"تحت رحمة المؤثرين".. حين يفتقر الطفل للتمييز بين الإعلان والترفيه
الغد-منى أبو حمور
في مقطع فيديو قصير منتشر على منصات التواصل الاجتماعي، يظهر طفل وهو يجرّب منتجا جديدا، يضحك، يشرح، ويشجع المتابعين على شرائه. وفي مكان آخر، طفلة تكرر تجربة تحدٍّ انتشرت على نطاق واسع بين أقرانها، وآخرون يطالبون ذويهم بشراء ألعاب ومنتجات شاهدوها لدى مؤثرين يتابعونهم يوميا.
لكن خلف هذه المشاهد التي تبدو ترفيهية وعفوية، تتداخل حدود غير واضحة بين المحتوى اليومي والإعلان التجاري، وبين التجربة الشخصية والترويج المدفوع، في فضاء رقمي يتعامل معه الأطفال بوصفه امتدادا طبيعيا لحياتهم اليومية.
في ظل هذا الواقع الجديد في حياة أطفالنا، يبرز سؤال ملح: من يراقب ما يصل إلى أطفالنا من محتوى عبر المؤثرين؟ وهل يدرك صغارنا أنهم يتعرضون لإعلانات، أم أنهم يتعاملون مع محتوى يثقون به بوصفه جزءا من حياة من يتابعونهم؟
في هذا التحقيق لـ"الغد"، نحاول تفكيك هذه الإشكالية من خلال مراجعة الإطار القانوني الناظم للتعامل مع المحتوى الترويجي الموجه للأطفال، ورصد آلياته، وشهادات أسر وخبراء للكشف عن الفجوة بين النصوص والواقع في البيئة الرقمية.
من تحديات الطعام إلى الألعاب
لم يعد تأثير المؤثرين على الأطفال يقتصر على دفعهم لشراء منتج أو لعبة، بل امتد إلى تشكيل عاداتهم الغذائية وسلوكهم الاستهلاكي، من خلال مقاطع مصورة تبدو في ظاهرها جزءا من الحياة اليومية، أو مغامرات يشاركها المؤثر مع متابعيه، بينما تحمل في مضمونها رسائل ترويجية لا يدرك الأطفال طبيعتها.
ولا يتعامل الأطفال مع هذه المقاطع بوصفها إعلانات مدفوعة أو محتوى ترويجيا يهدف إلى جذبهم والتأثير فيهم، بل يعتقدون أنهم يشاهدون أشخاصا يشاركونهم تجاربهم اليومية أو ينصحونهم بمنتجات يستخدمونها بالفعل، وهو ما يجعل تأثيرها أكثر عمقا مقارنة بالإعلانات التقليدية.
تروي ليلى البيطار لـ"الغد" كيف تحولت إحدى "الترندات" المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي إلى تجربة مريرة في منزلها، بعدما أصر أطفالها وأصدقاء لهم لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما على تجربة خلط المخلل مع رقائق البطاطا الحارة، بعد مشاهدتهم مؤثرين ومشاهير يتناولونها عبر مقاطع فيديو ومحتويات مشابهة تُبث على المنصات.
وتقول البيطار: "إن الأطفال كانوا مقتنعين بأن الأمر مجرد تجربة ممتعة تستحق التقليد، فسارعوا إلى شراء المكونات وتناولها بالطريقة نفسها التي شاهدوها على مواقع التواصل، قبل أن تظهر عليهم أعراض غثيان واستفراغ بصورة متزامنة".
وتضيف أن معاناة الأطفال لم تنتهِ بانتهاء حالة الاستفراغ، بل استمرت لأيام، إذ اشتكوا من آلام حادة في المعدة نتيجة الحموضة والحرارة المرتفعة التي سببتها تلك الأطعمة، في تجربة دفعتها لإعادة النظر في حجم التأثير الذي تمارسه مثل هذه المقاطع على الأطفال.
ولم تقتصر آثار المحتوى الذي يقدمه المؤثرون على العادات الغذائية، بل امتدت إلى قرارات الشراء داخل الأسرة. فأحمد خالد لم يكن ينوي شراء لعبة "لابوبو" لطفله، لكن إصراره المتكرر وبكاءه المستمر بعد مشاهدة مقاطع فيديو ظهر فيها مؤثرون يستعرضون اللعبة، دفعه في النهاية للاستجابة لرغبته، رغم أن سعرها يصل إلى 50 دينارا.
يقول خالد: إن طفله لم يكن يرى ما يشاهده على أنه إعلان، بل كان يعتقد أن المؤثرين يعرضون ألعابهم المفضلة ويتحدثون عن تجاربهم الشخصية، لذلك كان مقتنعا تماما بأن اللعبة التي ستصل إليه ستكون مطابقة لما شاهده في الفيديوهات. وبعد نحو 10 أيام من انتظار وصول الطلب، كانت المفاجأة مختلفة تماما؛ إذ اكتشف الأب أن اللعبة مصنوعة من مواد رديئة، كما تسببت لطفله بحساسية وعطاس أثناء استخدامها.
ويؤكد خالد أن أكثر ما أثار قلقه لم يكن رداءة المنتج فحسب، بل التأثير الكبير الذي تمارسه هذه المقاطع على أطفال ينساقون خلفها بثقة كاملة، معتقدين أنهم يشاهدون تجارب حقيقية، بينما لا يدركون أنهم قد يكونون أمام محتوى ترويجي صُمم للتأثير في قراراتهم الشرائية، ما يضع أولياء الأمور في مواجهة يومية مع ضغوط متكررة لإقناع أبنائهم بأن ما يشاهدونه ليس بالضرورة حقيقة.
ولم يكن أي من الأطفال الذين تحدثت إليهم "الغد" مدركا أن مقاطع البث التي قادتهم لشراء منتج أو تقليد تحدٍّ قد تكون في الأصل جزءا من محتوى ترويجي، بل كانوا يرونها مجرد يوميات أو تجارب يشاركها مؤثرون يتابعونهم باستمرار.
الطفلة هلا محمد، التي لم تتجاوز 12 عاما، شاهدت مؤثرا يستعرض منتجا من مادة "السلايم" داخل مقطع فيديو بدا مليئا بالألوان والمواد اللامعة، ما دفعها لإقناع أسرتها بطلبه عبر متجر إلكتروني.
تقول الطفلة لـ"الغد": إنها كانت تعتقد أن المنتج الذي سيصل إليها سيكون مطابقا تماما لما شاهدته في الفيديو، ولم يخطر ببالها أن المقطع قد يكون جزءا من محتوى ترويجي أو إعلان مدفوع، بل اعتقدت أن المؤثر يعرض لعبة يستخدمها بالفعل ويشارك متابعيه تجربته معها.
وبعد أيام من انتظار وصول الطلب، كانت المفاجأة مختلفة تماما؛ إذ وصل إليها منتج رديء الجودة، لا يحتوي على المواد اللامعة أو الألوان التي ظهرت في الفيديو، كما أن قوامه وجودته كانا مختلفين بصورة واضحة عما شاهدته قبل الشراء. وتقول: "إن خيبة الأمل لم تكن بسبب رداءة المنتج فحسب، بل لأنها كانت واثقة بأن ما شاهدته يعكس حقيقة المنتج، قبل أن تكتشف أن الواقع كان مختلفا تماما".
لا تبدو المشكلة في اختلاف جودة المنتج فقط، وإنما في أن الأطفال يبنون قراراتهم الشرائية على ثقة بشخصية المؤثر، لا على معلومات موضوعية عن المنتج، في ظل اعتقادهم بأن ما يشاهدونه تجربة شخصية وليس إعلانا تجاريا.
فقدان التمييز بين الإعلان والترفيه
أظهرت المقابلات التي أجرتها "الغد" مع أولياء أمور وأطفال أن كثيرا من الأطفال لا يدركون أن المقاطع التي يشاهدونها عبر حسابات المؤثرين قد تكون في الأصل محتوى إعلانيا مدفوعا، بل يتعاملون معها على أنها جزء من الحياة اليومية للمؤثر أو تجربة شخصية يشاركها مع متابعيه.
وقال أولياء أمور: إن رغبة أبنائهم بشراء المنتجات لا تنبع من حاجتهم إليها بقدر ما ترتبط بحبهم للمؤثر، أو برغبتهم في تقليد ما يفعله، أو لأنهم شاهدوا أشخاصا كثيرين يشاركون في التحدي أو يتفاعلون مع الفيديو، ما يمنحهم انطباعا بأن المنتج أو التجربة أصبح "ترند" ينبغي مواكبته.
في المقابل، عبّر أولياء أمور عن قلقهم من حجم التأثير الذي بات يمارسه المؤثرون على أطفالهم، مؤكدين أن أبناءهم أصبحوا يستمدون كثيرا من اهتماماتهم ورغباتهم الشرائية مما يشاهدونه على منصات التواصل، ما يضع الأسر في مواجهة ضغوط يومية لإقناع الأطفال بأن ما يقدمه المؤثرون لا يعكس بالضرورة تجربة حقيقية أو توصية محايدة، بل قد يكون جزءا من محتوى ترويجي مدفوع.
ورصدت "الغد" خلال متابعة حسابات على المنصات مقاطع ترويجية لمنتجات موجهة للأطفال، ظهر فيها مؤثرون يستعرضونها ضمن سياق يومي ذي طابع ترفيهي، دون الإفصاح بوضوح عن طبيعتها الإعلانية أو وجود شراكة تجارية مع المؤثرين العارضين لها.
ويشير هذا الرصد الأولي إلى أن جزءا من المحتوى الذي يصل للأطفال قد يُقدَّم ضمن سياق غير مباشر، ما يجعل التمييز بين الإعلان والمحتوى الترفيهي أكثر صعوبة، بخاصة في ظل اعتماد هذه المنصات على أساليب عرض تدمج المنتج داخل التجربة الشخصية للمؤثر.
التشريعات: هل تحمي الأطفال؟
رغم تعدد التشريعات الناظمة للإعلانات الرقمية وحماية الطفل والمستهلك، فإن تحديد الجهة المسؤولة عن الرقابة على المحتوى الترويجي الذي يقدمه المؤثرون عبر المنصات لا يبدو واضحا بصورة كاملة، وفق ردود جهات رسمية على استفسارات "الغد".
وأكد مدير عام هيئة الإعلام بشير المومني في رده على هذه الاستفسارات أن المحتوى الإعلاني والترويجي المنشور عبر المنصات الرقمية يخضع للأطر التشريعية والتنظيمية النافذة، وفي مقدمتها تعليمات البرامج والإعلانات والدعاية التجارية، إلى جانب التشريعات ذات العلاقة بالإعلام الرقمي وحماية المتلقي والطفل.
وقال المومني: إن الهيئة تولي الإعلانات الموجهة للأطفال اهتماما خاصا، انطلاقا من ضرورة حمايتهم من أي محتوى مضلل أو ضار أو غير ملائم لأعمارهم، مشيرا إلى أنها تتابع ما يُنشر عبر الفضاء الرقمي ضمن اختصاصاتها وبالتنسيق مع جهات ذات علاقة.
وأضاف أن الأنظمة والتعليمات المنظمة للإعلام الرقمي وصناعة المحتوى أوجبت على ممارسي النشاط الإعلامي والإعلاني الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وعدم نشر أو ترويج أي محتوى يتضمن تضليلا أو ادعاءات غير صحيحة، أو مواد قد تؤثر سلبا على الأطفال أو المجتمع.
وأوضح المومني أن أي شخص يمارس نشاطا إعلانيا أو ترويجيا بصورة احترافية عبر المنصات الرقمية ملزم بالحصول على التراخيص اللازمة وفق طبيعة النشاط الذي يزاوله، بما يضمن تنظيم القطاع وحماية المجتمع، لافتا إلى أن التطور المتسارع في البيئة الرقمية يستدعي تطويرا مستمرا للأطر التشريعية والتنظيمية، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وتنظيم المحتوى وحماية المجتمع، ولا سيما الأطفال.
وأكد أن المسؤولية القانونية والأخلاقية عن أي ضرر أو تضليل قد يتعرض له طفل نتيجة الترويج لمنتج أو خدمة لا تقع على جهة واحدة، وإنما على كل من يشارك في إنتاج أو نشر أو الترويج للمحتوى المخالف، وفقا لطبيعة المخالفة والأحكام القانونية الناظمة.
وفي المقابل، أوضحت المؤسسة العامة للغذاء والدواء لـ"الغد" أن دورها يتركز في مراقبة المحتوى الإعلاني الرقمي الخاص بالمنتجات الغذائية والدوائية والمستلزمات الطبية، إلى جانب التعامل مع الشكاوى الواردة عبر قنواتها المخصصة.
وكشفت المؤسسة أنها أحالت 116 موقعا إلكترونيا إلى وحدة الجرائم الإلكترونية العام الماضي بسبب الترويج المخالف لمنتجات غذائية ودوائية، كما أحالت 64 موقعا آخر في النصف الأول من العام الحالي، مؤكدة أن جهودها مستمرة في رصد وتتبع التسويق الإلكتروني للغذاء والدواء والمستلزمات الطبية عبر فريق متخصص يضم كوادر من المؤسسة ومندوبين من مديرية الأمن العام – الإدارة الملكية لحماية البيئة ووحدة الجرائم الإلكترونية.
وبيّنت المؤسسة أن دورها يتمثل في التحقق من الادعاءات المتعلقة بالمنتجات الغذائية والدوائية المعلن عنها إلكترونيا، وفي حال ثبوت مخالفتها تُحال إلى الجهات التحقيقية والقضائية، استنادا إلى أحكام قوانين الغذاء رقم (30) لسنة 2015 وتعديلاته، والدواء والصيدلة رقم (12) لسنة 2013، والجرائم الإلكترونية، والعقوبات.
وأشارت إلى أنها لا تُجيز تسجيل أي منتجات تستخدم رسائل أو أشكالا تسويقية مضللة تستهدف الأطفال، حتى وإن كانت تلك المنتجات آمنة للاستخدام، مستشهدة برفض تسجيل منتجات تحاكي السجائر في شكلها، مثل بعض أنواع الحلوى والسكاكر، كما لا تسمح بتسجيل أي منتج يتضمن ادعاءات مضللة.
تضارب الاختصاصات
وفي وقت أكدت فيه وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أنها ليست الجهة المختصة بتنظيم المحتوى الذي يقدمه المؤثرون عبر المنصات الرقمية، وأحالت هذا الاختصاص إلى هيئة الإعلام، وفيما لم تتلقَّ "الغد" ردا من وزارة الصناعة رغم مرور أكثر من 21 يوما على إرسال استفساراتها، تبرز أهمية دور الوزارة باعتبارها الجهة المعنية بتطبيق أحكام قانون حماية المستهلك، الذي يحظر الإعلانات والبيانات التجارية المضللة، ويلزم المزود بعدم إخفاء المعلومات الجوهرية التي قد تؤثر في قرار المستهلك. ويكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة عندما يكون المستهلك طفلا، إذ قد لا يمتلك القدرة على التمييز بين المحتوى الترفيهي والمحتوى الإعلاني.
وتُظهر المنظومة التشريعية وجود قوانين يمكن الاستناد إليها في تنظيم المحتوى الإعلاني وحماية الأطفال، من أبرزها: قانون حماية الطفل الذي يكفل حماية الطفل من الاستغلال والإيذاء، ويلزم الجهات المختصة باتخاذ تدابير لصون مصالحه الفضلى، وقانون حماية المستهلك الذي يحظر الإعلانات والبيانات التجارية المضللة ويلزم المزود بعدم إخفاء المعلومات الجوهرية التي قد تؤثر في قرار المستهلك، وقانون الجرائم الإلكترونية الذي يوفر إطارا قانونيا للتعامل مع بعض أشكال المحتوى الإلكتروني المخالف، فضلا عن الأحكام الواردة في قانون العقوبات والتشريعات القطاعية ذات الصلة.
الإعلان أداة لتشكيل وعي الطفل
ورغم وجود هذه المنظومة القانونية، يرى التربوي د. عايش النوايسة أن المشكلة لم تعد مرتبطة بغياب النصوص القانونية بقدر ما ترتبط بقدرة هذه التشريعات على مواكبة البيئة الرقمية وآليات التسويق الحديثة عبر المؤثرين.
ويؤكد النوايسة أن خطورة الظاهرة تكمن في استخدام محتوى ترويجي مبطّن يتضمن معلومات مضللة أو غير دقيقة عن منتجات يستهلكها الأطفال، دون الإفصاح عن العلاقة التجارية، وهو ما يُلاحظ بصورة متزايدة عبر منصات التواصل التي يستخدمها من يطلق عليهم "مؤثرون".
ويشير إلى أن الأطفال أصبحوا الفئة الأكثر استهدافا، لأنهم يمتلكون قدرة كبيرة على التأثير في قرارات الشراء داخل الأسرة، بينما ما تزال قدراتهم النقدية والإدراكية في طور النمو، ما يجعلهم أكثر قابلية لتصديق الرسائل التسويقية، خاصة تلك التي تعتمد على التشويق والتحديات والإبهار البصري.
ويضيف أن الطفل لا يمتلك القدرة الكافية على التمييز بين المحتوى الترفيهي والمحتوى التجاري، ولا يستطيع غالبا إدراك أن ما يشاهده قد يكون إعلانا مدفوعا، ما يؤدي إلى تشويه إدراكه للواقع وترسيخ قناعات استهلاكية في مرحلة عمرية مبكرة.
ويحذر النوايسة من أن انعكاسات هذه الممارسات لا تتوقف عند قرار الشراء، وإنما تمتد إلى الجوانب النفسية والسلوكية، إذ قد يصاب الطفل بالإحباط عندما يكتشف أن المنتج لا يحقق النتائج التي شاهدها في المحتوى الترويجي، ما قد يقوده إلى نوبات غضب أو انطواء ويؤثر في نموه النفسي والاجتماعي والعاطفي.
إعلانات تعيد تشكيل سلوك الأطفال
كما تسهم هذه الممارسات، وفق النوايسة، في ترسيخ ثقافة الاستهلاك الأعمى قبل أن يدرك الطفل قيمة المال والعمل، مع احتمال تعرضه لمخاطر صحية نتيجة الترويج لأغذية غير صحية أو منتجات قد تشكل خطرا على سلامته.
ولا يقتصر أثر الظاهرة على الأطفال وحدهم، بل يمتد إلى الأسر أيضا، إذ يوضح النوايسة أنها تفرض أعباء اقتصادية متزايدة نتيجة الضغوط المستمرة التي يمارسها الأطفال على أولياء أمورهم لشراء منتجات مرتفعة الثمن أو غير ضرورية، بما قد ينعكس على ميزانية الأسرة ويزيد من التوتر داخلها.
كما يرى أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى تراجع ثقة المجتمع بالمؤثرين وبالمحتوى الرقمي، بل وحتى بالجهات الرقابية إذا بدت غير قادرة على حماية الأطفال من المحتوى المضلل، ما يسهم في ترسيخ قيم سلبية، أبرزها اعتبار الترويج التجاري، بأي وسيلة، طريقا مشروعا للنجاح والشهرة.
ويؤكد النوايسة أن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة تبدأ بالمؤثرين أنفسهم، من خلال الالتزام بالإفصاح الواضح عن المحتوى الإعلاني، والتحقق من المنتجات قبل الترويج لها، والامتناع عن استخدام أساليب المبالغة أو التضليل أو الخداع.
كما يحمل المنصات مسؤولية تطوير خوارزمياتها للحد من وصول المحتوى الترويجي للأطفال، وتوفير أدوات رقابة أبوية أكثر فاعلية، إلى جانب مسؤولية الجهات الحكومية في تطوير التشريعات وتعزيز الرقابة، ودور الأسرة في متابعة المحتوى الذي يشاهده الأطفال وتعليمهم التمييز بين الإعلان والمحتوى الترفيهي، فضلا عن مسؤولية الشركات في الامتناع عن التعاون مع مؤثرين يعتمدون على التضليل أو استغلال براءة الأطفال لتحقيق مكاسب تجارية.
ويخلص النوايسة إلى أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية تتطلب إطلاق حملات توعية مجتمعية، ووضع ضوابط أكثر صرامة لتنظيم عمل المؤثرين، وتعزيز الرقابة على المحتوى الموجه للأطفال، بما يواكب التطور المتسارع في المنصات ويحمي الأطفال من الاستغلال التجاري.
ولا تكمن خطورة هذه الممارسات في المنتجات التي يروّج لها المؤثرون فحسب، بل في طبيعة الرسائل التي يتلقاها الأطفال. فمعظمهم لا يدركون أنهم يشاهدون محتوى إعلانيا، وإنما يعتقدون أنهم يتابعون تفاصيل الحياة اليومية أو تجارب شخصية لمؤثر يثقون به، ما يمنح الرسائل التسويقية قدرة أكبر على التأثير في سلوكهم وقراراتهم الشرائية، ويجعل تقليدها أمرا طبيعيا بالنسبة إليهم.
المنصات والتشريعات
رغم وجود قوانين وتشريعات تتوزع بين حماية الطفل والمستهلك والجرائم الإلكترونية وتنظيم الإعلام، فإن المشهد الرقمي الذي يعيشه الأطفال اليوم يكشف عن منطقة رمادية واسعة بين النص القانوني وآليات التطبيق الفعلي داخل المنصات.
فبينما تؤكد الجهات الرسمية أنها تتابع المحتوى الترويجي وتخضعه للرقابة ضمن اختصاصاتها، تشير شهادات خبراء وتربويين إلى أن طبيعة المحتوى الذي يقدمه المؤثرون، خاصة حين يندمج مع الحياة اليومية والمحتوى الترفيهي، تجعل الأطفال غير قادرين على التمييز بين الإعلان والتجربة الشخصية، ما يمنح الرسائل التسويقية قدرة مضاعفة على التأثير.
وتكشف الحالات التي وثقها التحقيق أن التأثير لا يقف عند حدود الاستهلاك، بل يمتد إلى تشكيل أنماط سلوك لدى الأطفال، وخلق ضغط متزايد على الأسر، وتكرار تجارب شراء أو تقليد تستند إلى الثقة بالمؤثر أكثر من تقييم المنتج نفسه. ومع ذلك، يبقى الجزء الأكثر حساسية في هذه المعادلة غائبا عن القياس الدقيق: حجم المحتوى الترويجي غير المعلن، ومدى التزام المؤثرين بالإفصاح، وطبيعة المواد التي تصل إلى الأطفال دون وعي واضح بطبيعتها الإعلانية.
وهنا يبرز الرصد الرقمي كخطوة حاسمة لاستكمال الصورة، ليس فقط لفهم حجم هذه الظاهرة، بل لقياس الفجوة بين ما تنص عليه التشريعات وما يحدث فعليا على أرض الواقع داخل المنصات. فبينما تتعدد النصوص القانونية والجهات الرقابية المعنية بحماية الطفل وتنظيم المحتوى الإعلاني، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى انعكاس هذه المنظومة على المحتوى اليومي الذي يصل للأطفال دون وعي بطبيعته الترويجية.
وفي فضاء رقمي متسارع تتداخل فيه الحدود بين الترفيه والإعلان، يصبح الطفل أكثر عرضة لمحتوى يصعب عليه تمييز رسائله أو إدراك ما إذا كان ما يشاهده تجربة شخصية أم مادة تسويقية موجهة، ما يعيد طرح سؤال الحماية من زاوية أكثر تعقيدا تتجاوز النصوص إلى آليات التطبيق.