عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jun-2026

في الهجرة.. الليلة الأخيرة*إسماعيل الشريف

 الدسنور

«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ»- الحج: 39-40.
 
وصلت العلاقة بين المسلمين والمشركين إلى طريق مسدود؛ فقد فشلت مهمة عمرو بن العاص في الحبشة فشلًا ذريعًا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى آل ياسر يُعذَّبون، وسمية تواجه أبا جهل فيطعنها، فيبشّرهم بالجنة. وكان أسد الله حمزة بن عبد المطلب يصفع أبا جهل عند الكعبة فلا يجرؤ أبو جهل على الرد، وبلال تُوضَع الصخرة على بطنه، وعمر يتحدى قريشًا وهو يهاجر، فلا يجرؤ أحدٌ على أن يتبعه.
 
لم يَعُد في مكة متّسعٌ للإسلام؛ فقد كانت يثرب، بأوسها وخزرجها، تنتظر قدومه ليؤسس فيها دولته الأولى.
 
كانت قريش تدرك ما يعنيه وصول الرسول صلى الله عليه وسلم الى يثرب؛ فلم تجد سبيلًا إلى منعه إلا بقتله. فاجتمع رأيها على أن تختار من كل قبيلة رجلًا، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرّق دمه بين القبائل. عندها كان دور سيدنا علي بن أبي طالب، فارس المسلمين، أن ينام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما مضى الرسول إلى بيت أبي بكر، يخبره بأمر السماء، ويطلب صحبته في الرحلة.
 
كل هذا، وما قبله وما بعده، نعرفه بأدقّ تفاصيله في كتب السيرة. غير أنّ كتب السيرة لم تخبرنا بخلجات نفس الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يغادر منزله: كيف كان شعوره وهو يترك بيت زوجته خديجة؟ هل ملأ رئتيه من عبيرها؟ هل أخذ شيئًا من متاعها يستبقي به ذكراها؟ هل اغرورقت عيناه وهو يستعيد صورتها يوم ضمّته إلى صدرها حين أخبرها بنزول الوحي، ثم حملت معه ثقل النبوّة ومشقّتها؟
 
ولم تقل لنا كتب السيرة كيف ودّع بناته؛ كيف ودّع زينب المكسورة، التي كانت تحتاج إليه بعدما اختار قلبُها الإسلامَ على البقاء مع زوجها المشرك. تلك الابنة التي ستسطر كتب السيرة لاحقًا ملحمةً من الحب والوفاء؛ فقد شهد زوجها بدرًا وهو على شركه، ثم أُسر، فبعثت في فدائه قلادة أمها خديجة، فكانت سببًا في إطلاق سراحه. ثم أُسر مرةً أخرى على يد المسلمين وهو في طريقه إلى الشام، فأجارته، فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. فعاد إلى مكة، وردّ أموال قريش، ثم رجع إليها مسلمًا. فهل نظر الرسول صلى الله عليه وسلم في عينيها وهو يودّعها؟ هل قبّلها؟ هل طمأنها وهي الخائفة عليه؟ هل ترك معها شيئًا من النفقة؟
 
وهل مسح دموع ابنته فاطمة، أحبّ الناس إلى قلبه؟ وهل فاضت دموع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يترك قطعةً من قلبه في مكة؟ تلك التي قالت عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها، فقبّلها، وأجلسها في مجلسه».
 
ولم تكتب كتب السيرة: هل خطرت على بال رسولنا صلى الله عليه وسلم، وهو يغادر منزله، ابنته رقية، البعيدة عنه آلاف الكيلومترات في الحبشة مع زوجها عثمان بن عفان، بعدما كانت زوجةً لابن عمها الذي طلّقها عقب نزول سورة المسد، امتثالًا لأمر أبيه؟ وهل واسى ابنته أم كلثوم، وهي ترتجف وتتساءل: لمن سيتركها والدها؟
 
أتخيّل تلك الليلة الأخيرة، وأتساءل: هل أستطيع حقًا أن أصف كم كانت قاسية على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ لعلّ وجعها، وهو يفتح الباب ويغادر، تاركًا خلفه ذكرياته، وعبير خديجة، ودموع فاطمة، كان أشدّ عليه من جحود قريش وتكذيبها وتعذيبها.
 
لم تقل لنا السُّنّة النبوية هل التفت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخرج من منزله، ولا هل لان قلبه أمام ذلك الموقف العصيب. كان وجعًا صامتًا، أثقل من كل الأوجاع التي دوّنتها كتب السيرة.
 
صلّى الله عليك يا حبيبي يا رسول الله.