الهالة لـ هالة وحدها في نون .. واختراقها لـ ابو اسامة!!|أحمد سلامة
عمون-
-أحمد سلامة
سألني احد الاحبة لماذا لم تكتب منذ زمن ؟!
فاجبته؛ لا شيء يجبر الخاطر فتجود الروح بشيء..
لقد (تسمرت) امام مقابلة الدكتورة هالة سرحان مع الصديق الغالي سمير على محطة نون، لم اسمح لجفني ان يرف لحظة واحدة
وانا احدق في هذه اللوحة الفنية العربية القيمية الجميلة السامية، هالة سرحان..
يا الهي.. كم ازالت عن روحي تراكم كل حزن فقررت ان اكتب…
سأكتب ، لانها فاجأتني بعبقرية حضورها، والبهجة التي تركتها فينا وكيف (قحفت) سمير الحياري الذي جايل وعاصر كل زنادقة العصر وادعياء النبوة، واساتذة المهنة المحترمين والدجالين والمحترفين، ولم ينتبه احد ممن التقاهم سمير على مدار كل لقاءات نون في مسافته الصفرية وما اكثرهم!! الى عبقرية سمير سوى هذه الاعلامية النابهة حين لخصت سره بقولها (انت جميل في قدرتك الفائقة على الاستماع..) واني لمعاصر لـ سمير ما يقارب الخمسين عاما، وادرك ان سر موهبته في قدرته الخارقة على الاستماع فينصت بشغف ويحلل برزانة ويصدر احكامه بأدب..
ما اجمل هذه المقابلة وما ابدع هذا اللقاء..
سأبدأ من بعيد لاحفر في وعي هالة بما تستحقه علينا من واجب الترحيب بها كتابة…
ذات يوم من ايام (داعش) المربكة كنت مستشارا اعلاميا لسمو ولي عهد البحرين الامير سلمان بن حمد ال خليفة.. وبلاطه كل بلاطة فيه عربية عابرة للمذاهب، ورافضة للانغلاق، ومنفتح على الغرب دون التخلي عن بحرينية شهية ممتعة..
كانت سنوات الوجع العربي التي استبدت بنا واطاحت بـ حسني مبارك ولم اكن يوما من محبيه وكنت دوما انتقد موقفه من قضايا كثيرة..
ليلة ان اطيح به كنا ضيوفا في معية سمو ولي العهد على الرئيس رجب طيب اوردوغان.. وهو من اخبرنا ان مبارك قد انتهى قبل ان ينتهي
ليلها .. وفي ساعات الاياب على الطائرة الملكية (تحول المشهد الى مأتم عربي حزين وبكى الرجال على مبارك ولقد بكيته رغم رفضي لدوره في حرب امريكا ضد العراق..
احسست ان المحروسة قد ضاعت منا للمرة الثانية وسيتيه العرب في عدم!!
لقد خردق السادات في خطابه حين اعلن ان حرب اكتوبر ستكون اخر الحروب عقب زيارته للكنيست! واخال السبعينيات الى ضباب غشي كل فضاءات العرب لقد وضع حدا للعروبة واضحينا (عربا نقيم في مكان اسموه الشرق الاوسط) احتقارا لساكنيه..
والثانية حين اضاع حسني مبارك مصر كلها لتقع بيد حزب اسلامي متشدد ليس لديه اي خبرة سوى خبرة المعارضة..
لقد بكيت مبارك، واحزنني من قبل اغتيال العسكر لاول فرعون في التاريخ على يد جنده.. ولما انتهينا من معركة البقاء او قل (نجونا) من الاسلمة في الاردن (والتمذهب) في البحرين.. صار عندي بعض متسع للتأمل..
وعلى بوابات ٢٠١٧م استأذنت سموه عبر حوار فكري كما جرت العادة بيننا حين نفرغ من اعباء واجبات العمل، بإجازة سنوية اود الذهاب فيها الى بعيد، انقب في الحنايا والنوايا (من اين اتانا كل هذا الارهاب) وعلى رأي الدكتور فؤاد زكريا، حين احتج على المرحوم الاستاذ هيكل في كتابه (خريف الغضب) بمقالة ذاع صيتها (كم عمر هذا الغضب !؟)
كنت اود البحبشة في (كم عمر هذا التطرف) وهل داعش صناعة امريكية، ام هي من مخلفات واثار ابن تيمية وابن حنبل ومحمد (صانع الوهابية)!!
هل هي فشل الدولة القطرية التي جاءت قسرا وجبرا في خلق واقع قطري مرير مؤسف يستجيب لنداءات الانظمة ومصالحها؟ ويعاند الجغرافيا والتاريخ معا..!!
استأذنت بالمغادرة سنة تفرغ، وكنت مسنودا بدعم اخوي لا مثيل له من الشيخ خليفة بن دعيج آل خليفة رئيس الديوان وسيد الاخلاق كلها،
والحبيب رفيق الدمع والوجع والمروءة عصام الجاسم رئيس التشريفات في ذلك الحين والذي صار سفيرا لمملكة البحرين في باريس الان..
سأل سموه بطريقته الانسانية المحببة: وين العزم يا احمد …؟!
اجبته دون تردد الى المحروسة يا سيدي، ليس من يمتلك مفاتيح الوعي العربي سواها قاهرة المعز (اللغز المحير في التاريخ) قلعة المذهب الفاطمي والتي تسللت منه بكبرياء فتصير هي عاصمة الحشد لتحرير بلاد الشام من احدى الغزوات الصليبة المتصلة
منذ اجتياح العرب للاندلس حتى الان وهذه الامة تدفع ثمنا متصلا من الملاحقة الغربية لروحها، وايضا.. تحول الازهر الشريف من مبشر للفاطمية، الى قلعة للافتاء السني المتسامح والاقرب الى التصوف الحنون..
واضفت.. في القاهرة سأعثر على ضالتي
سأل سموه: ليش ما تروح المغرب عندهم نورانية وانفتاح او المدينة المنورة.. علك تركن الى سكينة نحتاجها كلنا.. ذكرت له اسبابي المقنعة لي باختياري مصر وعلى عجل رتب لي برنامجا خاصا، بامر من فضيلة الامام الاكبر اطال الله في عمره وابقاه للامة سندا ومددا.. وباشراف من الشيخ راشد بن عبد الرحمن ال خليفة سفير المملكة في المحروسة..
وفي مطلع رمضان المبارك، من ذلك العام ما يتلاقى مع شهر نيسان كنت اصلي في مسجد الازهر الشريف صلاة القيام وباشراف من القاضي محمد عبدالسلام مستشار صاحب الفضل والفضيلة.. دلفت الى برنامج معرفي نوراني معا بكثافة تجاوزت عمري الستيناتي وقتها، وفجأة انتابني شعور بالصبا والرضا وكأنني في العشرين..
على مدار ذلك العام الدراسي الذي قضيت شهوره الميمونة كنت اغادر عند الصبح فندق (الفورسيزن)، باتجاه الميدان فادلف الى حي العتبة وادخل للازهر الشريف، ولأن سائقي من السفارة (عمرو) رفيق الرحلة لا يسرع ابدا كانت الاسطح في حي العتبة المكتظة بالحكايا والمدججة بالطيب تأخذني الى عالم السطوح في التفكير قبل ان ادخل الى عالم الفقه
واسأل هذه المدينة الازعم في كل الشرق هذا كيف يتحول الفقر الى فلسفة من فرح فيها..!؟ وكيف لهؤلاء البشر الذين يتلاقون في مهرجان الليلة الكبيرة بسيدنا الحسين مهرجان ليس له مثيل في تاريخ البشرية ولا في اي مدينة في الكون تستطيع ان تجود بمثله!؟ التنوع الضاري في الاولويات وكيف تتلاقى كل المتناقضات بانسجام روحي مبتسم؟!
لقد عشت في مصر وزرتها مرارا قبل الاقامة السنوية فيها واحداها كنت في معية الاخ سمير دعوته على العشاء في القاهرة وسهرنا حتى مطلع الفجر بالتسعينيات وغادرنا صباحا هو عاد الى عمان وانا اكملت رحلتي الى روما، لملاقاة قداسة البابا اول مرة في معية سمو الامير الحسن..
كانت القاهرة قد باشرت مسح جراحات فترة (انتزاع الحكم من الاسلاميين) لكن روائح الشواء لم تزل تغريهم بوهم الاياب..
لكن الرئيس السيسي الدافئ الحنون المهذب لانني لم اسمع منه كلمة نابية بحق احد على عكس كل من سبقوه كانت خطاباتهم مليئة بالردح او بالقدح الا هو..
لم تزرني مصر بعد تجربة الازهر الشريف ولم ازرها.. حتى جاد علينا سمير الحياري باستضافة هذا السيل من الذهب وهذا الجبل من الوعي والمهنية والكبرياء..
الدكتورة هالة سرحان.. لم تكن غريبة عندي ابدا فانا احفظ لها مقابلتها مع مدير مخابرات بعد انتحار المشير وكانت كلها جسارة واستذة وظلت عالقة في ذهني ضحكتها المجلجلة التي ميزتها حين التقت اسطورة الكوميديا عادل امام لكن .. في جلوسها قبالة سمير (المستمع المعجزة) احسست بمنتهى المهنية انها ضيفة في بيتي
هالة استاذة الخلق في ملامسة الروح حين تحدثت بدفء عربي عارم عن الاردن وهالة لا وصف لنبلها، وهي مدرسة بحق تعلم العرب اجمعين، كيف ومن الممكن ان نحبو صوبها كطود شامخ لنتقن (فن الوداع النبيل)
ارايتم كيف فلسفت فكرة الانفصال المحترم، حين اوفت طليقها الاستاذ عماد الدين اديب، باسباغها عليه صفات جسورة في الحب والاحترام
يا لرب العزة كم هذه السيدة صاحبة عزة وسمو كم واحد فينا يتقن فن الوداع الخلوق… !!!
كان حديثها الاسطوري المتمثل في اغداق صفات على عماد الدين اديب لا يتمكن منه احد سواها وهو درس نبيل وحكمة خالدة
لو يتعلم مثقفونا من هذا الدرس حكمه ومقاصده
الدكتورة هالة .. تستحق ان تكون مصرية لان هذا المكان العبقري على رأي جمال حمدان الذي هو مصر مكان ولود ودود ويحمل الرزق لنا والمطر
هالة في مقابلتها مع نون كانت رزقنا القادم ومطرنا.. ووعدنا الذي لا يحيد ان مصر ستستردنا عربا كلنا وسنستردها قائدة زعيمة للعرب..
الدكتورة هالة.. طوفت بنا على ازقة المهنة وذكرتنا بكل جمال الصحافة المصرية واضاءت على ادبها الشخصي وكبرليتها واداب المهنة الشريفة..
وطمأنتنا على مستقبل الصحافة وان الزبد (الدجال) زائل لا محالة وستجرفه حقائق المهنة واخلاقها…
الدكتورة هالة كانت جميلة باكثر ما نستحق ان نرى هكذا جمال فاتن وواعية حد انها اسقطت كل قبح المرحلة وعادت بنا الى مفردات الزمن الجميل
وكانت متدفقة الى حد انها كانت هي اكثر المشاهدين متعة فيما تقول كان تدفقها على مهل كانك تركب في النيل احدى مراكب (دء دء) دقدق بلهجتنا، والنيل يحكي وانت تسمع والقمر يطل عليك ويغني لمصر وللعروبة وللغد الاتي
ما اجمل اليقن فيك يا هالة، وما اعذب عروبتك، ومن يستحق هالة فوق هالتك
ربي ادعوه بالفطرة وبالاخلاص ان يحرسك ويديم عليك نعمة الحضور البهي
مصر يما يا بهية !!
شكرا لـ نون و للحبر الاكبر في الاستماع النبيل االذي فتح باب التدفق لما يمتلكه من غرائز الذوق والجمال والصمت النبيل، لطلتك ولهيبتك ولذاكرتك المجيدة
بعد مقابلة منصور النابلسي التي كنت اعتبرها افضل ما عملت يا سمير فانني استأذنك القول ليس قبل هالة سوى هالتها