "فرنسا الأبية" على تعبئة "جيل زد" وتحويل مطالبه التعليمية المشروعة إلى قوة احتجاجية أوسع، قد ينتهي هذا التصعيد، على نحو مفارق، إلى تقديم أكبر هدية لزعيمة حزب "التجمع الوطني" اليميني، مارين لوبان، ولليمين المتطرف.
 
 
***
لا يمكن إنكار حالة الافتتان، لا بل النظرة التي تكاد تتسم بالاعتياد وعدم الاكتراث، التي يبديها الفرنسيون تجاه الاحتجاجات العنيفة الدائرة في بلادهم.
تابعتُ أحدث انتفاضة جماهيرية تشهدها فرنسا، والتي يقودها هذه المرة طلاب المدارس الثانوية، وشاهدت كيف انزلقت البلاد فجأة إلى مستويات من العنف المفرط وإضرام الحرائق، وسط إحساس محبط بعودة مشهد سبق لي أن رأيته. وكنتُ قد قمت بتغطية أعمال الشغب التي اندلعت في الضواحي في العام 2005، والتي تسببت بأضرار قدرت بمئات الملايين من اليوروهات. كما غطيت تظاهرات الطلاب في العام 2006 احتجاجاً على عقود العمل الجديدة، والتي تحولت هي الأخرى إلى موجة عارمة من أعمال العنف.
وبعد 20 عاماً، ما تزال مشاهد "السترات الصفراء" وأعمال الشغب التي اجتاحت المدن في العام 2023 ماثلة في الأذهان، فيما تبدو فرنسا عالقة في دوامة متكررة من الغضب والصراع، والاحتجاجات وإغلاق الطرق، وإحراق المتاريس والسيارات، وتحطيم المباني. ومنذ الثورة الفرنسية في العام 1789، مروراً بكمونة باريس وأحداث أيار (مايو) 1968، يعود السؤال نفسه في كل مرة: هل العنف وسيلة مشروعة -بل وربما ضرورية- لإجبار الدولة على التحرك؟ بالنسبة لأقلية ترفع صوتها، وبينها سياسيون انتهازيون، تظل الإجابة: "نعم".
لكن الاحتجاجات تستفيد هذه المرة من أداة جديدة هي "تيك توك"، التي توظفها حركة "فرنسا الأبية" اليسارية المتطرفة بزعامة جان لوك ميلانشون بقدر كبير من الانتهازية (يمكن تشبيه ميلانشون بجيريمي كوربين -وإنما بقدر أكبر من الدهاء والكاريزما).
يقوم الحزب الذي بات متهماً بالتحريض على العصيان بإرسال نوابه، وهم يرتدون الأوشحة الفرنسية ثلاثية الألوان، مباشرة إلى التظاهرات لتحريض المراهقين وتشجيعهم على التصعيد -إلى جانب جماعات تروتسكية ثورية وأخرى قيل إنها إسلامية. وهذه في نهاية المطاف طريقة لتجنيد أنصار جدد. وسوف يصوت كثير من هؤلاء المراهقين للمرة الأولى في الانتخابات الرئاسية المقررة في الربيع المقبل.
تشبه هذه الأحداث إلى حد ما احتجاجات "جيل زد" التي غذتها وسائل التواصل الاجتماعي واجتاحت نيبال وبنغلاديش وكينيا وإندونيسيا وصربيا ومدغشقر، لكنها تحمل طابعاً فرنسياً أكثر وضوحاً. فأمام مدرسة أطفالي اليوم، كان المتظاهرون يقلدون -عن قصد- لوحة أوجين دولاكروا الشهيرة المعنونة "الحرية تقود الشعب".
في غضون أسابيع فقط، امتدت الاحتجاجات المتفرقة أمام مدارس الضواحي من تولوز إلى مرسيليا وليل ومنطقة بريتاني -وصولاً إلى وسط باريس. ويوم الخميس الماضي، الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تعطلت الدراسة في أكثر من 1.200 مدرسة ثانوية أو أغلقت أبوابها. وما تزال 400 مؤسسة تعليمية مغلقة في وقت كتابة هذه السطور. وقد ارتفعت أعمدة الدخان بالقرب من "برج إيفل" بعدما أضرم مهاجمون النار في مدرسة في "الدائرة الخامسة عشرة"، كما لحقت أضرار بمدارس في حي "ماريه" الراقي.
في ثانوية "لوي لو غران" التي درس فيها روبسبير، وهي مدرسة حكومية نخبوية عريقة تقع قبالة "السوربون"، رأيت طالباً ملثماً يرتدي قميصاً عليه صورة تشي غيفارا ووشاحاً. وحملت اللافتات التي رُفعت شعارات مثل: "الشباب، لا الفاشية"، و"يجب أن تكون امتيازاتنا حقوقاً"، و"ماكرون، اهتم بأستاذك، ودع أساتذتنا وشأنهم". وفي مدرسة "ليسيه مونتين" القريبة، تفاوتت اللافتات بين "حاسبوا المغتصبين، وليس الحجاب"، وشكاوى من "سجن تعليمي" تمتد فيه أيام الدراسة "من الثامنة صباحاً إلى السادسة مساء"، من دون حتى أن يكون هناك وقت كاف للراحة والمتعة.
ويحمل كثير من هؤلاء القادة الطلابيين الثوريين أسماء مثل فيليمون وأوستاش، ولديهم سير ذاتية فاخرة وآباء من ذوي العلاقات والنفوذ. وأكاد أجزم بأنهم جميعاً اختاروا دراسة المسرح كمادة إضافية. فالاشتراكية البرجوازية ليست تهمة في فرنسا. وهل هناك ما هو أكثر فرنسية من أن تلف وشاحاً حول عنقك أمام مدرستك النخبوية ثم تتذمر من حظر الهواتف الذكية؟
من السهل جداً السخرية من هذا النزوع الاستعراضي، لكن شكاوى الطلاب والمعلمين لها ما يبررها. فأيام الدراسة تمتد إلى ما بعد السادسة مساء، والصفوف مكتظة بأكثر من 35 تلميذاً في كل منها في كثير من الأحيان، ولا يحل مدرسون بدلاء محل المعلمين الغائبين، في حين أن المباني متهالكة، والعاملون في التعليم يتقاضون أجوراً متدنية. لكن السؤال هو: من الطرف الذي يستغل هذه الأوضاع؟
قام النائب عن حركة "فرنسا الأبية"، لوي بويار، البالغ من العمر 26 سنة ونجم "تيك توك"، بجولة على المدارس التي أغلق المحتجون مداخلها، حاملاً مكبر صوت ومصوراً نفسه وسط مراهقين يهتفون له بإعجاب، كما لو أنه كان في حفلة موسيقية صاخبة. أما ماتيلد بانو، زعيمة الكتلة البرلمانية للحركة، فرقصت مع متظاهرين مراهقين في مقطع على "تيك توك" انتشر على نطاق واسع. ويقدر رافاييل غرابلي من قناة "بي أف أم تي في" أن مقاطع زيارات نواب "فرنسا الأبية" للمدارس حصدت نحو 10 ملايين مشاهدة.
كتبت زميلتي، نورا بوسيني، في مجلة "لو بوان" Le Point أن شبكات من أقصى اليسار الفرنسي، إلى جانب بعض الشبكات المرتبطة بالإسلامويين، تسهم أيضاً في تغذية الاحتجاجات، بما في ذلك تجمع "ريد جين" RED Jeunes الذي ينشط في حملات مناهضة لـ"الإسلاموفوبيا".
ووفقاً لصحيفة "لو باريزيان" Le Parisien، تتبعت الأجهزة الأمنية خيوط الحركة إلى منطقة كريتاي خلال يومي الثامن عشر والتاسع عشر من أيلول (سبتمبر). وبعد اجتماع طارئ عقد أول الشهر، وصفت الحكومة الاحتجاجات بأنها "عملية نظمتها حركة ’فرنسا الأبية‘ ووكلاؤها من اليسار المتطرف". إلا أن "فرنسا الأبية" نفت ذلك بشدة.
تجدر الإشارة إلى أن تعامل الشرطة مع بعض الاحتجاجات اتسم بالقمع. وقد أصيب طفل يبلغ من العمر 14 سنة بجروح خطرة جراء مقذوف أطلقته الشرطة، كما أصيب آخرون في أعينهم. ولكن في يوم الخميس وحده أصيب 305 من أفراد الشرطة والدرك، وألقي القبض على 1.949 شخصاً. وأصيب 65 من العاملين في قطاع التعليم بينهم 40 مدير مدرسة. ويقول وزير التعليم إدوار جيفري إن معظمهم أكدوا له أن الذين اعتدوا عليهم لم يكونوا من طلاب مدارسهم. وفي "مدرسة نيلسون مانديلا الثانوية" في نانت، أتت النيران على قاعة المدخل الرئيسي. وحتى أطفالي أصبحوا بلا مدرسة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف لحركة تطالب بتحسين التعليم أن تحرم الأطفال من التعليم؟
ثم هناك هوس عارم بـ"الإغلاق". لماذا لا ينظم المتظاهرون مسيرة أو احتجاجاً أمام وزارة التعليم؟ لأن إغلاق المدخل بالحواجز هو الاستعراض في حد ذاته.
في حديث لإحدى محطات الإذاعة العامة، قال أحد الطلبة في مدرسة ثانوية للتكنولوجيا في مدينة "لو هافر": "نحن نريد فقط أن نظهر استياءنا، والطريقة الوحيدة، كما أثبت التاريخ، هي العنف". وأضاف: "لقد تغيرت فرنسا بالثورة في العام 1789، وكانت تلك الثورة عنيفة، لأننا عندما نتحدث أو ندلي بأصواتنا، لا يتغير شيء".
ويوافقه الرأي بالي باغايوكو، عمدة "سان دوني" في الضاحية الشمالية لباريس وأحد أبرز وجوه حركة "فرنسا الأبية"، ويقول: "بالطبع يمكن أن يكون ذلك تصرفاً مشروعاً"!
في الأثناء، أظهر مقطع فيديو تم التقاطه في "الدائرة العشرين" في باريس مجموعة من الشبان الملثمين وهم يطاردون شرطية شابة، ثم يطرحونها أرضاً ويركلونها وهم يصرخون: "عاهرة قذرة" و"اقتلوها". وفي مدينة بلفور، تعرض شرطي بملابس مدنية للضرب على رأسه حتى فقد الوعي، وفتح الادعاء العام تحقيقاً بتهمة محاولة القتل. ومن المقرر تنظيم تعبئة وطنية أخرى يوم الثلاثاء المقبل. ولا أرى لهذا الوضع نهاية مختلفة عما انتهى إليه تحرك "السترات الصفراء" أو أعمال الشغب في العام 2005.
للأسف، كل هذا مفصل على مقاس زعيمة "التجمع الوطني" مارين لوبان التي تستطيع بكل ارتياح تحويل الأنظار بعيداً من المعلومات المقلقة التي تكشفت بشأن معاداة السامية التي طاولت جوردان بارديلا، الذي تأمل لوبان في أن يتولى رئاسة الحكومة في عهدها. وهكذا يصنع شباب جان لوك ميلانشون الفوضى، واليمين المتطرف يحصد الأصوات.
ماذا عن قادة الطلاب؟ يبدو أنهم يواصلون الابتهاج ويهتفون: "الشباب يتحدى ’الجبهة الوطنية‘"، ويرددون خطباً جاهزة ضد "أنصار ماكرون". ولكن ماذا سيقولون عندما يدفع لوبان وميلونشون ببلد يترنح أساساً على حافة أزمة ديون نحو انهيار مالي واجتماعي؟ وعلى من سيلقون باللوم حينها؟
يمكنني أن أخرج من درجي تقريراً كنتُ قد كتبته قبل 10 أعوام أو 20 عاماً، ولن يلاحظ أحد الفرق -باستثناء أن أحداثه ستتحول هذه المرة إلى مقطع فيديو على تطبيق "تيك توك".
 
*إيما-كيت سيمونز Emma-Kate Symons: صحفية وكاتبة عمود أسترالية تقيم في باريس. عملت لسنوات في تغطية السياسة الفرنسية والانتخابات والشؤون الأوروبية، قبل انتقالها لاحقًا إلى واشنطن. درست في جامعة سيدني وجامعة كولومبيا، وغطّت خلال مسيرتها مناطق وأحداثًا في أوروبا والشرق الأوسط، إلى جانب عملها في نيويورك وواشنطن ومانيلا وبانكوك وكانبيرا. تُنشر تغطياتها في أهم المنافذ الإعلامية العالمية.