الكتاب يوثق تحولات التعليم في الأردن عبر مسيرة معلم وقائد تربوي
الغد-عزيزة علي
يقدم كتاب "سالم صقر المعاني: سيرة الوعي والنهضة التربوية (ولد في غير زمان ورحل في غير أوانه)" للدكتور وليد سالم المعاني. سيرة الأستاذ سالم صقر المعاني بوصفها أكثر من مجرد سيرة فردية؛ فهي قراءة في تجربة تربوية وإنسانية امتدت عبر عقود، وارتبطت بتشكل التعليم في الأردن خلال مراحل مفصلية من تاريخه.
لا يكتفي الكتاب بتتبع حياة شخصية تعليمية بارزة، بل يضعها في سياقها الاجتماعي، ليكشف كيف تداخلت سيرة الفرد مع تحولات مجتمع كامل، وكيف ساهم المعلم في صياغة الوعي وبناء الأجيال.
ويعتمد الكتاب الصادر عن مركز "التوثيق الملكي الأردني الهاشمي"، على مادة توثيقية ثرية من صور وشهادات حية، تعكس مسارًا مهنيًا حافلًا بالتحديات والإنجازات. ومن خلال هذه المادة، يعرض المؤلف ملامح واقع المعلم الأردني في فترات مختلفة، حيث تداخلت الأدوار بين الرسالة التربوية والوظيفة الرسمية، في ظل ظروف اقتصادية وإدارية متغيرة، ما ألقى بظلاله على طبيعة العملية التعليمية وأساليبها.
يسلط الكتاب الضوء على التحولات التي شهدتها المؤسسات التربوية من حيث البنية والفلسفة والممارسة، موضحًا الفجوة التي كثيرًا ما ظهرت بين الطموح والتطبيق، والدور الذي لعبته الجهود الفردية في سد بعض جوانب التقصير المؤسسي. وفي هذا السياق، تظهر سيرة المعلم باعتبارها مرآة لتطور التعليم، لا مجرد تجربة شخصية معزولة.
وأهدى المؤلف الكتاب إلى روح والده، الأستاذ سالم صقر (أبو الوليد)، أول معلم في مدينة معان، الذي نشأ في أسرة بسيطة اعتمدت على العزيمة والإصرار، وعُرف بالصدق والأمانة والاستقامة. وكان مؤمنًا بمستقبل الأمة عبر تعليم الشباب وتمكينهم، وأفنى حياته في خدمة الأجيال بالتدريس، وحرص على توفير العلم النافع لأبنائه.
كما أهداه إلى روح والدته التي شاركته مشقة التنقل من مدينة إلى أخرى ومن مدرسة إلى أخرى، خلال مسيرته التعليمية.
وفي تقديم مركز "التوثيق الملكي الأردني الهاشمي" للكتاب السيري المعنون بـ"سالم صقر المعاني: سيرة الوعي والنهضة التربوية"، كتب الأستاذ الدكتور مهند مبيضين مقدمة يشير فيها إلى اعتزاز المركز بتقديم هذا العمل للقارئ.
ويحضر سالم صقر المعاني (1919–1976) في مسيرة التربية والتعليم الأردنية خلال الفترة (1939–1959)، وقد شكل حضورًا مؤثرًا في ذاكرة العديد ممن تلقوا تعليمهم في المدارس الثانوية الكبرى في الكرك والسلط، حيث أشارت الكثير من رموز النخبة والقيادات إلى تأثرهم به وبأسلوبه التربوي.
ويأتي هذا الكتاب، بوصفه شهادة حية على تحولات عميقة شهدتها العملية التربوية في الأردن عبر أكثر من أربعة عقود، من خلال سيرة معلم وقائد تربوي لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كان فاعلًا أساسيًا في صياغة الوعي التربوي وتطوير ممارساته. وتتحول هذه السيرة من تجربة شخصية إلى وثيقة تاريخية ترصد تطور التعليم في سياقاته الاجتماعية والجغرافية، من المدن إلى الأطراف، ومن الإمكانات المحدودة إلى محاولات التحديث والتجديد.
ويرى الدكتور مهند مبيضين أن كاتب السيرة، قدّم عملًا توثيقيًا ثريًا اعتمد على عشرات الوثائق والصور التي تسرد مسيرة حافلة بالتحديات، عكست واقع المعلم الأردني في مراحل متعددة، حيث تداخلت أدوار التربية والتعليم مع الرسالة والوظيفة، في ظل ظروف اقتصادية ومؤسسية متباينة.
ومن خلال قراءة نقدية واعية، يبرز الكتاب التحولات التي طرأت على بنية المؤسسات التربوية وفلسفة التعليم وأساليبه، مشيرًا إلى الفجوة بين الطموح والتطبيق، وإلى الجهود الفردية التي كثيرًا ما عوضت تقصير السياسات العامة.
وتتسم هذه السيرة بطابع علمي وتحليلي، إذ لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسعى إلى تفسيرها وربطها بسياقها الأوسع، بالاستناد إلى تجربة ميدانية طويلة أغنتها الملاحظة المباشرة والتفاعل اليومي مع الطلبة والمجتمع. كما تطرح أسئلة جوهرية حول مكانة المعلم ودوره في بناء الإنسان، في ظل متغيرات متسارعة أثرت في طبيعة العملية التعليمية.
وخلص، إلى أن هذا العمل لا يقدّم السيرة بوصفها زمنًا خاصًا بالفرد فحسب، بل بوصفها سيرة المجتمع وتحولاته العميقة؛ فهو توثيق لمسيرة شخصية ومرآة لتاريخ التعليم في الأردن، ودعوة إلى مراجعة نقدية جادة تستلهم الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
كتب الدكتور وليد سالم محمد المعاني في مقدمة الكتاب، أنه كلما جلس إلى كبار الأصدقاء ذكروا "أبا الوليد"، وترحموا عليه وأثنوا عليه بما يبعث على الفخر ويُغرق العين أحيانًا بالدمع. وما كتب أحد عن التعليم في هذا الوطن إلا وذكره بوصفه أحد القلائل الذين تركوا أثرًا واضحًا تتعلم منه الأجيال.
وأشار إلى أن شخصيات مثل عبد الهادي المجالي، وعبد الحي المجالي، وعلي السحيمات، إضافة إلى هشام الشراري ومحمد جويدان الجمل، تحدثوا عنه كثيرًا، ولم يذكروه إلا بالخير، مقرونًا بالمعرفة العميقة وحب العلم والوطن.
وتابع المعاني قائلاً: "إنه كان صغيرًا في معان حين بدأ يتصفح كتبه الكثيرة في التربية وعلم النفس والسياسة، لكنه لم يكن يراه كثيرًا لانشغاله بأعمال المدارس، فيما كان يخصص عطلة نهاية الأسبوع للعائلة قدر الإمكان. وكانت الأعراف السائدة آنذاك تمنع الصغار من حضور مجالس الكبار، أو المشاركة في الحديث، وهو ما تربوا عليه".
ويستذكر حادثة في معان، (حين أُرسلت هدية إلى المنزل، وعند الباب سألته والدته عن صاحبها ومضمونها، فأخبرها أنها من أحد معارف المدرسة، فرفضت استقبالها وقالت: "خذ هديتك وعد، فأبو الوليد لا يأخذ الهدايا من الناس". وقد تركت هذه الحادثة أثرًا عميقًا في نفسه، وكانت مرجعًا له لاحقًا عند توليه مسؤوليات عامة، حيث كان يواجه محاولات التقرب والهدايا بتحفظ شديد، إدراكًا منه ضرورة النزاهة والابتعاد عن كل ما قد يخلّ بالاستقامة أو يفتح بابًا لغير الطريق السوي).
أسعدني عدد قليل من الذين كتبوا عن الوالد؛ فقد أسعدني الأستاذ الدكتور مهند المبيضين عندما أشار إلى أن سقوط بوابة حديدية في مدرسة ما كان من الصعب أن يحدث لو كان سالم صقر مديرًا لها، ولم يفتأ يذكره ضمن ثلة قليلة من الذين ساهموا في صياغة ملامح ما ينبغي أن يكون عليه التعليم.
كما أسعدني علي فهيد الفرجات حين كتب عن المدير سالم صقر، وموسى خلف المعاني حين تناول سيرته في كتابه "مدرسة معان الثانوية".
وفي المقابل، يؤلمني غياب الاعتراف بالجميل لدى بعض من لولا "أبو الوليد" لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، فهو الذي أرشدهم وفتح لهم الأبواب وقدمهم إلى الناس، إلا أن بعضهم يتجاهل تاريخه ولا يذكر اسمه حين يُسأل عمن كان له الأثر والدور.
وفي مقابلة مع "مجلة السبيل" وأخرى مع "المجلة الثقافية" التابعة للجامعة الأردنية، قلت إنه "وُلد في غير زمانه ومات قبل أوانه"، فالناس تولد وتموت وفق ما كُتب لها، لكنني كنت أتمنى لو أنه وُلد في زمن لاحق، بل وأقول أيضًا: لو أن الله مد في عمره، لما يُدرى ماذا كان يمكن أن ينجزه؛ فهو رجل لم يتجاوز تعليمه الثانوية العامة، ومع ذلك ألّف نحو ثلاثين كتابًا تعليميًا للصفوف الابتدائية والثانوية في مختلف المواد.
وأضاف الكاتب الابن، ذات يوم، بينما كان يعمل في شركته، رأيت في يده كتابًا بعنوان "دروب الحرية". فسألته عنه، فقال: "هذا جزء من ثلاثية لأديب فرنسي هو جان بول سارتر، وهو كتاب فلسفي صعب". وأضاف أن الحرية ليست فكرة مجردة، بل مسؤولية ثقيلة يواجهها الإنسان في عالم مليء بالاختبارات والالتزامات، وأن الإنسان، حتى في أصعب الظروف التاريخية والوجودية، يظل مسؤولًا عن أفعاله، لأن حريته هي ما تمنحه معناه الحقيقي.
وقد كان هذا الفهم للمسؤولية دافعًا لسلوكه، كما شكّل لنا نحن أبناؤه وإخوته وأخواته منهجًا في الحياة، يقوم على الصدق والأمانة وتحمل المسؤولية، والالتزام بالفعل الصحيح حتى لو لم يرضَ الجميع. فكثيرون يعدّون الالتزام بالقانون تعنتًا، وإحقاق الحق تشددًا، والابتعاد عن "الشللية" تعاليًا أو طبقية، كما ينظر بعضهم إلى من لا يحيط نفسه بجماعة تروّج له بأنه منفرد بالرأي أو غير مستمع للآخرين، ويتهمون الساعين إلى الإنجاز ورفض التردد والتسويف بأنهم قساة في الحكم أو سريعو الغضب.
ويتابع، "لم ألتقه كثيرًا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته، إذ كنت خارج الأردن، غير أنني قابلته أيامًا معدودة عندما كان يزورني في مصر أو في المملكة المتحدة، وكنت أتمنى لو أتيح لنا وقت أطول للحوار والتواصل.
ومع حلول الذكرى الخمسين لرحيله هذا العام، رأيت من باب الوفاء والعرفان أن أكتب شيئًا من سيرته التي عشتها واطلعت على بعض أوراقه، لما فيها من دروس في العمل الجاد والإخلاص والأمانة والقيادة وصناعة المستقبل.
وأظل أتساءل: كيف لرجل يحمل شهادة الثانوية العامة من دون مؤهلات جامعية أن ينجز كل هذا؟ وكيف لمن لم يتلقَّ تكوينًا ماليًا أو إداريًا متخصصًا أن يترك هذا الأثر؟ وأجد الإجابة في حسن الإدارة، وحسن التنظيم، والتفكير العلمي، وحساب الفعل ورد الفعل، وفهم التعامل مع الناس، وتحديد الصورة التي يريد أن يتركها في أذهانهم".