عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Jul-2026

بناء دولة فلسطينية: السبيل لإنقاذ حل الدولتين وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط

 الغد

إيلان غولدنبيرغ؛ ليام حمامة* - (فورين أفيرز) 7/7/2026
 
يدعو الكاتبان في المقال التالي إلى جعل بناء دولة فلسطينية مستقلة محور السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، باعتباره السبيل الوحيد لإنقاذ حل الدولتين وكسر دوامة العنف. ويرى الكاتبان أن ذلك يتطلب إصلاح السلطة الفلسطينية، وإجراء انتخابات تمنحها شرعية جديدة، والضغط على إسرائيل لوقف سياسات تقويضها، وربط إعادة إعمار غزة بقيام سلطة فلسطينية موحدة تمهد لاستقرار إقليمي وسلام دائم.
 
 
في الأشهر الأخيرة، خضعت العلاقات الأميركية الإسرائيلية لتدقيق غير مسبوق من جميع الأطراف. فقد صوت 40 سيناتوراً ديمقراطياً في نيسان (أبريل) الماضي ضد صفقة بيع أسلحة لإسرائيل بسبب تصرفات الحكومة الإسرائيلية في غزة وإيران ولبنان، وهو تصويت كان من المستحيل تصوره قبل عام واحد فحسب. وفي صفحات مجلة "فورين أفيرز"، دافع أندرو ميلر عن إقامة علاقة "طبيعية" بين البلدين، تنهي الدعم غير المشروط الذي قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل على مر الأعوام. وفي أعقاب الحرب مع إيران، اتسعت دائرة المنتقدين لتشمل أعضاء في الائتلاف السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ يرى كثير منهم أن إسرائيل مسؤولة عن جر البلاد إلى صراع غير ضروري ومكلف.
تعد إعادة ضبط وتقييم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تحولاً ضرورياً في السياسة الأميركية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى نقل تركيزها بعيداً عن الشرق الأوسط نحو أولويات أخرى. لكن إعادة التقييم وحدها غير كافية. فإذا أرادت الولايات المتحدة تجنب الانجرار مجدداً إلى صراعات المنطقة، فعليها أولاً العمل على ترسيخ نظام إقليمي أكثر استقراراً. وقد أظهر هجوم حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وما أعقبه من أحداث، بصورة مؤلمة وواضحة، أن أي استراتيجية تتجاهل القضية الفلسطينية محكوم عليها بالفشل. صحيح أنه ليس كل مشكلة في الشرق الأوسط تنبع من الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، لكن المنطقة لن تنعم باستقرار حقيقي ما لم يُحل هذا الصراع. ولن يتحقق ذلك إلا بمنح الفلسطينيين فرصة لحكم أنفسهم.
على مدى الأعوام الخمس عشرة الماضية، لم تبذل واشنطن جهوداً تذكر لدفع هذا المسار قدماً، بل تعاملت مع الملف الفلسطيني بوصفه ملفاً ملحقاً بالعلاقة الأميركية - الإسرائيلية؛ قضية لا يُعاد تناولها إلا خلال جولات متقطعة من عمليات السلام، وتكون فيها معظم القرارات مرهونة بالمصالح والتفضيلات الإسرائيلية. ولكن لا بد من تغيير هذا النهج. وقد تبدو إدارة ترامب طرفاً غير مرجح لإحداث هذا التغيير، لكن الرئيس دونالد ترامب معروف بتقلباته ومواقفه التي لا يمكن التنبؤ بها. ومع تذبذب علاقة إدارته بإسرائيل، قد يكون هناك مجال للمناورة. وحتى لو لم يحدث هذا التغيير في عهد ترامب، سوف يحتاج خلفاؤه في البيت الأبيض إلى خطة للتعامل مع إنهاء هذا الصراع كضرورة جيوسياسية. وإذا أرادت الولايات المتحدة شرقاً أوسط أكثر سلاماً واستقراراً، فعليها إعطاء الأولوية لعلاقتها الثنائية مع الفلسطينيين. باختصار، عليها مساعدة الفلسطينيين على بناء دولتهم المستقلة.
العصر التقدمي
انتهجت الولايات المتحدة في الماضي القريب استراتيجية لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية. وقد حققت "السلطة الفلسطينية"، وهي الهيئة الحاكمة التي تأسست في تسعينيات القرن العشرين بموجب "اتفاقات أوسلو"، تقدماً ملحوظاً بين العامين 2007 و2011 في عهد رئيس الوزراء سلام فياض، نحو بناء مؤسسات يمكن أن تشكل في نهاية المطاف أساساً لقيام دولة فلسطينية. وقد حسَّن فياض الإدارة المالية للسلطة الفلسطينية وعزز شفافيتها. وقام، بمساعدة برنامج تدريبي قادته الولايات المتحدة، بالرفع من كفاءة قواتها الأمنية. وبفضل مليارات الدولارات من المساعدات المقدمة من واشنطن وجهات مانحة دولية أخرى، أسفرت هذه الإصلاحات عن نمو اقتصادي سريع، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بمعدل 10 في المائة في العام خلال الأعوام الأربعة الأولى من ولاية فياض. وفي العام 2011، خلص "البنك الدولي" إلى أن المؤسسات الفلسطينية "مؤهلة تماماً لإقامة دولة في أي وقت خلال المستقبل القريب". وقد أدى هذا الأداء إلى تعزيز الدعم الشعبي: فقد أيد الفلسطينيون في غالبيتهم رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وأشاروا إلى أنهم سيصوتون لصالحه. كما أيد 58 في المائة منهم إطار حل الدولتين. وأعرب أكثر من 60 في المائة عن دعمهم للمسار الدبلوماسي واللاعنف.
كثيراً ما يعزو المحللون نجاحات السلطة الفلسطينية خلال تلك الفترة إلى أسلوب القيادة التكنوقراطي الذي اتبعه فياض. ولكن ما كان لفياض أن ينجح لولا توافر الظروف المواتية التي جعلت برنامجه الحكومي قابلاً للتنفيذ، وأهمها الشرعية السياسية القائمة مسبقاً. فقبل عامين من تعيين فياض رئيساً للوزراء، حصل محمود عباس على تفويض شعبي واسع بعدما فاز بنسبة 62 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية. وقد وفر هذا التفويض الانتخابي، إلى جانب الشعبية النسبية لحركة "فتح" التي يتزعمها، الغطاء السياسي اللازم لفياض للمضي قدما في تنفيذ إصلاحات طموحة ترمي إلى تعزيز الشفافية المالية، وترسيخ سيطرة السلطة الفلسطينية الأمنية على المدن الرئيسة في الضفة الغربية. وقد منحت هذه الإصلاحات الفلسطينيين سبباً للاعتقاد بأن مؤسساتهم قادرة على تحقيق تقدم ملموس نحو إقامة الدولة.
كذلك، عملت السلطة الفلسطينية برئاسة فياض في ظل حكومة إسرائيلية اعتبرت دعم المعتدلين الفلسطينيين أولوية استراتيجية. وقد تواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بانتظام مع عباس، وسهل تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية التي جمعتها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، وخفف القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية. ولكن، لم يفض هذا التعاون إلى حل الخلافات السياسية الجوهرية، إذ فشل أولمرت وعباس في نهاية المطاف في التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الوضع النهائي، ولكنه مكّن المؤسسات الفلسطينية من العمل بفاعلية وتقديم الخدمات للمواطنين.
أدت الشرعية السياسية التي تمتعت بها القيادة الفلسطينية، مدعومة من قيادة إسرائيلية مؤيدة لهذا التوجه، إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الدولية. فبالإضافة إلى الولايات المتحدة، خصص "الاتحاد الأوروبي" وجهات مانحة أخرى مليارات الدولارات لدعم الحكم الفلسطيني والتنمية الاقتصادية. وقد أسهمت المساعدات الخارجية، إلى جانب تحسن الأوضاع الأمنية وتزايد ثقة القطاع الخاص، في تحقيق نمو سريع. وبحلول العام 2010، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية بنسبة 50 في المائة مقارنة بمستويات العام 2000. وكانت النتيجة سلسلة من التطورات الإيجابية التي يعزز بعضها بعضاً: فقد أدى تحسين الحوكمة إلى توليد دعم شعبي أكبر، وزيادة استقرار المجتمع الفلسطيني، وجذب المساعدات الخارجية، مما عزز بدوره قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ برنامجها.
لكن هذا التقدم بدأ بالتلاشي مع عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السلطة في العام 2009. فقد تراجع نتنياهو عن سياسة حكومة أولمرت الداعمة للسلطة الفلسطينية، وعمل تدريجاً على إضعافها من خلال توسيع الاستيطان اليهودي الإسرائيلي في الضفة الغربية، وزيادة توغلات جيش الدفاع الإسرائيلي في المنطقة (أ) الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، وحجب عائدات الضرائب عن السلطة الفلسطينية بصورة دورية. وخلال فترة رئاسته للوزراء، سعى نتنياهو إلى تقسيم المشهد السياسي الفلسطيني، وتهميش المعتدلين الذين برزوا في عهد أولمرت، بينما منح مساحة أكبر للفصائل الأكثر تطرفاً والأقل استعداداً للتفاوض مع إسرائيل، بما في ذلك حركة "حماس" التي انتزعت السيطرة على قطاع غزة من حركة "فتح" في العام 2007. وبينما كان يقوض شرعية السلطة الفلسطينية في نظر الشعب الفلسطيني من خلال توسيع النشاط الاستيطاني، سمح في المقابل بتحويل مليارات الدولارات نقداً من قطر إلى مطار بن غوريون، ومن ثم تحويلها مباشرة إلى "حماس" في غزة.
في وقت سعى فيه نتنياهو إلى دعم بدائل أكثر تشدداً للسلطة الفلسطينية، وهي الهيئة التي كانت إسرائيل نفسها قد أسهمت في إنشائها من خلال عملية أوسلو، كانت السلطة الفلسطينية تغرق في أزمة مالية متفاقمة وتتدهور قدرتها على الإدارة الفعالة. ونُظر إلى سلطة عباس على أنها تزداد ضعفاً وفساداً واستبداداً، وتراجع الدعم لقيادته بصورة حادة. وفقدت الفكرة الأساسية التي قامت عليها السلطة الفلسطينية، وهي أن التعاون واللاعنف قادران على تحقيق النتائج، صدقيتها لدى الفلسطينيين، في حين اكتسبت "حماس"، بعقيدتها القائمة على نهج المقاومة المسلحة، مزيداً من التأييد. وقد استقال فياض في العام 2013 بعدما عمد عباس إلى تقويض بعض بنود أجندته. وخاب أمل الولايات المتحدة وغيرها من الجهات المانحة الدولية من تراجع السلطة الفلسطينية وانهيار عملية السلام، فقلصت مستوى دعمها لها.
ثم جاء انتخاب ترامب في العام 2016 والتحول نحو اليمين في السياسة الإسرائيلية ليسرّع من تهميش السلطة الفلسطينية. فقد أوقفت إدارته معظم المساعدات الأميركية المقدمة للسلطة، ونقلت السفارة الأميركية إلى القدس، وأغلقت القنصلية الأميركية التي كانت بمثابة سفارة لدى فلسطين بحكم الأمر الواقع، وأغلقت البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في واشنطن. وفي الوقت نفسه، واصلت حكومات نتنياهو توسيع المستوطنات، وابتعدت عن المفاوضات الجادة، واتجهت بدلاً من ذلك نحو سياسة الضم. ومع انعدام الأمل في إحراز تقدم دبلوماسي، وغياب أي آفاق لتجديد الحياة السياسية أو إجراء انتخابات، وتدهور الأوضاع على الأرض، انهار التأييد الشعبي للسلطة الفلسطينية. وقبل شهر من هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أظهرت استطلاعات الرأي في الضفة الغربية وقطاع غزة أن 78 في المائة من الفلسطينيين يطالبون باستقالة عباس، فيما أيدت الغالبية خيار المقاومة المسلحة.
لكن الابتعاد عن السلطة الفلسطينية وتجاهل القضية الفلسطينية ارتدَّ بشكل سلبي على واشنطن وإسرائيل في نهاية المطاف. وأفضت قرابة 20 عاماً من إدارة "حماس" لقطاع غزة في نهاية المطاف إلى هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) واندلاع حرب مدمرة. ووجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة في صراعات الشرق الأوسط بعد أن سعت إلى تقليص وجودها في المنطقة، بينما وجدت إسرائيل نفسها أقل أماناً ومنبوذة دولياً. كما عانى الشركاء الدوليون الذين دعموا بناء السلطة الفلسطينية تداعيات اقتصادية وسياسية ناجمة عن استمرار الصراع.
صندوق الاقتراع لا فوهة البندقية
اليوم، ينبغي أن يهدف أي جهد أميركي جاد لمساعدة الفلسطينيين على بناء دولتهم إلى إعادة تهيئة الظروف التي جعلت إقامة دولة فلسطينية تبدو ممكنة قبل عقدين من الزمن. وعلى واشنطن أن تبدأ بدعم عملية موثوقة لاستبدال القيادة السياسية الفلسطينية التي أصبحت هرمة وعاجزة عن أداء دورها. وكان محمود عباس، البالغ من العمر الآن 90 عاماً، قد أعلن حديثاً أن الانتخابات التشريعية ستجرى في تشرين الثاني (نوفمبر) 2026، تليها الانتخابات الرئاسية في مطلع العام 2027، وهي أول انتخابات وطنية فلسطينية منذ العام 2006. وينبغي للولايات المتحدة أن تحمّل عباس مسؤولية الوفاء بهذا الالتزام، وأن تدعم إجراء الانتخابات من خلال مطالبة إسرائيل بالسماح بالحملات الانتخابية وتأمين الوصول إلى مراكز الاقتراع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية.
طوال أعوام، خشي صانعو السياسة الأميركيون من أن تؤدي الانتخابات إلى تمكين حركة "حماس"، التي فازت بآخر انتخابات تشريعية فلسطينية في العام 2006 وما تزال ملتزمة بخيار الصراع المسلح. وفي العام 2021، وهي آخر مرة بحث فيها عباس بجدية فكرة إجراء انتخابات، تلقى رداً فاتراً من إدارة بايدن بسبب هذه المخاوف. وكان تردد واشنطن أحد الأسباب التي دفعت عباس إلى تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. ولكن اليوم، ومع بلوغ حالة الإحباط الفلسطيني مستويات غير مسبوقة، فإن الاستمرار في تأجيل الانتخابات لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل شرعية السلطة الفلسطينية وتعزيز ادعاء "حماس" بأنها الممثل الحقيقي للقومية الفلسطينية.
لذلك، ينبغي أن تركز السياسة الأميركية على تهيئة الظروف التي تسمح بظهور قيادة شرعية وخاضعة للمساءلة وقادرة على الحكم بكفاءة. ويمكن لواشنطن، على سبيل المثال، أن تشجع حكومة عباس على إقرار قوانين انتخابية تمنح القوى البديلة عن حركة "فتح" وحركة "حماس" مساراً موثوقاً للمشاركة والتأثير. ويمكنها الضغط لجعل المشاركة في الانتخابات مشروطة بالالتزام بنبذ العنف، بما يجبر "حماس" إما على تعديل مواقفها أو الامتناع عن المشاركة.
وينبغي للولايات المتحدة أن توضح أن إجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية وانتقالاً سلمياً للسلطة سيقودان إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطينية. وعلى الرغم من أن خطوة من هذا النوع لن تغير الوقائع على الأرض بين ليلة وضحاها، فإنها ستشكل دفعة هائلة للحكومة الجديدة التي يمكنها استثمار الاعتراف الأميركي لكسب تأييد شعبي فوري.
من شأن تقديم تنازلات رمزية أن يعزز صدقية السلطة الفلسطينية. ولكن يجب أن تقترن بتعهدات مادية ملموسة. ولهذا ينبغي لواشنطن إزالة القيود القانونية التي فرضتها على نفسها في ما يتعلق بتعاملها مع الفلسطينيين. فقد أدت قوانين أميركية، مثل قانون "تايلور فورس" الذي يقيد قدرة الولايات المتحدة على توفير أي دعم للسلطة الفلسطينية إلى حين توقفها عن تقديم تعويضات مالية للأسرى الفلسطينيين الذين ارتكبوا أعمال عنف ضد الإسرائيليين، إلى تقليص كبير في المساعدات الأميركية المباشرة للسلطة الفلسطينية وفي التواصل الدبلوماسي معها. وما يزال هذا القانون ساري المفعول على الرغم من التقدم الذي أحرزته السلطة الفلسطينية نحو إلغاء هذه المدفوعات. وينبغي للولايات المتحدة إجراء تدقيق مستقل للتحقق من استمرار امتثال السلطة الفلسطينية، وبعد ذلك يجب رفع هذا القيد. كما أن تشريعات أميركية أخرى، بما في ذلك قانون "تعزيز الأمن والعدالة لضحايا الإرهاب" الصادر في العام 2019، وقانون "مكافحة الإرهاب" للعام 1987، تمنع السلطة الفلسطينية و"منظمة التحرير الفلسطينية" المتحالفة معها من التمتع بتمثيل دبلوماسي في الولايات المتحدة. ولذلك، ينبغي أن يُسمح للدولة الفلسطينية، بعد الاعتراف بها، بفتح سفارة، وممارسة نشاطها الدبلوماسي في واشنطن، والاستفادة من علاقات أوثق مع الولايات المتحدة.
شريك في السلام
سوف تلعب الولايات المتحدة دوراً مهماً في أي مشروع لبناء الدولة الفلسطينية. لكن حق الفلسطينيين في تقرير المصير سيظل مستحيلاً من دون مشاركة الحكومة الإسرائيلية. فقد ألحقت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تضم شخصيات متطرفة، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ضرراً بالغاً بالمجتمع الفلسطيني وبقدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار. ولأكثر من عام، امتنعت الحكومة الإسرائيلية بالكامل عن تحويل عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية التي تشكل نحو ثلثي موازنتها. وقد أفضت الأزمة المالية المترتبة على ذلك إلى عجز السلطة الفلسطينية عن دفع الرواتب كاملة لموظفيها، وأجبرتها على الاستدانة، وأدت إلى نقص حاد في الأدوية والعلاجات الأساسية.
إذا بقي نتنياهو وحلفاؤه في السلطة، قد تجد واشنطن أن إحراز أي تقدم هو أمر مستحيل. لكن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد توفر فرصة لتشجيع نهج جديد. ومن غير المرجح أن تؤيد أي حكومة مستقبلية تضم شخصيات معارضة يمينية، مثل نفتالي بينيت، فكرة إقامة دولة فلسطينية. لكن ائتلافاً يضم أيضاً رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق الوسطي، غادي آيزنكوت، ويائير غولان المنتمي إلى يسار الوسط، قد يكون أكثر استعداداً لاتخاذ خطوات عملية لوقف تدهور السلطة الفلسطينية، لأنه يدرك أهمية هذه السلطة في الحفاظ على استقرار الضفة الغربية. ولن تؤدي هذه الإجراءات وحدها إلى إقامة دولة فلسطينية، لكنها قد توفر الحد الأدنى من الظروف اللازمة للولايات المتحدة والفلسطينيين والشركاء الدوليين لاستئناف جهود حقيقية رامية إلى بناء الدولة.
وحتى مع وجود حكومة إسرائيلية أقل تعنتاً، سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام نفوذها بصورة أكثر حزماً مما فعلت في الماضي لتوجيه السلوك الإسرائيلي. وعلى أقل تقدير، يجب أن تطالب إسرائيل بالتحويل المنتظم لعائدات الضرائب الفلسطينية. وإذا استمرت إسرائيل في احتجاز هذه الأموال، فعلى الولايات المتحدة أن تعلق مؤقتاً اتفاق التجارة الحرة وغيرها من برامج التعاون الاقتصادي المبرمة معها. وإذا أصرت إسرائيل على تخريب الاقتصاد الفلسطيني، فإنها لا تستحق معاملة اقتصادية تفضيلية من واشنطن. وعلى نحو أكثر جوهرية، ينبغي للولايات المتحدة الدفع نحو إعادة التفاوض بشأن "بروتوكول باريس" للعام 1994 أو استبداله -وهو الإطار الاقتصادي المنبثق عن "اتفاقات أوسلو" الذي يمنح إسرائيل سلطة جباية هذه الإيرادات نيابة عن الفلسطينيين. فلا يمكن لأي حكومة أن تبني دولة بينما يتحكم طرف آخر بأحد أهم مفاتيح اقتصادها، ويعمل في الوقت نفسه على تقويضه.
وليست إيرادات الضرائب الأداة الاقتصادية الفلسطينية الوحيدة التي تسيطر عليها إسرائيل. فمنذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، شددت تل أبيب بصورة كبيرة القيود على الحركة داخل الضفة الغربية، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، والحد من قدرة الفلسطينيين على إيجاد عمل خارج مدنهم وقراهم. وتشكل السيطرة على حرية الحركة داخل الأراضي الفلسطينية عنصراً أساساً من عناصر السيادة، وسيواصل الشعب الفلسطيني اعتبار السلطة الفلسطينية فاشلة ما دامت حياته اليومية تحكمها الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية بدلاً من حكومته الخاصة. لذلك، ينبغي للولايات المتحدة الضغط من أجل التراجع عن هذه القيود. وإذا رفضت إسرائيل تخفيفها، فعلى واشنطن تعليق البرنامج الذي يسمح للإسرائيليين بدخول الولايات المتحدة من دون تأشيرة.
ربما يكون أكثر ما يقوض صدقية القيادة الفلسطينية الحالية هو عجز السلطة الفلسطينية عن مواجهة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين. فمنذ العام 2023، وافقت الحكومة الإسرائيلية على بناء أكثر من 50 ألف وحدة استيطانية، وغضت الطرف إلى حد كبير عن أكثر من 5.300 اعتداء نفذه مستوطنون إسرائيليون. وكانت إدارة بايدن قد فرضت عقوبات على أكثر المستوطنين الإسرائيليين عنفاً، وعلى المنظمات الداعمة لهم. لكن ترامب بادر، بعد عودته إلى البيت الأبيض، إلى إلغاء تلك العقوبات على الفور. واليوم، ارتفع معدل الهجمات العنيفة بنسبة 50 في المائة مقارنة بما كان عليه في فترة سريان عقوبات إدارة بايدن. وعلى الولايات المتحدة أن ترسم خطوطاً حمراء واضحة بشأن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، بدءاً بإقرار قانون منع العنف في الضفة الغربية، بما يعيد تفعيل برنامج العقوبات المفروض في عهد بايدن ويمنع إلغاءه لاحقاً بقرار تنفيذي.
من وقف إطلاق النار إلى قيام الدولة
أظهرت الحرب في غزة، وما خلفته الحروب في إيران ولبنان من أضرار جانبية، لحكومات الشرق الأوسط وأوروبا أن تجاهل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لن يؤدي إلا إلى انفجاره بطرق تضر بمصالحها وتربك أوضاعها السياسية الداخلية. ولذلك، يتعين عليها أيضاً أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في المساعدة على بناء دولة فلسطينية. وقد استثمر بعض الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والسعودية، في دعم السلطة الفلسطينية، ودفعوا باتجاه إصلاحات تتعلق بالشفافية والإدارة المالية وتقديم الخدمات خلال العامين الماضيين. وينبغي للولايات المتحدة أن تدعم هذه الجهود من خلال تقديم مساعدات مالية مشروطة وخبرات فنية. إلا أن تعزيز السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحده لا يكفي لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، فضلاً عن تحقيق استقرار إقليمي دائم. ولا بد لأي استراتيجية ناجحة لبناء الدولة أن تعيد في نهاية المطاف توحيد غزة والضفة الغربية تحت حكم فلسطيني شرعي.
توفر خطة ترامب المؤلفة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، والتي ساعدت مصر وقطر وتركيا في التفاوض بشأنها، خريطة طريق مفيدة لإقامة دولة فلسطينية، إذ تنص صراحة على أن يكون الهدف النهائي هو تولي السلطة الفلسطينية بعد خضوعها لإصلاحات إدارة قطاع غزة. غير أن الخطة، بعد نجاحها الأولي في إنهاء الحرب، دخلت مرحلة من الجمود. وإذا لم يتحقق تقدم في نزع سلاح "حماس"، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونقل السلطة والصلاحيات إلى السلطة الفلسطينية أو إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي أنشئت كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، فمن المرجح أن تؤدي الخطة إلى مستقبل تسيطر فيه "حماس" على جزء صغير من غزة، بينما تفرض إسرائيل سيطرتها على بقية القطاع إلى أجل غير مسمى.
في الوضع الحالي، يتعامل البيت الأبيض و"مجلس السلام" وإسرائيل مع نزع السلاح الكامل لحركة "حماس" بوصفه شرطاً مسبقاً لتقديم المساعدات الدولية ونقل السلطة إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية. غير أن نزع سلاح "حماس" لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عملية تدريجية تشمل تسريح المقاتلين وإعادة دمجهم في المجتمع والمؤسسات المدنية، وهي عملية يرجح أن تستغرق أعواماً. والاستمرار في الإصرار على نزع السلاح الفوري يبقي "حماس" في السلطة، ويمنح نتنياهو ذريعة للبقاء في غزة. ولذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل مع مصر وتركيا وقطر للضغط على "حماس" من أجل قبول خطة لنزع سلاحها تدريجاً مقابل انتزاع التزام إسرائيلي بإجراء انسحاب مرحلي يرتبط مباشرة بالتقدم المحرز في هذا المسار.
لتحقيق ذلك، يتعين على واشنطن أولاً إقناع إسرائيل بقبول أن السلطة الفلسطينية يجب أن تضطلع بدور حقيقي في إدارة غزة. فسوف تتطلب إقامة نظام مستدام لما بعد الحرب وجود بديل فلسطيني موثوق لـ"حماس". وما تزال السلطة الفلسطينية، على الرغم من أوجه القصور التي تعانيها، المؤسسة الوحيدة التي تمتلك القدرة على أداء هذا الدور. ويجب على الولايات المتحدة أن توضح لإسرائيل أن عرقلة هذا الانتقال، كما فعلت حكومة نتنياهو بإصرارها على عدم التحرك قبل نزع سلاح "حماس" بالكامل، تتعارض مع الهدف الأوسع المتمثل في تمكين بديل فلسطيني موثوق لـ"حماس". وإذا استمرت إسرائيل في الإصرار على عدم منح السلطة الفلسطينية أي دور في إدارة غزة بعد الحرب، فعلى واشنطن أن تضع قيوداً على استخدام الأسلحة الأميركية في غزة والضفة الغربية.
إن تمكين السلطة الفلسطينية، إلى جانب تنفيذ عملية موثوقة لنزع سلاح حركة "حماس" وتسريح مقاتليها وإعادة دمجهم، سيوفر البنية المؤسسية اللازمة لإطلاق استثمارات إقليمية ودولية ضخمة لإعادة إعمار غزة، وإنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار على النحو الذي تنص عليه الخطة ذات النقاط العشرين، وصولاً في نهاية المطاف إلى قيام كيان سياسي فلسطيني موحد يضم غزة والضفة الغربية. وينبغي ألا تسمح الولايات المتحدة وشركاؤها لإسرائيل بالوقوف في طريق تحقيق هذا الهدف.
دفع عجلة العمل إلى الأمام
مجتمعة، يمكن لهذه الجهود المبذولة لبناء الدولة أن تضع الأساس لعملية سلام إقليمية تنخرط فيها إسرائيل في حوار مع جميع جيرانها العرب، بما يفضي في نهاية المطاف إلى اتفاق سلام، وإقامة دولة فلسطينية، والدمج الكامل لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. وقد يبدو هذا السيناريو بعيد المنال في الوقت الراهن. فالولايات المتحدة لم تتوصل إلا أخيراً إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران. وعلى الرغم من الانقسام المتنامي داخل الحزب الجمهوري الأميركي بشأن إسرائيل، فإن ترامب لم يُظهر أي اهتمام بدفع قضية الدولة الفلسطينية خلال أي من ولايتيه الرئاسيتين. وما تزال إسرائيل خاضعة لحكومة يمينية متطرفة، فيما يواصل الفلسطينيون العيش في ظروف مروعة في غزة، ويواجهون تصاعداً في العنف والتهجير في الضفة الغربية.
لكن هذه الظروف قد تتغير قريباً. فقبل انتخابات الخريف، تُظهر استطلاعات الرأي أن حكومة نتنياهو ما تزال بعيدة عن الحصول على المقاعد الـ61 في الكنيست اللازمة لتشكيل ائتلاف حكومي. وقد ألمح عباس إلى احتمال إجراء انتخابات. وفي شخص رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، يمتلك الفلسطينيون شخصية تكنوقراطية كفؤة قد تؤدي الدور الذي لعبه فياض إذا توافرت الظروف المناسبة. وما يزال الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني يحتل موقعاً محورياً في السياسة الداخلية لكل من أوروبا والولايات المتحدة. وقد يفقد الحزب الجمهوري السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس، أو على كليهما، في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وقد يجد ترامب أن أولوياته في السياسة الداخلية تواجه العراقيل، فيسعى، مثل كثير من الرؤساء الأميركيين قبله، إلى تحقيق إنجاز كبير في السياسة الخارجية يعزز إرثه السياسي. ومن شأن اتخاذ الخطوات الأولى نحو سلام إقليمي وإقامة دولة فلسطينية أن يشكل استكمالاً مهماً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي يعد أحد أبرز النجاحات الفعلية في ولايته الثانية. ولكن حتى لو لم يسع ترامب إلى ذلك، فإن مشروع بناء الدولة الفلسطينية قد يكون خياراً جذاباً سياسياً للرئيس الأميركي المقبل، بغض النظر عن انتمائه الحزبي.
لقد فقدت فكرة بناء الدول شعبيتها في واشنطن منذ إخفاقات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. لكنّ هذا النهج ما يزال منطقياً في الحالة الفلسطينية. ففي غياب هذه الجهود، كثفت الحكومات الإسرائيلية اليمينية مساعيها لإغلاق الباب أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية، في حين ازداد عدد الفلسطينيين الذين اقتنعوا بأن المقاومة العنيفة وحدها هي الكفيلة بإبقاء حلم تقرير المصير حياً. ويستمر هذان الاتجاهان في تغذية دوامة العنف وعدم الاستقرار التي تعصف بالمنطقة. وإذا أرادت الولايات المتحدة وضع حد نهائي لهذه الحلقة المفرغة وتهيئة الظروف لتحقيق سلام دائم، فعليها أن تدفع باتجاه إقامة دولة فلسطينية.
 
*إيلان غولدنبيرغ: نائب الرئيس الأول وكبير مسؤولي السياسات في منظمة "جي ستريت" J Street. شغل سابقاً منصب المستشار الخاص لشؤون الشرق الأوسط لنائبة الرئيس كامالا هاريس من العام 2023 إلى العام 2024. وكان عضواً في الفريق الذي أجرى مفاوضات الوضع النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين في عهد وزير الخارجية الأميركي جون كيري من العام 2013 إلى العام 2014. *ليام حمامة: محلل سياسات في منظمة "جيه ستريت". الترجمة العربية لصيحفة "الإندبندنت" حيث نُشرت في 2026/7/10.