عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Mar-2026

عن المهرّج الذي يُريد أن يحكم العالم بإصبعه الوسطى
الأخبار.-
 
أديب إسماعيل محفوض-
 
 
في أزمنة خلت، كانت السياسة الدولية تُعرف بأنها الفضاء الذي يمارس فيه الحكماء «فن الممكن» ضمن أروقة محاطة بهالة من الهيبة والبروتوكولات الصارمة. كانت الكلمة تخرج من العواصم الكبرى وهي تزن بميزان الذهب، لأن خلفها تكمن مؤسسات راسخة وهيبة دولة تدرك أن استقرار الكوكب ليس مادة للهزل. لكننا اليوم، وفي ظل «عصر الترند» المسعور، نشهد تحولاً بنيوياً في مفهوم القيادة؛ حيث انتقلنا من «رجل الدولة» إلى «رجل الاستعراض»، ومن «الرصانة الدبلوماسية» إلى «البلطجة المسرحية». نحن أمام ظاهرة دونالد ترامب، ذاك الذي لا يكتفي بالرغبة في حكم العالم، بل يريد أن يحكمه وهو يرفع إصبعه الوسطى في وجه كل القوانين والمعاهدات والأعراف التي تعارف عليها البشر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
 
السياسة بـ«عقلية الـسيرك»: تحويل الوجود إلى مادة استهلاكية
 
تعامل دونالد ترامب مع القضايا الوجودية للبشرية بعقلية «نجم تلفزيون الواقع» الذي يقيس نجاحه بمعدلات المشاهدة والتفاعل وليس بجودة القرارات واستدامتها. لقد جسد ترامب مفهوم «الازدراء المنظم» للقواعد الدولية؛ فانسحابه من اتفاقية باريس للمناخ (في الأول من حزيران/يونيو 2017) لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل كان عرضاً بهلوانياً يسخر فيه من مخاوف البشرية حيال فناء الكوكب، وكأن ذوبان القطبين مجرد مؤامرة صينية لإفساد عطلاته في ملاعب الغولف الخاصة به. وكذلك كان الحال في انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني (في الثامن من أيار/مايو 2018)، حيث ضرب عرض الحائط بسنوات من المفاوضات الدولية الرصينة، مفضلاً «سياسة الصدمة» التي تثير ضجيجاً إعلامياً لحظياً على حساب استقرارٍ أمني بعيد المدى.
 
العالم لا يحتاج إلى نجم يعشق الأضواء، بل إلى رجل دولة يرتجف وقاراً أمام ثقل الأمانة التاريخية.
 
إن خطورة هذا التهريج تكمن في أنه حوّل البيت الأبيض من مطبخ لصناعة الاستراتيجيات الكبرى إلى استوديو لتصوير «الترندات». فعندما يهدد بـ «النار والغضب» (تجاه كوريا الشمالية في الثامن من آب/أغسطس 2017) عبر تغريدة صباحية، أو يصف قادة دول حليفة في الناتو بأوصاف بذيئة، فإنه لا يمارس دبلوماسية «حافة الهاوية» بمفهومها الكلاسيكي، بل يمارس «دبلوماسية المهرج» التي تفتقر إلى أي قدرة على التنبؤ، مما يترك العالم في حالة من اللايقين الاستراتيجي القاتل.
 
التدخل بلغة «البلطجي»: حين تصبح الإهانة عقيدة سياسية
 
لم يتوقف ترامب عند حدود الاستعراض الداخلي، بل صدّر بذاءته السياسية لتصبح أداة للتدخل في شؤون العالم. لقد تعامل مع قادة الدول بمنطق «المتنمّر» الذي يرى في الوقار ضعفاً؛ فمن سخريته العلنية من ملامح خصومه وحلفائه، إلى محاكاته الجسدية الساخرة لذوي الاحتياجات الخاصة (كما فعل مع المراسل سيرج كوفاليسكي في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2015)، وصولاً إلى وصفه لدول بأكملها بـ «الدول الحثالة»، (في الحادي عشر من كانون الثاني/يناير 2018، وفي 13 آذار 2026 في سياق حديثه عن إيران).
 
هذا الأسلوب ليس مجرد سقطات لسان، بل هو سياسة منهجية لـهدم الهيبة. فعندما يتدخل في شؤون الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية، فإنه يفعل ذلك بلغة «تجار العقارات» الذين لا يفهمون إلا منطق الابتزاز والصفقات العابرة للحدود. إن «الإصبع الوسطى» التي يرفعها ترامب ليست موجهة لخصومه السياسيين فحسب، بل هي موجهة لجوهر الاحترام المتبادل الذي يقوم عليه القانون الدولي. إن التهريج في إدارة القضايا العالمية يعني ببساطة أن مصائر الملايين باتت معلقة بمزاج رجل يستمد شرعيته من قدرته على إحداث الفوضى، لا من قدرته على بناء السلام.
 
ذروة الانحطاط وفوقية «الفقيه المهرج»
 
لقد بلغ هذا التنمّر مداه خلال حربه على إيران (ابتداءً من 28 شباط 2026)، حيث لم يعد ترامب يكتفي بالبلطجة السياسية، بل انتقل إلى «البلطجة الميتافيزيقية». إن حديثه عن رغبته في التدخل بتعيين «المرشد الأعلى لإيران» ليس مجرد جهل مطبق بخصوصية منصب ديني يخص عشرات ملايين المسلمين الشيعة، بل هو قمة الفوقية التي ترى في مقدسات الشعوب مادة لـ «التهريج الانتخابي». هو يريد أن يلعب دور «الإله» الذي يختار للناس أئمتهم وقادتهم الروحيين، في مشهد يختصر انحطاط الدبلوماسية الأمريكية التي باتت تدار بعقلية «مدير الحلبة» الذي يوزع الأدوار على المصارعين.
 
سلالة المهرّجين: من موسوليني وبرلسكوني إلى النسخة النووية
 
ترامب ليس طفرة منقطعة الجذور في التاريخ، بل هو نسخة مكبّرة ومسلحة نووياً من سلالة «البهلوانيين السياديين». يمكن مقارنته بـسيلفيو برلسكوني في إيطاليا، الذي حوّل السيادة الإيطالية إلى ملحق لبرامجه التلفزيونية الصاخبة، مستخدماً الفضائح كوسيلة للدعاية والتهكم على القضاء والوقار السياسي. كما نجد في خلفيته ظلالاً من أسلوب بينيتو موسوليني الاستعراضي، الذي كان يبالغ في حركات الوجه والفك المرفوع والوقفات الدرامية لإبهار الجماهير وتغييب عقولها بالصورة لا بالمنطق.
 
حين يحكم «المهرج» يسقط مفهوم الدولة وتصعد «الأنا المتضخمة» التي ترى في العالم مجرد مسرح لاستعراض القوة.
 
وفي العصر الحديث، نجد تكراراً لهذا النموذج في «خاير بولسونارو» بالبرازيل، الذي لُقب بـ «ترامب المناطق المدارية» واعتمد ذات اللغة العدوانية والساخرة من العلم والمنظومة الأخلاقية الدولية. لكن الفارق الجوهري أن ترامب يقف على قمة هرم القوة العظمى، مما يحوّل نكاته السخيفة إلى أزمات دولية، وحركاته البهلوانيّة إلى تهديدات وجوديّة لاستقرار الاقتصاد والأمن العالميين.
 
مخاطر «عصر الجنون»
 
إن أهمية الوقار في إدارة شؤون الدول ليست ترفاً بروتوكولياً، بل هي صمام أمان يمنح القرارات ثقلها التاريخي. عندما يحكم «المهرج»، يسقط مفهوم الدولة وتصعد «الأنا المتضخمة» التي ترى في العالم مجرد مسرح لاستعراض القوة. نحن نعيش اليوم عصر الجنون السياسي حيث يُقاس نجاح القائد بعدد التفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، وليس بعمق التزامه بالعدالة الدولية.
 
إن «الترند» أصبح هو المحرك للسياسات؛ فالقرارات الكبرى تُصاغ لتناسب خوارزميات الإنترنت، لا لتناسب تطلعات الشعوب. هذا الأسلوب أدى إلى تآكل «المؤسسية» حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث أصبح الخبراء والمستشارون مجرد أعداء للمهرج الذي يريد أن يقود العالم بحواسه الغريزية بدلاً من البوصلة والخرائط الاستراتيجية، وهو ما يرفع منسوب الخطر على الدول المعنية وعلى العالم أجمع.
 
لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي أو صراع نفوذ، بل هو تحول العالم إلى غابة يرفع فيها القوي إصبعه الوسطى فوق جثث المعاهدات والمقدسات.
 
إن ما شهدناه ونشهده من اعتقال رئيس دولة مستقلة كفنزويلا واقتياده كالمجرمين، وصولاً إلى الذروة الدموية في اغتيال مرجع ديني كبير وقائد دولة بحجم السيد علي الخامنئي بدم بارد، يمثل الإعلان الرسمي والنهائي عن وفاة القانون الدولي وتشييع جنازة الأعراف البشرية. لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي أو صراع نفوذ، بل هو تحول العالم إلى غابة يرفع فيها القوي إصبعه الوسطى فوق جثث المعاهدات والمقدسات على حد سواء، معتبراً أن سيادة الدول وحرمة الرموز تنتهي تماماً حيث تبدأ نزوة المهرج في الاستحواذ على النفط، أو شهيته المفتوحة لتصفية الحسابات الشخصية بأسلوب العصابات المنظمة.
 
وفي هذا الفصل الأكثر دموية من «سيرك الدم»، يطل علينا ترامب اليوم متحالفاً مع نتنياهو في نوبة جنون تدميري تفتقر لأدنى معايير العقل، حيث يخرج كل بضع ساعات ليعلن «انتصاره النهائي» على إيران، ثم لا يلبث أن يعود في الساعة التالية لتهديد الدولة التي يُفترض أنه سحقها؛ في تناقضٍ صارخ يبرهن على غياب التوازن الذهني. إن وصول الإجرام إلى حد التهديد بضرب محطات الطاقة الإيرانية ليس مجرد «بلطجة» عسكرية، بل هو طعنة في قلب الأمن والاقتصاد العالميين، مما يثبت أن الإصبع الوسطى التي يلوح بها، لا تستهدف الخصوم فحسب، بل تستهدف استقرار البشرية جمعاء لصالح مشهدٍ مسرحي يجمعه بشريكه في الإبادة.
 
تداعيات «حكم الإصبع الوسطى»: الكوكب في مهب النزوة
 
ما الذي ينتظر كوكباً يُدار بـ «منطق الحلبة» وتُرسى قواعده بحركات الإصبع الوسطى؟ إننا لا نواجه أزمة دبلوماسية عابرة، بل نحن بصدد انهيارات كبرى تعيد صياغة مفهوم الوجود البشري:
 
تفتت المرجعية الأخلاقية للقانون: حين تُعامل المعاهدات الدولية كـ«عقود إذعان» أو صفقات تجارية قابلة للنقض بجرّة قلم، يسقط اليقين القانوني الذي قام عليه الاستقرار الدولي منذ معاهدة وستفاليا. إن تحويل التزامات القوى العظمى إلى مجرد وعود مهرّج متقلّب، يعني تحويل العالم من فضاء يحكمه الحق إلى غابة معولمة لا يُعتدُّ فيها إلا بمخالب الأقوى، حيث تصبح القوانين مجرد نكات سمجة في حضرة «البلطجة النووية».
عدوى «الرعونة» وتناسل المهرّجين: إن خطورة نموذج «المهرج المنتصر» تكمن في قدرته على الإغراء؛ فهو يقدم للمغامرين والشعبويين في أركان الأرض كتالوجاً للوصول إلى السلطة عبر هدم المؤسسات واحتقار النخب وتجهيل الشعوب. نحن أمام خطر «عولمة العبث»، حيث تتحول الأنظمة السياسية إلى جمهوريات موز مسلحة برؤوس نووية، يقودها صغارٌ يرون في العظمة الشخصية بدلاً من كرامة الشعوب بوصلةً وحيدة.
مقامرة اللحظة الأخيرة وسوء التقدير القاتل: في ظل سياسة تُقاد بـالانفعالات الغريزية والارتجال المسرحي، يصبح مصير الملايين معلقاً بـتغريدة طائشة أو سوء فهمٍ ناتج عن نوبة غضب صباحية للمهرج. إن غياب الرصانة يعني غياب كوابح الحرب؛ مما يرفع احتمالية نشوب كوارث وجودية لا لسبب استراتيجي، بل نتيجة «نكتة» في غير محلها أو استعراض قوة أراد به المهرج استعادة صدارة «الترند» في وقت عصيب، واضعاً البشرية جمعاء كرهينة لـمزاجية لا تعرف معنى المسؤولية التاريخية.
في انتظار انطفاء الأضواء: هل ينجو العالم من «عرضه الأخير»؟
إن العالم اليوم، وهو يقف على حافة الهاوية، لا يحتاج إلى نجم سينمائي يعشق الأضواء في غرف العمليات، بل يحتاج إلى رجل دولة يرتجف وقاراً أمام ثقل الأمانة التاريخية. إن حكم العالم بـ «الإصبع الوسطى» قد يمنح المهرج نشوةً عابرة بالتفرد والتمرد، لكنه لا يخلّف وراءه سوى حطام الثقة المفقودة، ومحيطات من الأحقاد، وبيئة دولية ملغومة لا تنتظر إلا عثرة واحدة لتنفجر في وجه الجميع.
 
لقد سقط الوقار في فخ «الترند» المسعور، وتوهم الكثيرون أن الصراخ قوة، وأن البذاءة ذكاء؛ ولكن التاريخ، بصرامته المعهودة، يعلمنا أن أضواء السيرك لا بد أن تنطفئ في النهاية. حينها، سيتوقف الجمهور الذي صفق طويلاً للمهرج عن الضحك، وسيصرخ ذعراً حين يدرك أن «بهلوانه المفضّل» قد أحرق مفاتيح النجاة وهو يمارس ألعابه النارية الصبيانية فوق برميل بارود.
 
إن استعادة «رصانة السيادة» وإحياء رفات القانون الدولي لم يعودا ترفاً فكرياً، بل هما طوق النجاة الأخير لبشرية باتت تظن -تحت تأثير التخدير المسرحي- أن العظمة تكمن في سلاطة اللسان، وأن القوة هي مجرد إصبع وسطى مرفوعة في وجه العالم. لقد حان الوقت ليدرك الجميع أن عظمة الدول تُبنى بوقار المؤسسات، لا بتهريج الشخصيات التي تظن أنها أكبر من التاريخ.