ذهبنا برحلة لغزة.. ووجدنا أرضا مقدسة
الغد
هآرتس
يوعنا غونين 21/7/2026
"انظروا كم من الناس يريدون أن نعود للاستيطان في غزة"، أعلن أول من أمس وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بحماس، في مسيرة لحركة "نحلا" نحو جدار القطاع. والإجابة، إذا أردنا أن نحاكم الأمور بحسب المشاركين في الحدث، هي: كم هناك من آلاف المجانين. كان هدف المسيرة الدعوة إلى استئناف الاستيطان في شمال قطاع غزة، في المنطقة الشمالية التي كانت تقع فيها، في يوم من الأيام، مستوطنات نيسانيت وإلي سيناي ودوغيت.
جرت المسيرة تحت شعار "السماء ترسخ خط الفصل"، وهو شعار له رائحة بيروقراطية، ويبدو كمبادرة للتجديد الحضري، وليس كخطة ضخمة للسيطرة على منطقة طُرد سكانها بواسطة الدبابات والطائرات. حتى الحرب، كان شمال غزة منطقة مكتظة وتنبض بالحياة، سكن فيها مئات الآلاف من الناس. أما اليوم، فتوجد هناك بالأساس أنقاض، وبنى تحتية مدمرة، وأشخاص نازحون عادوا ويحاولون البقاء بين الأنقاض.
"كيف تشعر وأنت ليس لديك أي حل لواقع وجود ملايين الأشخاص في غزة؟" سألت إحدى المشاركات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي جاء هو أيضا إلى المسيرة. "سنشجع الهجرة"، أجابها بن غفير بابتسامة مصطنعة، ومن ثم دُفعت إلى الخلف من قبل دائرة رجال الشرطة التي أحاطت به.
الطريق إلى السياج أشبه بلعبة رمي الكرة على الكثبان الرملية. أغلق الجيش والشرطة الطريق، وواصل المتظاهرون التقدم عبر الرمال. لم يكن الأمر صعبا للغاية؛ فقد وُضعت نقاط التفتيش هناك أساسا لكي تتمكن الدولة لاحقا من الادعاء بأنها حاولت جاهدة. وصل مئات الفتيان إلى الطريق الأمني قرب السياج، حيث رقصوا في دوائر وأنشدوا: "انتقموا لإحدى عيني من الفلسطينيين، وليُمحَ اسمهم". وعلى التلة فوقهم، أعلنت دانييلا فايس: "نحن هنا لنعيد غزة يهودية... لن يكون هناك عرب في غزة بعد الآن". وخلفها، امتدت أنقاض القطاع تحت غروب الشمس، خلفية رومانسية للحظات التوحد مع أرض إسرائيل الكاملة.
يكاد يكون من المريح التعامل مع هؤلاء الناس على أنهم حفنة من الأشخاص الموهومين، لكن الحقيقة أنهم الوجه العاري للنظام. سار معهم العديد من الوزراء وأعضاء الكنيست، وسمحت لهم الشرطة بتجاوز نقاط التفتيش بثقة من هم أصحاب المنزل، ووزع الجنود عليهم زجاجات المياه، وأعادوا بعضهم إلى نقطة الانطلاق في مركبات مدرعة.
عندما حاول متظاهرون مناهضون للحرب الاقتراب من السياج في الماضي، قوبلوا بعنف شديد واعتقالات؛ أما المستوطنون، فقد استقبلهم أفراد خدمة عملاء يرتدون الزي العسكري. هذا ما يحدث عندما يسير وزير الشرطة على رأس احتجاج ضد حكومة هو نفسه عضو فيها.
هذا هو الجنون الخالص لهذا الحدث: ليس الإسرائيليون وحدهم من يحلمون بالاستيطان في غزة، بل الدولة نفسها ترافقهم كأم في رحلة إلى وهم التطهير العرقي. لم يدخل المتظاهرون القطاع هذه المرة، لكن هذا تفصيل لا يُذكر. فقد توغلت رؤيتهم بالفعل إلى أعماق أبعد: إلى الحكومة، وإلى التيار السياسي السائد، وإلى صفوف الجيش والشرطة.
قال يحيئيل غرينبلوم، أحد المشاركين: "قطاع غزة بأكمله جزء لا يتجزأ من إسرائيل". وقال وزير الاتصالات شلومو قرعي: "شعب إسرائيل يعشق آثار هذه الأرض المقدسة". وقال الوزير بن غفير: "ستُقام مستوطنات يهودية في كل غزة". وقال الجنود للمتظاهرين: "أحسنتم صنعا".
لدولة إسرائيل وجهان: وجه تتجه به إلى العالم، متظاهرة بالتقوى، وتتحدث عن المناطق العازلة والخطوط الصفراء؛ ووجه آخر يرقص أمام أنقاض غزة، وينشد أغاني الانتقام. لم يأتِ المتظاهرون للترويج لسياسة مختلفة عن سياسة الحكومة، بل للسياسة نفسها.
وخلف السياج، يواصل جيش الدفاع الإسرائيلي عملياته في غزة، وجعل القطاع مكانا غير صالح للسكن؛ وأمامه، تحدد دانييلا فايس هدفها ببساطة: لن يكون هناك عرب هنا.