نهاية عهد.. العلاقات الإسرائيلية الأميركية لم تعد كما كانت
الغد
N12
اللواء عاموس يدلين والعقيد احتياط أودي أفنتال
6/11/2026
ألحقت هزيمة دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي، وما رافقها من تحول في موازين القوى داخل مجلسي الكونغرس لمصلحة الديمقراطيين، ضربة قوية بقدرته على إدارة شؤون البلاد خلال العامين الأخيرين من ولايته. ومن المتوقع أن تشهد هذه المرحلة تصعيدا في المواجهة الداخلية معه، من خلال تحقيقات برلمانية تستهدف سياساته وسلوكه، ومحاولات لتقييد صلاحياته.
لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى الإسرائيليين هو: كيف ستنعكس نتائج الانتخابات الأميركية على العلاقات بين واشنطن وتل أبيب؟
ورغم خسارته في الكونغرس، من المرجح أن يسعى ترامب إلى ترك بصمة في التاريخ الأميركي والعالمي، وتعزيز إرثه السياسي، كما يفعل عادة الرؤساء في نهاية ولاياتهم. ومع تضاؤل قدرته على المناورة في الملفات الداخلية بسبب سيطرة خصومه على الكونغرس، قد يجد في السياسة الخارجية مجالا أوسع للتحرك، خصوصا في الشرق الأوسط، حيث ما تزال الولايات المتحدة عالقة في أزمات معقدة.
وتتصدر احتمالات تجدد الحرب مع إيران هذه الملفات، بعدما ظلت المواجهة حاضرة في الحسابات الأميركية والإسرائيلية حتى عشية الانتخابات. ومن المتوقع أن يحاول الكونغرس الديمقراطي عرقلة أي قرار باستئناف الحرب، التي لا تحظى بشعبية واسعة لدى الرأي العام الأميركي. ومع ذلك، تظل قدرة الكونغرس على تقييد الرئيس محدودة في بعض الظروف، إذ يستطيع ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، التحرك عسكريا استنادا إلى صلاحياته التنفيذية، وإن كان ذلك قد يفتح الباب أمام مواجهة دستورية وسياسية.
ورغم صعوبة التنبؤ بتحركات ترامب وتقلب دوافعه، فإن مصلحته الأساسية تبدو أقرب إلى تجنب حرب جديدة مع إيران والتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، يكون أفضل من الاتفاق الذي انسحب منه عام 2018. وحتى الآن، تواصل واشنطن، بوساطة تقودها قطر وبمشاركة أطراف أخرى، جهودها للتوصل إلى تفاهم يضمن فتح مضيق هرمز، ويحد من مساعي طهران المحتملة لامتلاك سلاح نووي.
وهنا يظهر التباين الجوهري بين حسابات ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فبينما يسعى نتنياهو إلى تغيير النظام الإيراني ومنع أي اتفاق أميركي معه، يرى ترامب أن التوصل إلى اتفاق قد يكون أفضل وسيلة لإنهاء الانخراط الأميركي في مستنقع الشرق الأوسط، والتفرغ لمنافسة الصين والحفاظ على مكانة الولايات المتحدة عالميا.
كما يختلف الرجلان في حساباتهما السياسية؛ إذ يرى الكاتبان أن نتنياهو يوظف المواجهة مع إيران في إطار اعتبارات سياسية وانتخابية داخلية، في حين ينظر ترامب إلى الحرب السابقة باعتبارها فرصة لتحقيق إنجاز سياسي يعزز إرثه، ولا يريد أن تتحول إلى تورط طويل الأمد يبدد هذا الإنجاز.
وتحمل العودة إلى الحرب مخاطر كبيرة، إذ قد لا تستأنف المواجهة من النقطة التي توقفت عندها عملية "زئير الأسد"، بل قد تتطور سريعا إلى استهداف واسع للبنية التحتية للطاقة في إيران، يقابله رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة في أنحاء الشرق الأوسط، الأمر الذي يقلق دول الخليج ويهدد برفع أسعار النفط والطاقة عالميا إلى مستويات يصعب احتواؤها. ومثل هذا السيناريو يتناقض تماما مع وعود ترامب بإنهاء الحروب وتجنب الانخراط في صراعات جديدة.
وفي المقابل، يملك ترامب خيار مواصلة الحصار المفروض على إيران، والذي يلحق أضرارا كبيرة باقتصادها، بالتوازي مع العمل على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا وخفض أسعار النفط. وقد تراهن واشنطن على أن الضغوط الاقتصادية، خصوصا مع اقتراب أشهر الشتاء، ستدفع طهران إلى تقديم تنازلات، في وقت لا تبدو فيه الظروف العملياتية مواتية لاستئناف الحرب.
لكن هذه الحسابات قد تتغير بسرعة إذا انهارت المفاوضات ورفضت إيران مقترحات الوساطة، أو أعلنت الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي واستأنفت تخصيب اليورانيوم بهدف امتلاك سلاح نووي. كما قد تتغير إذا حاولت طهران كسر الحصار بالقوة، أو اعتقدت أن الولايات المتحدة تستعد لمهاجمتها، فقررت توجيه ضربة استباقية، حتى لو استند قرارها إلى تقدير خاطئ.
أما على مستوى العلاقات الإسرائيلية الأميركية، فيحذر الكاتبان من أن صبر ترامب تجاه حكومة نتنياهو قد ينفد قريبا، خصوصا إذا واصلت تمسكها بمواقفها المتشددة، في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي إلى تحقيق إنجازات إقليمية قبل انتهاء ولايته.
ورغم تراجع اهتمام ترامب بقطاع غزة، فإنه قد يعود إلى ممارسة الضغط على إسرائيل لدفع خطته ذات النقاط العشرين إلى الأمام، بعد تعثر تنفيذها. وقد يمارس ضغوطا أيضا لتحقيق تقدم في الملفين السوري واللبناني، واتخاذ خطوات للحد من اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية. وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ظل رغبة ترامب في استئناف مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، الذي ما تزال تعترضه قضايا خلافية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، ستمنح سيطرة الديمقراطيين على لجان الكونغرس فرصة أكبر لممارسة الضغوط على إسرائيل، من خلال استدعاء مسؤولين أميركيين إلى جلسات استماع بشأن استخدام الجيش الإسرائيلي الأسلحة الأميركية، والدفع نحو فرض عقوبات على المستوطنات، فضلا عن طرح إجراءات لربط المساعدات المقدمة لإسرائيل بشروط أو تجميدها.
وكان ترامب قد فاجأ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، عشية الانتخابات، بإعلانه أن المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل ستنتهي هذا العام، في خطوة قد تكون مرتبطة أيضا بمخاوفه من صعوبة تمريرها في كونغرس تسيطر عليه المعارضة. وحتى إذا لم تتحول جميع هذه التحركات إلى قوانين ملزمة، فإنها ستترك آثارا عميقة على العلاقات بين البلدين، وتزيد من حدة الخلافات بينهما قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2028.
ولطالما شكل الكونغرس حصنا تقليديا للدعم الأميركي لإسرائيل، وكانت تل أبيب تلجأ إليه لموازنة ضغوط الإدارات الأميركية عندما تختلف معها بشأن سياسات الشرق الأوسط. لكن هذه المعادلة تغيرت؛ إذ تجد إسرائيل نفسها اليوم أكثر اعتمادا على ترامب لعرقلة تحركات الكونغرس التي قد تضر بمصالحها، في وقت يقترب فيه الرئيس من نهاية ولايته وتتراجع قدرته السياسية.
ويرى الكاتبان أن المهمة الأساسية لأي حكومة تغيير مقبلة في إسرائيل يجب أن تكون العمل على استعادة مكانة البلاد في الولايات المتحدة، ولا سيما داخل الكونغرس، باعتباره مؤسسة تعكس اتجاهات الرأي العام الأميركي وتوازناته السياسية.
ولذلك، فإن معيار نجاح إسرائيل خلال العامين المقبلين لا ينبغي أن يقتصر على ما تستطيع الحصول عليه من ترامب بشأن إيران أو غيرها من الملفات، بل يجب أن يتمثل في بناء آليات وترتيبات مؤسسية تضمن استمرار العلاقات الإستراتيجية الخاصة بين البلدين، وتحد من تداعيات التحولات السياسية الأميركية.
وعلى المدى الأبعد، يرى الكاتبان أن انتهاء ولاية ترامب بعد عامين قد يفتح الباب أمام مرحلة أميركية جديدة، مع توقع وصول رئيس أكثر تعاطفا مع إسرائيل نسبيا. غير أن هذا الاحتمال لا يلغي مشكلة أعمق تتمثل في تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، خصوصا بين فئة الشباب في الولايات المتحدة، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، حيث باتت إسرائيل موضوعا متزايد الحضور في الخلافات السياسية الداخلية.
ويخلص الكاتبان إلى مفارقة سياسية لافتة، مفادها أن نتنياهو، الذي قدم نفسه طويلا باعتباره الرجل الأكثر قدرة على إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة، قاد خلال سنوات حكمه تحالفا عسكريا غير مسبوق مع واشنطن ضد إيران، لكنه أسهم في الوقت نفسه في وصول مكانة إسرائيل لدى حليفتها الكبرى إلى واحدة من أدنى مستوياتها التاريخية، في تراجع قد يكون من الصعب إصلاحه.