عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Sep-2026

أميركا في حرب بلا نهاية مع إيران وروسيا

  الغد

 
سام كيلي* - (الإندبندنت) 2026/9/5
 
تدفع المواجهة الأميركية - الإيرانية واشنطن نحو حرب طويلة تستنزف نفوذها في الشرق الأوسط، فيما تستفيد موسكو من التصعيد عبر دعم طهران عسكرياً واستخبارياً وتعميق تعاونها معها. ويفاقم ارتباط ترامب بإسرائيل وموقفه المتساهل تجاه بوتين مأزق الولايات المتحدة، مع اتساع الأخطار على حلفائها في الخليج وتعثر مسار "اتفاقات إبراهيم" وتصاعد الكلفة الإقليمية للحرب.
 
 
في عصر أصبح فيه انعدام القانون والفوضى سمتين مهيمنتين على الشؤون الدولية منذ عودة دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي في واشنطن، ثم تخبطه في أنحاء العالم كطفل صغير يحمل منشاراً كهربائياً، كان من المحتم أن ترى دول أخرى خارجة على القانون، مثل روسيا وإيران، فرصة سانحة وسط هذه الفوضى.
يتصرف الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة بشكل صبياني إلى حد مفرط. وقد ضللته حكومة إسرائيلية ذات نزعة خلاصية، فلم يستوعب أن الإيرانيين لن ينتفضوا على مضطهديهم في طهران تحت العلم الأميركي ذي "النجوم والخطوط"، وأن موسكو لن تكون صديقة لأميركا أبداً.
وفي المقابل، يعمل المرشد الأعلى لإيران، مجتبى خامنئي، ومعه "مجلس صيانة الدستور"، إلى جانب الكرملين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على جر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى بلا نهاية.
يتمثل هدف طهران وموسكو على المدى الطويل في الكشف عن حدود القوة الأميركية الراهنة ومواصلة إضعاف نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث بات التحالف الوثيق بين واشنطن وإسرائيل يمثل عبئاً.
وفي أحدث فصول الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو النظام الثيوقراطي في طهران، الذي يدعم جماعات مناهضة للغرب منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتهيمن عليه نزعة دينية متطرفة ذات تصورات عن نهاية الزمان، ويقتل المناوئين من أبناء شعبه على نطاق واسع، أكثر نضجاً ببعض الطرق من القيادة الأميركية.
بدأت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) من هذا العام، واستفزت إيران ودفعتها إلى إغلاق مضيق هرمز. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط وتقلبها بشدة. كما تسبب نقص الإمدادات عالمياً في شح سلع أساسية تعتمد على النفط، مثل الأسمدة.
ثم، في نهاية آب (أغسطس)، وبعد شهر من الهدوء النسبي، أمطرت الصواريخ الأميركية جزيرة لارك الإيرانية. واستهدفت، بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الأميركية، سفناً كانت إيران تستخدمها لزرع الألغام وخنق حركة الملاحة في المضيق.
وجاء الرد الإيراني بضربات صاروخية استهدفت قواعد أميركية في دول مجاورة. ثم اتهمت طهران الولايات المتحدة بقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة 68 آخرين خلال حفلة زفاف في مدينة كوهستاك، بالإضافة إلى قصف ناقلتي نفط إيرانيتين. 
المفارقة أن ترامب كان محقاً في التعهد بإنهاء "الحروب الأبدية" الأخرى التي خاضتها بلاده في العراق وأفغانستان. فقد أسفر فشل الولايات المتحدة وحلفائها في فرض الديمقراطية بالقوة هناك -وفي الوقت نفسه تنصلهم من القيود القانونية والأخلاقية التي كانت تلتزم بها في الداخل بذريعة ملاحقة "الإرهاب الإسلاموي"- عن سقوط أعداد هائلة من المدنيين.
لكن خطوته التالية جاءت على النقيض من ذلك تماماً. خلافاً لنصائح مسؤولي الاستخبارات والجيش الأكثر اتزاناً ممن لم يكن "وزير حربه" قد أقالهم بعد، أقدم ترامب على خوض "حرب قصيرة" صبيانية لا يمكن إلا لطفل أن يعتقد بإمكانية حسمها من الجو.
وزاد ترامب من إظهار عدم نضجه أمام طهران وموسكو عندما نشر -متباهياً- صورة محاكاة مولدة بالذكاء الاصطناعي للهجوم على جزيرة لارك -لكنه أطلق عليها اسم "جزيرة خرج". وفيما يرتعب حلفاؤه عندما يُقدم على أمور من هذا النوع أو عندما يهدد بإبادة إيران ومحو حضارة بأكملها، يضحك أعداؤه بسخرية. ولا أحد يمنعه من فعل ما يفعل.
بذلك ضمنت إيران، التي تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها "الشيطان الأكبر"؛ وروسيا، التي ترى في أميركا تهديداً دائماً لكل شيء -بما في ذلك "الروح الروسية"، أن يجد ترامب نفسه عالقاً في حرب طويلة.
ولم يقتصر أثر ذلك على إطالة أمد الحرب، بل امتد إلى حلفاء واشنطن أيضاً الذين باتوا يرون مدى حماقة التقرب من الولايات المتحدة. وقد أصبحت دول المواجهة الأمامية الآن في الخليج العربي/ الفارسي، حيث يتمركز الأسطول الأميركي الخامس، وتنتشر قدرات جوية أميركية ضخمة في دول تستضيف بعضها أنظمة للدفاع الجوي وقوات خاصة في إطار انتشار طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، تهجير الفلسطينيين من منازلهم في الضفة الغربية المحتلة.
في ظل هذه التطورات، يصبح إحراز أي تقدم في "اتفاقات إبراهيم"، التي تدفع بها الولايات المتحدة وإسرائيل لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول ذات الغالبية المسلمة في الشرق الأوسط وخارجه، أمراً مستحيلاً.
ولإبقاء هذه الحرب دائرة، تزود روسيا إيران بمعلومات استخبارية تستخدم لاستهداف القوات الأميركية في الخليج. كما شاركت روسيا في تطوير مسيرات "شاهد" بالتعاون مع إيران، وهي المسيرات التي تستخدمها في أوكرانيا. ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة "فايننشال تايمز"، تساعد موسكو طهران أيضاً في تطوير تكنولوجيا محركات "رامجيت" لتركيبها على صواريخ كروز سريعة ومنخفضة التحليق، بما يمكّنها من اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأميركية. وفوق ذلك، تعد روسيا الشريك الرئيس لإيران في برنامجها "المدني" للطاقة النووية.
ومع كل ذلك، ما يزال دونالد ترامب مأخوذاً بقوة فلاديمير بوتين وبخُيلاء رجل يفرض حضوره على العالم على الرغم من أن اقتصاد بلاده أصغر من اقتصاد إيطاليا. ولم يمارس سيد البيت الأبيض أي ضغط على روسيا للانسحاب من أوكرانيا، أو وقف مساعدتها في قتل أميركيين في شبه الجزيرة العربية. وبدلاً من ذلك، منح أعداء الولايات المتحدة الوسائل الكفيلة باستنزافها حتى آخر قطرة.
 
*سام كيلي Sam Kelly: كاتب وصحفي بريطاني ومحرر للشؤون الدولية في صحيفة "الإندبندنت". يتمتع بخبرة واسعة في تغطية الصراعات السياسية والقضايا الجيوسياسية حول العالم. اشتهر بتحقيقاته وتحليلاته العميقة التي تتناول العلاقات الدولية، خاصة في مناطق النزاع مثل الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. يعرف بأسلوبه الصحفي الدقيق والموضوعي. تنشر مقالاته أيضاً في "الغارديان" ووسائل إعلامية دولية مرموقة.