الغد
أوري بار-يوسف* - (هآرتس بالعربي) 29/4/2026
تواصل الحكومة الإسرائيلية استفزاز الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا عبر سياسات الضم والانتهاكات في الضفة الغربية، ومن غير المرجح أن يمر ذلك طويلًا من دون رد.
الاستعارة التي تصور قطارين يندفعان على السكة نفسها نحو تصادم لا مفر منه معروفة، ولا شيء أدق منها لوصف حال إسرائيل اليوم. في قاطرة أحد القطارين تجلس الحكومة، التي تدير -مع الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام، وبمساندة المستوطنين المتطرفين- سياسة تقوم على نزع الملكية والضم في الضفة الغربية، بشكل أساسي في مناطق "ج"، ولكن أيضًا في مناطق "ب".
ويشمل ذلك السيطرة على مئات آلاف الدونمات، وإقامة مئات البؤر الاستيطانية، وتوسيع المستوطنات عبر الاستيلاء على الأراضي، مع استثمارات ضخمة في بنى تحتية مخصصة لليهود فقط. كل ذلك يترافق مع خنق اقتصادي للفلسطينيين من خلال الحواجز، والجدران، وتجميد أموال السلطة، ومنع العمل داخل إسرائيل. ولا يدرك الركاب في العربات الخلفية -المواطنون الإسرائيليون في الغالب- ما يجري حقًا على الأرض. بعضهم ينفر من ممارسات المستوطنين، وبعضهم يراهم أبطالًا. لكن الشاغل الرئيسي للغالبية منهم هو الصمود بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب.
في القطار الثاني، القوة الدافعة هي الشعور المتزايد بالسأم لدى جمهور واسع في أوروبا والولايات المتحدة، الذي لم يعد مستعدًا لقبول واقع تنتهك فيه إسرائيل المعايير الدولية، وتنفذ عمليات قتل واسعة بحق المدنيين، وتخل بالتزاماتها، وتؤجج حربًا يدفعون هم أيضًا كلفتها الاقتصادية. والسائق الأميركي في القاطرة معروف بقيادته المتقلبة، وقدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية مصيرية بنقرة تغريدة واحدة. والسائقون الأوروبيون أكثر حذرًا ومسؤولية، لكنهم يشعرون بالضغط الشعبي، ويعتقدون بدورهم بأن إسرائيل قد تجاوزت كل الحدود.
تمتعت إسرائيل على مدى سنوات طويلة برصيد دولي لافت. واستند تفوقها العسكري في المنطقة، إلى حد كبير، إلى دعم عسكري أميركي متواصل بلغت قيمته، بعد احتساب التضخم، نحو 300 مليار دولار حتى اليوم -وهو حجم دعم لم تنله أي دولة أخرى منذ العام 1945. وجاء هذا الدعم، في جانب منه، نتيجة التأييد الشعبي الأميركي لإسرائيل عبر الحزبين.
اليوم، يتآكل هذا التأييد. وتُظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تراجعًا مستمرًا في التعاطف مع إسرائيل، حتى بات موقعها اليوم بين مستويات التأييد للصين وتركيا. وقد دعم 40 من أصل 47 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ مؤخرًا اقتراحًا يمنع بيع جرافات لإسرائيل؛ وذلك حتى قبل أن يشاهدوا مشاهد الاحتفاء التي أثارت جدلًا واسعًا. كما صوت عدد غير مسبوق من أعضاء المجلس لصالح مقترحات تحظر بيع أنواع معينة من الأسلحة لإسرائيل.
وما تزال الولايات المتحدة ملتزمة بحل الدولتين. وقد أوضح دونالد ترامب أيضًا معارضته لسياسات الضم. غير أن السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية -من خطوات ضم وممارسات تعد انتهاكات- لن تمر من دون رد لدى الرأي العام الأميركي. وقد يُفضي مثل هذا الرد إلى إضعاف إسرائيل عسكريًا وعزلها سياسيًا.
في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا، ارتبط الدعم لإسرائيل تاريخيًا بإحساس بالمسؤولية الناجم عن الماضي وذاكرة الهولوكوست. وقد نجحت إسرائيل في ترجمة هذا الشعور إلى مكاسب ملموسة عززت أمنها واقتصادها ومكانتها الدولية. لكن هذا الدعم يشهد هو الآخر تراجعًا يتجلى بوضوح في دول مثل إسبانيا وهولندا وإيرلندا وألمانيا. وتزداد خطورة هذا التراجع مع تراجع حضور الجيل الذي نشأ على تأييد إسرائيل؛ إذ يُظهر الشباب الأوروبي نفورًا متزايدًا من سياسات الاحتلال والتمييز ضد العرب.
وعلى الرغم من أن هذا التآكل لم ينعكس بعد بشكل حاسم في السياسات الرسمية، فإن مؤشراته تتكاثر. وقد عبر المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن ذلك بصورة لافتة حين حذر، في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، من أن بلاده قد تنسحب من مسابقة "يوروفيجن" إذا مُنعت إسرائيل من المشاركة. ومن المرجح أن يتسارع هذا التآكل مع تزايد القناعة بأن أعمال العنف في الأراضي المحتلة ليست مجرد أفعال فردية، بل جزء من سياسة منظمة تهدف إلى تقويض فرص قيام دولة فلسطينية. وعندها، قد يتحول هذا السأم الشعبي إلى خطوات عملية، خصوصًا بعد تراجع أحد أبرز العوائق أمام ذلك داخل الاتحاد الأوروبي.
من المرجح أن يبدأ هذا الرد بتوسيع دائرة العقوبات الفردية، على غرار ما فُرض بالفعل على شخصيات مثل باروخ مارزل وبنتسي غوبشتاين وموشيه شربيت، مع تركيز أولي على المستوطنين. غير أن استمرار هذه السياسات من شأنه أن يدفع نحو توسيع العقوبات تدريجيًا، إلى أن تطال في نهاية المطاف عموم المواطنين الإسرائيليين. ولن تقتصر المطالب حينها على وقف فرض الوقائع على الأرض، بل ستشمل أيضًا إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه.
ثمة من يأمل أن يحدث ذلك بينما ما تزال حكومة بنيامين نتنياهو في السلطة، بحيث تُجبَر على مواجهة الضغوط مباشرة. وذلك لأن انتقال هذا الضغط إلى حكومة لاحقة -لا تستند إلى بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير- قد يضع إسرائيل أمام معضلة أعقد: ليس واضحًا كيف سيتعامل قادة ميدانيون مع أوامر بإخلاء بؤر استيطانية في مناطق مسؤوليتهم، ومن بينهم ضباط مثل غيلعاد شريكي، قائد لواء الأغوار، الذي يحمل مركبه العسكري رموزًا ذات دلالات أيديولوجية واضحة.
وفي مثل هذا السيناريو، قد يبدو ما تعيشه إسرائيل اليوم من توترات دستورية هامشيًا مقارنةً بالأزمة الأعمق التي قد تلوح في الأفق.
*أوري بار-يوسف: أستاذ فخري في العلاقات الدولية في جامعة حيفا. كتابه الأخير: "ما وراء الجدار الحديدي: ما الذي ينقص عقيدة الأمن الإسرائيلية".