الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سايمون تيسدال* - (الغارديان) 18/7/2026
مع استئناف القصف على إيران، أصبح واضحاً أن الرئيس جرّ الولايات المتحدة إلى كارثة بلا حدود، وأخذ العالمَ إلى مستنقع اقتصادي يصعب الفكاك منه.
بعد الكثير من التهور وفقدان الوجهة، يبدو دونالد ترامب تائهاً الآن في إيران، عاجزاً عن إيجاد مخرج من الحرب الكارثية التي بدأها. مرة أخرى، يواصل الجيش الأميركي قصف ذلك البلد بعنف، مستهدفاً بصورة متزايدة بنيته التحتية المدنية. وكما حدث من قبل، لا يفعل هذا البطش غير القانوني سوى تعزيز صمود نظام متشدد لا يكترث كثيراً بمعاناة شعبه.
كم مرة أعلن ترامب وبيت هيغسيث، سيد العظام المتوحش في البنتاغون، نصراً زائفاً؟ في الأسبوع الماضي، زعم الرئيس أنه "يحقق انتصاراً كبيراً". لكن أحداً لا يصدقه. وفي حين يحصي العالم التكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة التي تسببت بها حماقته الفارسية، فإنه يسخر أيضاً من عجز الولايات المتحدة.
الآن، أصبح الهدف المحدود والمراوغ للبيت الأبيض هو السيطرة على مضيق هرمز، الذي أُغلق في المقام الأول بسبب نزعة ترامب العدوانية. والأهداف الأميركية والإسرائيلية الأكثر طموحاً للحرب -القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف الميليشيات الإقليمية التابعة لطهران، وإحداث تغيير في النظام- أصبحت الآن أبعد منالاً من أي وقت مضى. وليس الحرس الثوري الإيراني هو الذي يجعل القوات الأميركية عاجزة، وإنما جبن القيادة. وإذا كانت إيران تمثل حقاً التهديد الوجودي الذي يدّعيه الرئيس، فإن المسار المنطقي كان سيتمثل في تنفيذ غزو شامل. عندما قرر جورج دبليو بوش أن العراق يشكل خطراً لا يمكن التسامح معه قام بغزو البلد بقوة قوامها 170 ألف جندي من قوات المشاة. وكانت النتيجة كارثة، لكن بوش امتلك الجرأة على الأقل.
لكنّ ترامب، المعروف بإعفائه من الخدمة العسكرية بسبب "نتوءات عظمية" في قدميه، لا يجرؤ حتى على التفكير في اتخاذ خطوة مماثلة ضد إيران. ولعل العالم مدين له بشيء من الامتنان على هذا القدر الضئيل من ضبط النفس. لكنه في المقابل لن يعترف أيضاً بخطئه حين بدأ، باستهتار، حرباً لا يستطيع إنهاءها. وبدلاً من ذلك، ما يزال يفضل تعريض المدنيين والقوات الأميركية لحرب استنزاف أبدية يستحيل الانتصار فيها؛ وتعريض الحلفاء العرب في الخليج للخطر؛ والإضرار بالاقتصاد العالمي، والمجازفة بالتسبب في مجاعات مدمرة في البلدان النامية؛ وإدخال السرور إلى قلوب الطغاة من موسكو إلى بكين؛ وتقويض القانون الدولي؛ وتدمير الفرص الانتخابية للحزب الجمهوري، على أن يقر بأنه ارتكب خطأً فادحاً ويسعى إلى تسوية دبلوماسية عن طريق "محادثات السلام" المتعثرة.
إن حب ترامب المفرط لنفسه -وليس إيران- هو العدو الأول للعالم. إنه السبب الرئيسي في انزلاق هذه الحرب مجدداً نحو تصعيد خارج عن السيطرة. وهو ما يجعل منه سلاح دمار شامل في هيئة رجل واحد.
ثمة نمط مألوف يظهر هنا. فقد ذهب ترامب إلى الحرب من دون استشارة الكونغرس، أو حلفاء الولايات المتحدة، أو الشعب الأميركي. ولم تكن لديه خطة واضحة ولا إستراتيجية طويلة الأمد. وقد ابتلع الوعود المشبوهة بتحقيق نصر سريع التي قدمها له رئيس الوزراء الإسرائيلي، المشبوه بالقدر نفسه. ولم تهز جهله العميق بالمخاطر العسكرية والإقليمية حتى التقديرات التي قدمها الخبراء، والتي أفادت التقارير بأنه تجاهلها. ومن المدهش بما يكفي أن ترامب كان يتوقع من إيران أن تستسلم قبل أن تُقدم على إغلاق مضيق هرمز، وقد أُصيب بـ"الصدمة" عندما ردت بمهاجمة القواعد الأميركية في دول الخليج، في حين لم يتفاجأ سائر العالم بذلك. والآن، أصبح ترامب تائهاً تماماً.
بالإضافة إلى ذلك، اتسمت الخطة الضخمة ذات النقاط العشرين التي طرحها العام الماضي تحت عنوان "خطة السلام" في غزة بالقدر نفسه من الغرور وانعدام المسؤولية. ولم يتحقق أي تقدم في أي من عناصرها الأساسية، من إعادة الإعمار، إلى إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، إلى نزع السلاح -حتى أن ترامب نفسه فقد اهتمامه بها إلى حد كبير. لم تتخل حركة "حماس" عن سلاحها، وترفض القوات الإسرائيلية الانسحاب من القطاع، وما تزال المساعدات الإنسانية تتعرض للإعاقة، كما قُتل أكثر من ألف فلسطيني منذ "وقف إطلاق النار" في تشرين الأول (أكتوبر). وفي ظل غياب أي حل سياسي في الأفق، ما تزال غزة تعيش حالة معلقة بين السلم والحرب، فلا هي في سلام ولا هي في حرب.
وينطبق نقد مماثل على تدخلات ترامب العبثية التي لم تقدم أي مساعدة في الحرب الروسية-الأوكرانية. فهو لم يشغل نفسه في أي يوم بالأسباب الجذرية للحرب أو بالدوافع غير المشرفة لفلاديمير بوتين. وبدلاً من ذلك انحاز إلى الطرف الذي اعتقد أنه الأقوى، وحاول إرغام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على قبول استسلام شبه كامل. وعندما أخفق في ذلك، أدار ظهره لكييف بنزق، مع أنه ما يزال يحاول -لأسباب لا يعلمها إلا هو- استرضاء بوتين المتعنت. واليوم يتكرر النمط نفسه من الغباء الرئاسي، ونفاد الصبر، وانعدام المسؤولية في إيران هذه المرة.
الآن، وقد أصبح عاجزاً عن تخليص نفسه من المأزق، يتخبط ترامب في كل اتجاه. وفي صميم التصعيد الذي شهدناه الأسبوع الماضي تكمن "مذكرة التفاهم" الموقعة في حزيران (يونيو)، التي كان من المفترض أن تجمّد الصراع لمدة ستين يوماً ريثما تُستأنف المفاوضات الأساسية. وقد أشاد ترامب بمذكرة التفاهم باعتبارها انتصاراً شخصياً له، لكنها تعاني، شأنها شأن كثير من صفقاته، من خلل قاتل. وبدا أن فقرتها الخامسة تضفي شرعية فعلية على السيطرة الإيرانية بحكم الأمر الواقع على مضيق هرمز. وكان ترامب، الباحث بيأس عن مخرج، قد وافق على ذلك. والآن، بعد أن بدأت تبعاتها في الظهور، أصبح يتراجع عنها. وليس مستغرباً، والحالة هذه، أنّ إيران لا تثق به. ومن ذا الذي يثق به من الأساس؟
يبدو أن حجم الأضرار التي تسببت بها كارثة ترامب الإيرانية لا حدود له في هذه المرحلة. وهو يعرض مشهداً نادراً لم يشهد العالم له مثيلاً. إنه أشبه بمدمن كحول يتناول كأساً جديدة معتقداً أن النتيجة هذه المرة ستكون مختلفة، حيث استأنف ترامب القصف اليومي لإيران على الرغم من أن جميع الهجمات السابقة أخفقت في تحقيق النتائج المرجوة. وكلما زاد القصف، ازداد النظام الإيراني تصلباً، وتصاعد النزاع واتسع نطاقه، وتضاءلت فرص التوصل إلى حل للقضية النووية التي تدّعي الولايات المتحدة وإسرائيل أنها جوهر المشكلة.
من الواضح أن ترامب، الذي توعد بفرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز ثم تراجع عن تهديده خلال أربع وعشرين ساعة، والذي يشرف على شن هجمات تستهدف البنية التحتية المدنية وقد ترقى إلى جرائم حرب، ويواجه في الوقت نفسه احتمالاً اقتصادياً بالغ الخطورة يتمثل في فرض الحوثيين المدعومين من إيران حصاراً على البحر الأحمر، لا يملك أدنى فكرة عن كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي لا يني يزداد عمقاً. وينظر الحلفاء الأوروبيون إليه بعين الريبة بينما يقهقه خصوم واشنطن شماتة، وترتعد الأسواق العالمية، ويعاود سعر النفط الارتفاع. ومع كل صاروخ يُطلق، تتراجع سمعة الولايات المتحدة ونفوذها في العالم. ومن الصعب أن تكون الدولة قوة عظمى عندما لا يكنّ لها أحد أي احترام.
وإذن، مَن الذي سيوقف ترامب؟ لقد أبلغه الكونغرس أنه يجب أن يوقف الحرب أو يحصل على تفويض رسمي لمواصلتها، لكنه يتجاهل ذلك. وتُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأميركيين تعارض هذه الفوضى برمتها التي بلغت كلفتها مئة مليار دولار وأسهمت في تغذية التضخم، لكنّ ترامب يرفض الإصغاء إليهم. والحلفاء المصدومون، الذين ما يزالون يلعقون جراحهم بعد التوبيخ الجديد الذي وجهه إليهم في قمة (الناتو) في أنقرة، لا يجرؤون على كبحه خشية حدوث قطيعة دائمة. ويحاول البابا ليو بكل شجاعة أن يفعل ما بوسعه. ولعل الصلاة هي الشيء الوحيد المتبقي.
وبينما يجلس في الكرملين وسط أنقاض أوهامه العسكرية، لا يسع فلاديمير بوتين إلا أن يشعر بالغبطة وهو يرى الأميركيين يستنزفون ما لديهم من صواريخ اعتراضية وموارد مالية وطاقة في حرب أخرى لا نهاية لها في الشرق الأوسط، بعيدة كل البعد عن أوكرانيا. وكلما ازدادت الضغوط داخل التحالف الغربي ازداد سروره -خاصة إذا كانت تقارير الاستخبارات محقة في ترجيحها أن روسيا تخطط لاستفزاز واسع النطاق في إطار حرب هجينة في بولندا أو جمهوريات البلطيق. وإذا كان لدى أحد أي شك في موقف الصين، فما عليه إلا أن ينظر إلى تجربة إطلاق الصاروخ بعيد المدى من غواصة في جنوب المحيط الهادئ الأسبوع قبل الماضي. ويراقب الرئيس شي جين بينغ عن كثب -شأنه شأن اليابان وتايوان القلقتين- مسرح الفوضى الذي صنعه ترامب. وقد أصبحت الصين مسبقاً من أكبر المستفيدين -اقتصادياً ومن حيث تعزيز نفوذها القائم على القوة الناعمة. وسواء طال الزمن أم قصر، سوف يترجم شي هذه المكاسب إلى مكاسب عسكرية.
في نهاية المطاف، يبقى لغز ترامب قضية ينبغي للشعب الأميركي أن يحسمها بنفسه. إنه هو الذي انتخبه. وهو الذي حمّل العالم عبء هذا الرجل الخطير. وهو أيضاً من قد يدفع في نهاية المطاف الثمن الأكبر لما يقترفه من تدمير وإفساد. وكما أعلن توماس جيفرسون والآباء المؤسسون في العام 1776، فإننا، نحن شعوب العالم، نعتبر هذه حقائق بديهية لا تحتاج إلى برهان: بعيداً عن أن يجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، يقوم ترامب بجعلها أصغر شأناً، وأكثر قسوة، وأقل سعادة، وأكثر انقساماً، وأشد عزلة، وأقل احتراماً ومحبة في نظر العالم. وما يحتاج إليه العالم اليوم، على وجه السرعة، هو: "إعلان الاستقلال عن ترامب"، 2026.
*سايمون تيسدال Simon Tisdall: صحفي ومحلل بريطاني متخصص في الشؤون الدولية والسياسة الخارجية، ويشغل منصب معلّق الشؤون الخارجية في صحيفة الغارديان. عمل مراسلاً للصحيفة في عدد من العواصم، من بينها واشنطن ونيودلهي، وغطّى على مدى عقود قضايا الحروب والأمن الدولي والعلاقات بين القوى الكبرى، مع تركيز خاص على الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. يُعرف بتحليلاته المنتظمة في قضايا الدبلوماسية والصراعات الدولية، وبمتابعته المستمرة للسياسة الخارجية البريطانية والأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Trump, not Iran, is the world’s greatest danger. He’s a one-man weapon of mass destruction