عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Jul-2026

أحمد طمليه في "ليلة واحدة فقط".. تجربة إنسانية بين القهر والأمل

 الغد-عزيزة علي

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية "ليلة واحدة فقط" للكاتب أحمد طمليه، التي يستعيد فيها وقائع حدثت ذات "ليلة أربعاء على خميس" من العام 1996، في عمل سردي مكثف تتقاطع فيه السيرة الذاتية مع أسئلة الحرية والخوف والثقة بالآخر، ويكشف عن تجربة إنسانية تتجاوز حدود الحكاية الفردية نحو تأملات أعمق في مصائر الإنسان واختباراته.
 
 
تدور الرواية حول شاب مسالم يجد نفسه خلف القضبان إثر فعل إنساني أقدم عليه بدافع الشهامة، لتتحول ليلة واحدة إلى مساحة سردية تختبر علاقته بالآخرين وبذاته، وتكشف ما يمكن أن يواجهه الإنسان حين يجد نفسه أسير ظرف لم يكن يتوقعه. وبين انتظار الفرج وتوالي الأسئلة، ترسم الرواية رحلة نفسية تتجاوز حدود الحكاية الفردية نحو تأملات أوسع في المسؤولية والوفاء والخذلان.
ويشير طمليه إلى أن الرواية كُتبت بأسلوب يمزج بين الواقع والخيال، وبين القهر والسخرية، بما يجعلها تتجاوز تصنيفها ضمن أدب السجون، لتغدو عملًا إنسانيًا يستكشف التجربة النفسية والوجودية للإنسان في مواجهة الخوف والسلطة.
يرى الناقد الأدبي الدكتور زياد أبو لبن، في تقديمه للرواية، أنها تقوم على فضاء سردي تتداخل فيه السيرة الذاتية مع رواية المغامرة، ويتجاور الواقع المعيش مع التشويق الحكائي، لتقدم نصًا يجذب القارئ منذ صفحاته الأولى إلى عالم مشحون بالتوتر والترقب. فالحياة في الرواية تبدو لغزًا ينتظر الحل، فيما تصبح الحرية غاية يسعى إليها البطل عبر سلسلة من الأحداث والمواقف الإنسانية المتشابكة.
ويشير أبو لبن إلى أن الرواية تنطلق من حدث يبدو بسيطًا في ظاهره؛ إذ يجد رجل نفسه خلف القضبان بسبب كفالة مالية قدمها بدافع الشهامة والرحمة لامرأة عجزت لاحقًا عن الوفاء بالتزاماتها. غير أن أحمد طمليه يحول هذا الحدث إلى منطلق لأسئلة أعمق تتعلق بالثقة والخذلان، وثمن النبل الإنساني، وحدود التضامن في مجتمع تتداخل فيه العلاقات والمصالح، وتلقي فيه الظروف الاقتصادية أعباءها على الأفراد.
وأضاف أن الرواية تقود القارئ إلى عالم بطلها أحمد، النزيل الذي ينتظر لحظة الإفراج عنه، فيغدو الزمن جزءًا أساسيًا من بناء الحكاية. فمع مرور الساعات يتصاعد القلق، وتتسع مساحة الانتظار، وينخرط القارئ وجدانيًا في مصير الشخصية، مترقبًا ما إذا كانت الأبواب المغلقة ستُفتح أم أن منعطفًا جديدًا سيغير مسار الأحداث. وهنا تتجلى براعة الكاتب في بناء التشويق القائم على التوتر الإنساني، لا على المفاجآت المصطنعة.
ومن هذه الزاوية، تقترب الرواية من أجواء روايات المغامرة الكلاسيكية؛ ليس من حيث الجريمة أو التحقيق، بل من حيث إحكام بناء السرد وإدارة خيوطه بما يبقي القارئ في حالة ترقب دائم. فالشخصيات والتفاصيل الصغيرة تحمل احتمالات متعددة، والزمن نفسه يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الحدث وتصاعده.
كما يرى أبو لبن أن الرواية تنفتح على أفق السيرة، إذ يبدو بطلها قريبًا من المؤلف، وتبدو التجربة السردية مشبعة بصدق المعايشة وحرارة الذاكرة. لذلك لا يشعر القارئ بأنه أمام أحداث متخيلة فقط، بل أمام تجربة إنسانية تتداخل فيها الحقيقة بالتخييل، والواقع بالسرد.
وتكتسب الرواية أهميتها من قدرتها على تجاوز الحكاية الفردية إلى سؤال إنساني أوسع؛ فمحنة أحمد ليست مجرد قصة رجل قادته الشهامة إلى مأزق قانوني، بل صورة لتجربة الإنسان حين يدفع ثمن ثقته بالآخرين، ويجد نفسه أسير ظروف لم يتوقعها. ومن هنا تطرح الرواية أسئلة حول المسؤولية والوفاء والعدالة.
ويتوقف أبو لبن عند شخصية عبد الناصر، الصديق الذي يمثل طريق الخلاص، ويرى فيها الوجه المضيء للعلاقات الإنسانية. فكما قادت الثقة الأولى البطل إلى المحنة، تقوده الصداقة الصادقة نحو الانفراج. وبين الخذلان والوفاء، والسجن والحرية، واليأس والأمل، تتقدم الرواية في مسار درامي يحافظ على توتره حتى النهاية.
وخلص أبو لبن إلى أن "ليلة واحدة فقط"، ليست رواية عن السجن بقدر ما هي رواية عن انتظار الحرية، وليست رواية عن الدين والكفالة وحدهما، بل عن الإنسان في مواجهة اختبارات الحياة المفاجئة. إنها تجمع بين متعة الحكاية وصدق التجربة، وبين التشويق السردي والعمق الإنساني.
وفي منشور له على صفحته في "فيسبوك"، أوضح أحمد طمليه أن الرواية تروي تفاصيل ما جرى خلال ليلة واحدة من العام 1996، حين يجد شاب مسالم، لم يسبق له أن دخل مركزًا أمنيًا، نفسه يُزج به في السجن بسبب فعل إنساني أقدم عليه، ليواجه تبعات قاسية، وتغدو الحرية بالنسبة إليه حلمًا بعيد المنال، فيما تتحول ساعات تلك الليلة إلى كابوس طويل.
ويشير طمليه إلى أن الرواية كُتبت بأسلوب يمزج بين الواقع والخيال، وبين القهر والسخرية، بما يجعلها تتجاوز تصنيفها ضمن أدب السجون، لتغدو عملًا إنسانيًا يستكشف التجربة النفسية والوجودية للإنسان في مواجهة الخوف والسلطة.
وتستهل الرواية بحضور شخصية عبد الناصر زريقات، الصديق الذي يدخل حياة الراوي في لحظة بحث عن تغيير ومغادرة أجواء البيت العائلي: "جاءنا إلى المؤسسة زميل جديد، تخرّج لتوّه في جامعة اليرموك، تخصص علم الاجتماع، اسمه عبد الناصر زريقات. سرعان ما توثقت علاقتي به، وأصبحنا صديقين. أكثر ما استوقفني فيه ضحكه المقرون بالدهشة من أي كلمة أقولها؛ كلمات طالما قلتها وعددتها عادية، لكنها كانت تبدو فجأة مثيرة حين يضحك عبد الناصر عليها.
ومن خلال هذه العلاقة، يجد الراوي نفسه أمام خيار السكن مع صديقه في شقة بضاحية الرشيد، بعيدًا عن بيت العائلة، فيقول: "المهم، كشف لي صديقي أنه يسكن في سوف/جرش، وبسبب بُعد المسافة عن مكان العمل في عمّان، كان يقيم مع ابن بلدته في شقة بضاحية الرشيد. استهوتني الفكرة، ولا سيما بعد أن زرته في شقته. قلت في نفسي: لماذا لا أسكن معه، وأشاركه إيجار الشقة، فأخفف عنه عبئًا ماليًا كان دائم التذمر منه؟
ويكشف المقطع عن رغبة داخلية في الابتعاد المؤقت عن البيت، إذ يقول الراوي: ثم إن لديّ رغبة شديدة في أخذ استراحة من بيت العائلة. اعتبرت الأمر نوعًا من الاستجمام: شهرًا، أو شهرين، أو حتى سنة... فأي تغيير في الأجواء سيكون مرحبًا به.
لكن هذا الابتعاد يحمل في داخله أثرًا عاطفيًا أعمق، يرتبط بعلاقته بأمه وبإحساسه بالوحدة: غريب أمر أمي؛ فهي تحبني أكثر من أي شخص في الأسرة، رغم يقيني بأنني لا أستحق حبها ولا ثقتها، وأن هناك من هو أولى مني بهذا الحب. وربما كان هذا أحد أسباب رغبتي في الهروب من بيت العائلة.
وفي تأمل العلاقة الملتبسة بين الفقد والرحيل، يقول الراوي: ثم لا أعرف حقًا: هل هي تركتني أم أنا تركتها؟ الأغلب أنها لم تتركني؛ بدليل أنها تواصلت معي... هي لم تتركني، وأنا أيضًا لم أتركها؛ كل ما في الأمر أن المسافة اتسعت بيننا. ففي حين وجدت هي نفسها في حضن غريب، وجدت أنا نفسي وحيدًا".
بهذا المزج بين التجربة الشخصية والسؤال الإنساني، تقدم "ليلة واحدة فقط"، عالمًا سرديًا تتجاور فيه الذاكرة مع الخيال، والسجن مع انتظار الحرية، لتصبح الحكاية الفردية مرآة لأسئلة أوسع عن الإنسان ومصيره وعلاقته بالآخرين.