د. أحمد عويدي العبادي يكتب: الحضارة الأردنية منذ مليون ونصف المليون عام .. هل تصدق
عمون-
الجغرافيا الأردنية التي استقر بها الإنسان وصنع الحضارة منذ ما يزيد على مليونٍ ونصف المليون سنة
نحن، (د. أحمد عويدي العبادي)، نرى في مشروعنا الفكري أن الأردن لم يكن هامشًا في التاريخ الإنساني، بل كان جغرافيا مركزية استقر بها الإنسان، وتحرك فوق أرضها، وصنع عبرها بدايات الحضارة منذ ما يزيد على مليونٍ ونصف المليون سنة. وهذه ليست عبارة خطابية او تخرصا خيالية، بل قراءة تستند إلى شواهد أثرية وجيولوجية وبيئية متراكمة.
أول البرهان نجده في تل العبيدية في وادي الأردن (مملكة بيريا الارنية)، الذي يؤرخ لوجود بشري يعود إلى نحو 1.9 مليون سنة. هذا الموقع لا يمثل حادثة معزولة، بل يؤكد أن وادي الصدع الأردني-الإفريقي / غور الأردن - كان ممراً ومستقرا حيويًا ومجالاً صالحًا للاستقرار المبكر. إن وجود أدوات حجرية متطورة نسبيًا، وبقايا حيوانية متنوعة، يدل على بيئة خصبة جذبت الإنسان الأول، وليس مرورا عابرا في أرض قاحلة.
ثم ننتقل جنوبًا وشرقًا إلى بادية الشراة ومنطقة (باير) شرقي معان، حيث تكشف المسوحات الأثرية عن استيطان بشري عميق في عصور ما قبل التاريخ التي زيد على مليون وصف المليون سنة. هذه الشواهد البيئية والمناخية تؤكد أن الأردن مرّ بفترات مطيرة، وأن الهضبة لم تكن صحراء دائمة، بل أرضًا يغشاها الغطاء العشبي، وتجري فيها الأودية الموسمية، بما يسمح بالاستقرار البشري طويل الأمد.
وفي قلب الغور، في مملكة بيريا الأردنية، فإن تليلات الغسول تمثل مرحلة نضج حضاري في العصر الحجري النحاسي. صحيح أن الحفريات اقتصرت على كشف الطبقة النحاسية أساسًا، لكننا نرى أن ما كُشف ليس كل تاريخ المكان وليس كل طبقاته. فالأرض التي أنجبت مجتمعًا منظمًا يمتلك عمارة مخططة، وفنًا جداريًا رمزيًا، وشبكات تبادل واسعة، هي أرض سبقتها مراحل أعمق لم يُكشف عنها كلها بعد.
ونحن في مشروعنا نقرأ حضارة تليلات الغسول ضمن سياق أوسع، فنعتبرها أحد مراكز الاستقرار المرتبطة بالمجال الحضاري الذي تشكّلت فيه القبائل الخمس التي شكلت لاحقا ممالك قوم لوط في قراءتنا التاريخية. ونرى أن الحراك القبلي العربي في شمال جزيرة العرب، الذي ننسبه إلى امة ثمود الأردنية، لم يكن انتقالًا مفاجئًا بين أقاليم متباعدة، بل حركة داخل مجال جغرافي واحد متصل هو المجال الاردني
كما نولي أهمية خاصة للرمزية، وعلى رأسها النجمة الثمانية التي ظهرت في الفن الغسولي، والتي نراها في مشروعنا علامة دلالية انتشرت في سائر بلدان المشرق العربي، ثم عبرت إلى غرب البحر المتوسط، بما يعكس شبكة تواصل ثقافي مبكر تتجاوز حدود الموقع المحلي الاردني.
وانطلاقًا من ذلك، نعتبر أن الشواهد الأثرية في الأردن — من العبيدية إلى الغسول، ومن باير إلى وادي الصدع — تمثل قرائن مادية تدعم ما ذهبنا إليه في كتابنا «علم النبوة القرآني»، من أن المجال الأردني كان بيئة نشأة مبكرة لرسالات وأنبياء عظام، مثل شيث وإدريس ونوح عليهم السلام، قبل أن يُرصد ذكرهم في أقاليم أخرى لاحقًا. فنحن نميز بين موضع النشأة وموضع التدوين، وبين أصل الحدث ومكان تسجيله.
إن الأردن، في قراءتنا، ليس مجرد محطة في طريق الهجرات، بل هو جغرافيا مؤسسة؛ أرض استقر بها الإنسان مبكرًا، وتفاعل مع بيئتها، وطوّر أدواته، وبنى رموزه، وراكم خبرته عبر مئات الآلاف من السنين. وما نطرحه ليس قفزًا فوق المعطيات، بل قراءة تراكميّة تربط الشواهد ببعضها، وتعيد ترتيب الجغرافيا في موقعها الصحيح داخل التاريخ الإنساني.
وهذا هو البرهان الذي نقدمه للعالم: أن الأردن كان — وما يزال — إحدى أقدم الجغرافيات التي احتضنت الإنسان، وأسهمت في صناعة الحضارة البشرية منذ أزمنة سحيقة.
* السردية الأردنية في أفق العالمية: السيادة التاريخية باعتبارها جزءًا من الكرامة الإنسانية
إنَّ بحثي في جغرافيا «الديسة» وتاريخ مملكة «بيريا» الأردنية لا يمكن قراءته بوصفه عملاً توثيقيًا محضًا، أو محاولةً لاستعادة وقائع أثرية غابرة فحسب؛ بل هو، في جوهره العميق، دفاعٌ مؤسِّس عن «حق الشعوب في امتلاك سرديتها التاريخية»، وعن قدرتها على إعادة تعريف ذاتها بعيدًا عن الهيمنة المعرفية التي سادت قرونًا طويلة. إنني لا أتعامل مع المكان الأردني بوصفه تضاريس صامتة، بل بوصفه كائنًا حضاريًا ناطقًا، يحمل في طبقاته ذاكرة الإنسان، وحضارته وهويته وشرعيته المتعاقبة المستمرة عبر الاف السنين، وفي صخوره شواهد السيادة، وفي أسمائه جذور الهوية. الوطنية والسردية الأردنية
إنَّ «السيادة التاريخية» ليست ترفًا فكريًا، ولا مجرد اشتغالٍ أكاديمي على الماضي، بل هي الوجه الآخر للسيادة الوطنية، وشرطٌ من شروط الكرامة الإنسانية. فالأمة التي تُجرَّد من حقها في كتابة تاريخها، أو تُفرض عليها قراءاتٌ مستوردة تُقصي صوتها المحلي، إنما تُدفع دفعًا نحو التبعية الفكرية، مهما امتلكت من مقومات القوة المادية.
ومن هنا وفقنا الله وتوصلنا الى تأسيس «السردية الأردنية»، باعتبارها مشروعًا لإعادة الاعتبار للإنسان في هذه الأرض عبر حقب التاريخ الممتد لاف السنية=ن والى المليون ونصف مليون سنة، وإعادة بناء العلاقة بين الجغرافيا والهوية الأردنية على أساسٍ ميدانيٍّ أصيل، لا على تصورات استعمارية أو قراءات كلاسيكية متحيزة.
فـ «الديسة» ليست مجرد وادٍ صحراوي؛ إنها سجلٌّ مفتوحٌ لطبقات الاستقرار البشري والتحولات الحضارية. و «السلط» ليست مدينةً معلّقة على سفح جبل فحسب، بل شاهدٌ على تواصل العمران وتراكم الذاكرة الاجتماعية عبر 14 الف سنة. و «وادي رم» ليس فضاءً بصريًا أخّاذًا فقط، بل أرشيفٌ طبيعيٌّ لحضور الإنسان الأردني في الصحراء عبر العصور.
وكذلك «إربد/ أرابيلا»، و «عمّون»، و «بيريا والبحر الميت»، و«البترا»، و«أم قيس/ جدارا»؛ كلها ليست إحداثياتٍ على خريطة، بل محطاتٌ في مسار السيادة التاريخية والحضارة الأردنية، وشواهدُ على أن هذه الأرض لم تكن هامشًا في التاريخ، بل فاعلًا فيه وصانعًا لمساراته.
إنَّ معركتي الفكرية في تفكيك المراجع الرومانية، وإعادة قراءة النصوص الكلاسيكية لإثبات وجود «بيريا» ككيانٍ سياسي أردني مستقل، ليست سجالًا مع الماضي بقدر ما هي مواجهةٌ مع أنماط التفكير التي احتكرت تفسير التاريخ.
إنها جزءٌ من قضيةٍ كونيةٍ أوسع تتصل بـ «العدالة المعرفية»؛ تلك العدالة التي تقتضي أن تُسمع الأصوات المحلية، وأن يُعاد الاعتبار للمرويات الوطنية، وأن تُفكك البُنى المعرفية التي همّشت الشعوب وأعادت إنتاج صورتها وفق منظوراتٍ خارجية.
إنني أرى أن الهوية الوطنية الأردنية ليست بناءً طارئًا، ولا صياغةً سياسية عابرة، بل هي ثمرةُ تفاعلٍ طويل بين الإنسان وجغرافيته، بين الذاكرة والميدان، بين الاسم والمسمّى. لذلك فإن الدفاع عن «السردية الأردنية» هو دفاعٌ عن حق الإنسان الأردني في أن يرى ذاته في مرآة تاريخه كما هو، لا كما أراده الآخرون أن يكون. وهو دفاعٌ كذلك عن الكرامة الإنسانية بوصفها حقًا في الذاكرة، وحقًا في التأويل، وحقًا في إعادة امتلاك المعنى.
ومن الأردن إلى العالم، فإن رسالتي تتجاوز الإطار المحلي؛ فهي دعوةٌ إلى عالمٍ تُحترم فيه الهويات الأصيلة، وتُسترد فيه الحقائق التاريخية المنهوبة، ويُعاد فيه التوازن بين المركز والهامش. فكما نطالب بحقنا في إعادة قراءة «بيريا»، و«الديسة»، و«السلط»، و«وادي رم»، و«إربد»، و «عمّون»، و «بيريا والبحر الميت»، و«البترا»، و«أم قيس»
فإننا نؤكد مبدأً إنسانيًا عامًا: أن لكل أمةٍ حقًا غير قابلٍ للتصرف في أن تكتب تاريخها بأقلام أبنائها، وأن تبني مستقبلها من خلال الاعتزاز بجذورها الضاربة في عمق الزمان.
هكذا تصبح «السيادة التاريخية» شرطًا للسيادة الوطنية، وتصبح «الكرامة الإنسانية» امتدادًا طبيعيًا للحق في الذاكرة، وتتحول «السردية الأردنية» من مشروعٍ فكري وطني، إلى رسالةٍ عالمية تدعو إلى تحرير التاريخ من احتكاره، وإعادته إلى أصحابه الحقيقيين: الشعوب التي صنعته ودفعت ثمنه وورثته جيلًا بعد جيل.