الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ستيفان مور* - (كونسورتيوم نيوز) 17/2/2026
في خضمّ أكبر إبادة جماعية يشهدها هذا القرن في غزة، وفي ظلّ التطهير العرقي العنيف والمستمر في الضفة الغربية، يرى مؤرخان يهوديان بارزان أن قيام دولة واحدة ديمقراطية علمانية في فلسطين ليس ممكنًا فحسب، بل حتمي لا مفر منه.
في الآونة الأخيرة، كتب مؤرخان يهوديان بارزان، من منظورين مختلفين- أحدهما اقتصادي وسياسي، والآخر لاهوتي وأخلاقي في المقام الأول- أن دولة إسرائيل محكوم عليها بالزوال، وأنها تعيش على وقتٍ مستعار.
وعلى الرغم من أن هذه الكتابات تأتي في خضمّ أكبر إبادة جماعية يشهدها هذا القرن في غزة، وفي ظلّ التطهير العرقي العنيف الجاري في الضفة الغربية، يرى الكاتبان أن قيام دولة واحدة ديمقراطية علمانية في فلسطين ليس أمرًا ممكنًا فحسب، بل حتميًا لا مفرّ منه.
في أحدث كتبه، "إسرائيل على حافة الهاوية: ثماني خطوات نحو مستقبل أفضل" Israel on the Brink: Eight Steps for a Better Future، يكتب إيلان بابيه llan Pappé إن إسرائيل تدمر نفسها ذاتيًا- اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا- بينما تجد نفسها معزولة ومتروكة على الساحة الدولية.
بحسب بابيه، فإن حلّ الدولتين الهزلي ليس سوى "جثة متعفّنة"، وسيكون الطريق الوحيد إلى الأمام هو إنهاء الاستعمار، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، ومساءلة من ارتكبوا الجرائم، وصياغة نموذج جديد للدولة في فلسطين والمنطقة.
ثمة ما يكمل أطروحة بابيه في النقد الأخلاقي والديني للصهيونية الذي يقدّمه المؤرخ الكندي اليهودي وعالم الدراسات التوراتية، ياكوف رابكين Yakov Rabkin، الذي يرى أن الحركة الصهيونية هي فخّ موت لليهود، وللمنطقة، وللعالم.
في كتابه الأخير "إسرائيل في فلسطين: الرفض اليهودي للصهيونية" Israel in Palestine: Jewish Rejection of Zionism، وكذلك في عمله السابق "ما هي إسرائيل الحديثة؟" What is Modern Israel، يبيّن رابكين كيف تمثّل الدولة اليهودية الحالية تنكّرًا كاملًا لأبسط القيم الجوهرية في اليهودية.
في إسرائيل، كما يقول، جرى استبدال قيمٍ مثل التسامح، والأخلاق، والتواضع، بهوية يهودية جديدة متصلّبة تمجّد القومية، والعدوان، والعنف، والغزو. ويُنظر إلى الثقافة اليهودية التقليدية في هذه الدولة بازدراء.
ويروي رابكين كيف وصف الزعيم الصهيوني، فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس ميليشيا "إرغون" اليهودية المسلحة، عملية تحويل "الييد" (1) القادم من بلدات شرق أوروبا الصغيرة (الشتتل) إلى "العبري الجديد"، قائلًا:
"نقطة انطلاقنا هي أن نأخذ (الييد) النموذجي في أيامنا هذه وأن نتخيّل نقيضًا تامًا له… لأن الييد قبيح، واهن الصحة، ويفتقر إلى اللياقة، فإننا سنمنح الصورة المثالية للعبري جمالًا ذكوريًا. الييد مُداسٌ عليه وسريع الخوف، ولذلك ينبغي أن يكون العبري فخورًا ومستقلًا… لقد اعتاد الييد الخضوع، ولذلك يجب على العبري أن يتعلّم كيف يأمر".
إذا كنت تسمع في هذا أصداء فلسفة "العرق المتفوّق" النازية، فإن ذلك ليس مصادفة. كان جابوتنسكي يستلهم آراء أوائل المنظّرين الصهاينة في مجال تحسين النسل، مثل آرثر روبين، الذي سعى إلى "تطهير العِرق [اليهودي]"، و"حافظ على صلاته بالمنظّرين الألمان لعلم الأعراق- حتى بعد وصول النظام الاشتراكي القومي إلى السلطة".
عندما يتعلق الأمر بالدين اليهودي، يفكك رابكين الأسطورة الصهيونية القائلة بأن أرض إسرائيل كانت وعدًا إلهيًا مُنح لليهود- وهو ادعاء "قائم على تفسير حرفي للكتاب المقدس، والذي انحرف جذريًا عن تعاليم اليهودية الحاخامية".
بادئ ذي بدء، يوضح رابكين أن فلسطين لم تكن يومًا وطنًا لليهود الذين جاؤوا، في الواقع، من بلاد ما بين النهرين ومصر، وهاجروا إلى كنعان (فلسطين). وهناك، وفقًا للتلمود (المصدر التأسيسي للاهوت اليهودي)، أمر الله إبراهيم ونسله بأن يتفرقوا إلى أركان الأرض الأربعة وألا يعودوا "جماعةً وبالقوة" إلى "أرض إسرائيل" إلا بعد أن يصبحوا مطهّرين روحيًا.
بعبارة أخرى، حتى مجيء المسيح المنتظر ينبغي أن يبقى اليهود حيث هم -وهو ما حدث بالفعل تاريخيًا.
عاش اليهود الأشكناز في أوروبا منذ العهد الروماني، واندمجوا اندماجًا عميقًا في الثقافة الأوروبية. وفي القرن التاسع عشر، كان الكثير منهم اشتراكيين، وشيوعيين، وأعضاء في "اتحاد العمال اليهود" (البوند)، الذي ركّز على حقهم في الازدهار ضمن ثقافتهم الخاصة، والتحدث بلغتهم (اليديشية)، والنضال من أجل العدالة في البلدان التي يقيمون فيها، كما يقول رابكين.
ونتيجة لذلك، عندما ظهرت الصهيونية كحركة في أواخر القرن التاسع عشر، نظر إليها معظم اليهود باعتبارها طائفة رجعية ومغامرة برجوازية تتعارض مع مصالح الطبقة العاملة اليهودية، كما يجادل المؤلف.
لكن بعض أقوى أشكال المعارضة، كما يكتب رابكين، جاءت من اليهود المتدينين الذين اعتبروا أن الصهيونية تتعارض تعارضًا مباشرًا مع قيم اليهودية، التي تُعلّم أن التوراة (الكتاب المقدس اليهودي)، وليس الأمة، هي ما يربط اليهود بعضهم ببعض. وبحسب أحد العلماء اليهود الأرثوذكس، كانت الصهيونية "فسادًا روحيًا… يلامس حدود التجديف"، كما ينقل رابكين.
بطبيعة الحال، خفَتت المعارضة للصهيونية مع وقوع الهولوكوست- وهو عملية إبادة جماعية سارع الصهاينة إلى اغتنامها باعتبارها فرصة لبناء دولة في إسرائيل. وبحسب رابكين، لم يكتفِ الصهاينة بأن يُعرقلوا فعليًا هجرة اليهود إلى بلدان أخرى أثناء الحرب وبعدها فحسب، بل استخدموا الهولوكوست أيضًا كأداة لتعزيز الوجود السكاني اليهودي في فلسطين.
في الحقيقة، أصبحت معاداة السامية النازية والصهيونية متلازمتين إلى حدٍّ بعيد. وكتب رابكين: "كان المعادون للسامية يرغبون في التخلص من اليهود، بينما سعى الصهاينة إلى جمع اليهود في الأرض المقدسة".
في العام 1933، كما يروي رابكين، سافر الضابط الرفيع في قوات الأمن الخاصة النازية (إس. إس)، البارون ليوبولد إلدر فون ميلدنشتاين، إلى فلسطين برفقة صديقه المقرب، زعيم الاتحاد الصهيوني الألماني كورت توخلر. وبعد عودته، كتب ميلدنشتاين مقالات مدائحية عن المشروع الصهيوني، وتم سكّ ميدالية خاصة تخليدًا لزيارته: على أحد وجهيها صليب معقوف، وعلى الوجه الآخر نجمة داود.
اليوم، تحوّلت الأيديولوجيا الصهيونية التي بشّر بها ثيودور هرتسل أول الأمر في العام 1896، والتي انتقلت مع كل زعيم إسرائيلي- من دافيد بن غوريون ومناحيم بيغن وأريئيل شارون وصولًا إلى من جاءوا بعدهم- إلى أكثر حكومة يمينية وتشدّدًا وطابعًا إباديًا في تاريخ إسرائيل حتى الآن.
أصبح الوزيران العنصريان المتطرفان، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، من أتباع حركة مسيانية جديدة تُسمّى "اليهودية الوطنية"- وهي، بحسب وصف رابكين، "الأيديولوجيا المهيمنة للمستوطنين الذين يمارسون العدالة بأيديهم، والذين ضايقوا الفلسطينيين في الضفة الغربية وجرّدوهم من ممتلكاتهم وقتلوهم، ويشجّعون على تجويع الفلسطينيين في غزة".
ويكتب رابكين: "منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، حذّر منتقدو الصهيونية من أن الدولة الصهيونية ستتحول إلى فخّ موت، يعرّض المستعمِرين والمستعمَرين للخطر على حدّ سواء. وبالنسبة لتلك الأصوات… كان يُنظَر إلى المشروع الصهيوني على أنه خطأ مأساوي [وأنه] كلما انتهى في وقت أقرب… كان ذلك أفضل للبشرية جمعاء".
ويختتم رابكين بتأمل شخصي بصفته يهوديًا ملتزمًا بالشعائر، فيكتب: "كثيرًا ما تقوم التعاليم اليهودية بمراجعة الأسباب الجذرية لمعاناة الجماعة إلى إخفاقات أخلاقية داخلية. وفي هذا الضوء، فإن المسار الحالي لإسرائيل- الذي يتسم بالإفلات من العقاب، والغطرسة، والقسوة، وكلها تتناقض مع القيم اليهودية- يبدو متجهًا نحو خرابٍ أخلاقي وسياسي محتوم".
دولة واحدة ديمقراطية متعددة الأعراق
يشارك بابيه رابكين الرأي القائل بأن إسرائيل تسير في دوامة انتحارية ستقود في نهاية المطاف إلى انهيارها. لكنه يقفز بعد ذلك قفزة كبيرة إلى المستقبل ليتأمل ما يتصور أنه سينبثق من بين الأنقاض- دولة واحدة ديمقراطية متعددة الأعراق في فلسطين.
يبدأ كتاب "إسرائيل على حافة الهاوية" باستعراض الأحداث الكارثية التي وقعت منذ "وعد بلفور" في العام 1917 وتأسيس الدولة الإسرائيلية في العام 1948، وصولًا إلى صعود حركة المستوطنين الدينية اليمينية في السنوات الأخيرة.
مثل مهندس أبنية يفحص هيكلًا متصدعًا، يشير بابيه إلى الشقوق القاتلة في أسس الدولة الإسرائيلية، والتي ستتسع في نهاية المطاف وتؤدي إلى انهيار المشروع الصهيوني- وهو حدث يعتقد أنه "قد يغيّر مسار تاريخ العالم في هذا القرن".
يتمثل الشق الأول- وهو كبير جدًا، بحسب بابيه- في صعود الصهيونية المسيانية؛ الاعتقاد بأن الله منح الأرض المقدسة للشعب اليهودي لتسريع الخلاص. وكان رائد هذا الاتجاه هو الحاخام أبراهام يتسحاق كوك (1865–1935)، ويمثل ذلك "أشد أشكال الصهيونية تطرفًا: اندماج الأفكار المسيانية مع عنصرية صريحة تجاه الفلسطينيين وازدراء لليهودية العلمانية والإصلاحية".
يمتد خط تلامذة كوك مباشرةً من ابنه تسفي يهودا هكوهين كوك إلى مستوطني الضفة الغربية من اليمين المتطرف اليوم، وصولًا إلى الائتلاف السياسي المهيمن الذي يضم الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
ويكتب بابيه أن هذه الحركة تمثل أحد أخطر الصدوع في الأسس السياسية غير المستقرة لإسرائيل- انقسامًا بين اليمين الديني والصهاينة السياسيين، يشترك، على نحوٍ مفارق، على الرغم من اختلافاته، في الهدف ذاته المتمثل في الحفاظ على التفوق اليهودي في فلسطين.
ومن بين الشقوق التأسيسية الأخرى التي يكشف عنها بابيه: "الدعم غير المسبوق للقضية الفلسطينية حول العالم"، وتفاقُم الأزمات الاقتصادية في إسرائيل مع اتساع فجوة الثروة، وجفاف الاستثمارات، وفرار المهنيين الأكثر ثراءً من البلاد (الذين يُقدَّر عددهم بأكثر من نصف مليون منذ العام 2023).
يُضاف إلى القائمة "العجز الفاضح" في قدرة الجيش الإسرائيلي، الذي حتى لو كان قادرًا على قصف غزة وتحويلها إلى أنقاض، فإنه غير مُدرَّب على القتال الحقيقي وغير قادر على هزيمة حركة "حماس"؛ فضلًا عن تدهور الجهاز المدني العاجز عن توفير سكن ملائم لآلاف الإسرائيليين الذين نزحوا بسبب الحروب في غزة ولبنان.
وأخيرًا، ثمة أكبر الشقوق وأعمقها جميعًا- صعود حركة تحرر فلسطينية جديدة في الوقت نفسه الذي "يندفع فيه المشروع الصهيوني نحو حافة الهاوية". وهي حركة من شباب فلسطينيين متحمسين، "يسعون، بدلًا من ملاحقة حلّ الدولتين كما فعلت (السلطة الفلسطينية) دون جدوى على مدى عدة عقود، إلى حلٍّ حقيقي يقوم على دولة واحدة".
يرى بابيه أن التحدي يكمن في مزج الحماسة الشبابية بأجندة سياسية واضحة. ويكتب: "كل ثورة ناجحة في التاريخ جاءت عندما التقت الطاقة الإبداعية للجماهير بالرؤية البرنامجية لتنظيم واثق قادر على التعبير عن مطالبهم"، وهو ما وصفه ليون تروتسكي بأنه "الهيجان الملهم للتاريخ".
ويقول بابيه إن المبدأ الإرشادي في صلب هذه الثورة هو العدالة -عدالة انتقالية تتضمن المعالجة القانونية لانتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة ومحاسبة المسؤولين عنها؛ وعدالة ترميمية توفر التعويض للضحايا.
يعني ذلك، قبل كل شيء، منح ستة ملايين لاجئ فلسطيني أُجبروا على مغادرة أراضيهم منذ العام 1948 حق العودة إلى مدنهم وقراهم.
ثم يأتي بعد ذلك تفكيك المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وسوف تتطلب البؤر المعزولة التي يشغلها مستوطنون متعصبون هدمًا كاملًا، لكن المستوطنات الحضرية الواسعة التي بُنيت منذ العام 1967 ستطرح تحديات أكبر.
وعلى أي حال، "ستتضمن العدالة الانتقالية تفكيك الإطار القانوني لدولة الفصل العنصري واستبداله بإطار لا يميز بين اليهود وغير اليهود في مُلكية العقارات، والتخطيط العمراني، واستخدام الأراضي".
لكن أكثر رؤى بابيه شمولًا ربما تتمثل في إعادة ربط فلسطين بكامل شرق البحر الأبيض المتوسط، والمشرق، "اللذين ارتبطا عضويًا بعضهما ببعض بروابط ثقافية واجتماعية واقتصادية وتاريخية وأيديولوجية تعود إلى قرون".
يمكن أن يُعاد وصل هذه المنطقة بأسرها- حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود معًا في قدر من الانسجام النسبي لآلاف السنين قبل أن تعمد القوى الاستعمارية الأوروبية إلى تقسيمها بحدود مصطنعة- بفلسطين، بما يلهم "ثورة أوسع في عموم المشرق".
في ما يتعلق بملايين اليهود الذين سيبقون مقيمين في فلسطين ما بعد إسرائيل، يعتقد بابيه أنهم سيكونون مستعدين للمساهمة في بناء هذا المستقبل الجديد. ويكتب: "إن الطريقة التي ترى بها المجتمعات اليهودية الأخرى في أنحاء العالم نفسها جزءًا من بلدانها يمكن أن تتكرر في فلسطين ما بعد إسرائيل".
تصوّر المستقبل
يختتم كتاب "إسرائيل على حافة الهاوية" باستحضار فلسطين ما بعد إسرائيل في شكل يوميات تخيلية، يكون فيها بابيه شاهدًا ومشاركًا في آنٍ معًا في بناء مجتمع المستقبل- بدءًا من العام 2027 وصولًا إلى العام 2048، بعد مائة عام على تأسيس الدولة الإسرائيلية.
وخلال هذه الفترة، يشهد تزايد عزلة إسرائيل دوليًا؛ وفرض دول العالم عقوبات خانقة عليها وقطع العلاقات الدبلوماسية معها؛ وهجرة جماعية للمواطنين الإسرائيليين؛ وإعادة القرى والشوارع إلى أسمائها العربية؛ وتشكُّل ائتلافات سياسية جديدة بين أحزاب فلسطينية ويهودية؛ ومخاوف من أن يُبقي النموذج الرأسمالي السلطة في أيدي نخبة ثرية من اليهود والفلسطينيين، بما يخلق شكلًا جديدًا من الفصل العنصري؛ وإنشاء نظام تعليمي جديد؛ والاعتراف باللاجئين الفلسطينيين العائدين كمواطنين كاملي الحقوق.
هل يكون هذا مجرد تفكير رغائبي يتخيّل أن الوصمة الوحشية العنصرية للصهيونية ستُمحى في المستقبل المنظور، وأن دولة ديمقراطية جديدة ستنشأ في مكانها؟
لا شك في أن العقبات هائلة- من استمرار الاحتلال العسكري لغزة تحت ستار "مجلس السلام" الأورويلي في عهد ترامب، إلى الدعم الذي يبلغ 82 في المائة بين اليهود الإسرائيليين للتطهير العرقي في غزة، ما يجعل إسرائيل- بحسب تعبير عالم السياسة الأميركي نورمان فنكلستين، "مجتمعًا بأكمله جرى نَزْعُ إنسانيته بفعالية وفق نموذج نازي".
لا تخالط إيلان بابيه ولا ياكوف رابكين أيّ أوهام بشأن هذه العقبات؛ وهما يعتقدان فقط أن إنشاء دولة إسرائيل كان خطأً تاريخيًا مأساويًا، وأنه، من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني والبشرية جمعاء، لا بد أن يصل إلى نهايته.
إحدى السبل، كما كتبت المؤلفة الفلسطينية غادة كرمي، هو أن "الأمم المتحدة التي أنشأت إسرائيل يجب أن تعمل الآن على إنهائها، لا بالطرد والتهجير كما حدث في العام 1948، بل بتحويل إرثها القاتم إلى مستقبل من الأمل للشعبين في دولة واحدة".
سيكون ذلك بالتأكيد خطوة أولى على طريق حلّ الدولة الواحدة الذي يتصوره بابيه ورابكين- حلّ لا يسعنا إلا أن نأمل أن نشهد بداياته في حياتنا.
*ستيفان مور Stefan Moore: مخرج أفلام وثائقية أميركي– أسترالي، حازت أعماله أربع جوائز إيمي والعديد من الجوائز الأخرى. في نيويورك، عمل منتجًا لسلاسل برامج في قناة WNET ومنتجًا لبرنامج المجلة الإخبارية في أوقات الذروة "48 ساعة" على شبكة (سي. بي. إس). وفي المملكة المتحدة، عمل منتجًا لسلاسل برامج في "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي. بي. سي)، وفي أستراليا كان منتجًا تنفيذيًا في شركة الأفلام الوطنية "فيلم أستراليا" وفي قناة (إيه. بي. سي) التلفزيونية.
هامش المترجم:
(1) كلمة "ييد" (Yid) هي لفظة يديشية تعني في أصلها ببساطة "يهودي". وتُستخدم في اللغة اليديشية نفسها أحيانًا استخدامًا عاديًا- أو حتى ودّيًا داخل المجتمع اليهودي. لكن الكلمة استُخدمت تاريخيًا في السياق الأوروبي، وخاصة في اللغات الألمانية والإنجليزية، كتعبير ازدرائي ومعادٍ لليهود. لذلك تعتبَر في كثير من السياقات الحديثة كلمة مهينة أو جارحة إذا صدرت من خارج الجماعة اليهودية أو استُخدمت بنبرة تحقيرية. في النص أعلاه يُستخدم المصطلح كما أورده جابوتنسكي نفسه، ليعكس صورة نمطية سلبية عن "اليهودي التقليدي" في بلدات أوروبا الشرقية (الشتتل)، مقابل تصوّره لما سمّاه "العبري الجديد" الذي أراد للصهيونية أن تُنشئه.