عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jul-2026

ترامب يعيد رسم خريطة أميركا اللاتينية: مخاطر "مبدأ دونرو"

 الغد

براين وينتر* - (فورين أفيرز) 9/7/2026
 
أعاد دونالد ترامب أميركا اللاتينية إلى قلب الإستراتيجية الأميركية عبر إحياء نهج التدخل والضغط لاستعادة النفوذ، محققاً مكاسب ملموسة في ملفات الهجرة والأمن والحد من التمدد الصيني. لكن هذه النجاحات قد تكون قصيرة الأجل. فقد تؤجج سياسة "العصا الغليظة" المشاعر المعادية لواشنطن، وتدفع دول المنطقة تدريجاً نحو توثيق علاقاتها مع الصين، بما يقوض الأهداف الأميركية على المدى البعيد.
 
 
أولت وسائل الإعلام العالمية اهتماماً بالغاً خلال قمة "مجموعة السبع" الأخيرة في حزيران (يونيو) الماضي للاستماع إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يقدم تفاصيل حول أحدث اتفاق أبرمته إدارته مع إيران. لكنّ ترامب أصر على العودة إلى أحد مواضيعه المفضلة -العملية العسكرية الأميركية التي أسفرت عن القبض على زعيم فنزويلا آنذاك، نيكولاس مادورو، في أوائل كانون الثاني (يناير) الماضي. وقال الرئيس الأميركي بحماسة: "لدينا أقوى جيش في العالم. رأيتم ذلك في عملية فنزويلا التي لم تستغرق سوى 48 دقيقة. والآن علاقتنا مع فنزويلا صارت ممتازة". وأضاف: "لقد استعدنا الكلفة 40 ضعفاً من خلال استخراج ملايين البراميل من النفط. فنزويلا تستفيد ونحن نستفيد".
إن رغبة ترامب في توجيه أنظاره نحو الجنوب بدلاً من الشرق أو الغرب أو الشمال هي أمر مفهوم. ففي وقت تبدو فيه حرب الرئيس الأميركي على إيران وكأنها خطأ تاريخي في التقدير، وبينما أدت خطاباته ورسومه الجمركية وغيرها من الإجراءات إلى نفور حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أنحاء كثيرة من العالم، تبرز أميركا اللاتينية بوصفها ساحة السياسة الخارجية التي حقق فيها ترامب أكبر قدر من النجاح في دفع أجندته إلى الأمام.
في الواقع، أفرد هذا البيت الأبيض قدراً من الاهتمام والموارد لأميركا اللاتينية أكبر مما خصصته لها أي إدارة أميركية أخرى خلال الأعوام الأربعين الماضية على الأقل، بما في ذلك ولاية ترامب الأولى. وقبل تنصيب ترامب بفترة قصيرة، جادلتُ في مجلة "فورين أفيرز" بأن هذا التوجه مرجح -ليس لأن المنطقة تتناسب مع نظرية سياسة خارجية كبرى، بل لأنها تعد مفيدة بالنسبة لبعض من أهم أولويات ترامب الداخلية؛ وقف الهجرة غير الشرعية، والحد من الوفيات التي تسببها جرعات زائدة من المخدرات؛ وضمان أمن الولايات المتحدة على المدى الطويل في مجال الطاقة وإمدادات المعادن الحيوية.
كما سعت الإدارة إلى كبح النفوذ الصيني المتزايد في أميركا اللاتينية، والذي بات قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي ينظرون إليه بصورة متزايدة على أنه تهديد للأمن القومي الأميركي. ولعل العنصر الذي يلفت الانتباه أكثر من غيره في سياسة ترامب حيال أميركا اللاتينية، ليس تركيزها المتجدد على نصف الكرة الأرضية في حد ذاته، وإنما المدى الذي تذهب إليه في تكرار سياسة "العصا الغليظة" التي اتبعها الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت وغيرها من فصول التدخل الأميركي في المنطقة خلال القرنين الماضيين. وقد شملت استراتيجية الأمن القومي للعام 2025، التي وضعتها الإدارة الأميركية، التعهد بأنه "بعد أعوام من الإهمال، ستعيد الولايات المتحدة تأكيد ’مبدأ مونرو‘ وتطبيقه من أجل استعادة هيمنة أميركا في نصف الكرة الغربي"، في إشارة إلى الفكرة التي طرحها الرئيس الأميركي جيمس مونرو قبل 203 أعوام، والتي تنص على أنه لا ينبغي للقوى الخارجية أن تتدخل في شؤون نصف الكرة الغربي. وفي وقت شددت فيه الإدارات الأميركية السابقة، في أعقاب الحرب الباردة، في تعاملاتها مع أميركا اللاتينية على قيم مثل السيادة والاحترام المتبادل، فإن ترامب هدد بـ"استعادة السيطرة" على قناة بنما وتوجيه ضربات أحادية الجانب إلى عصابات المخدرات في المكسيك. كما أعرب علناً عن تأييده للمرشحين الذين يتفقون معه في آرائه المحافظة الصارمة بشأن مكافحة الجريمة. وفي حالة فنزويلا استعمل القوة العسكرية للإطاحة بزعيم لم يكن يعجبه، مثلما فعل كثير من الرؤساء خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
على نحو أثار دهشة بعضهم، فإن هذا النهج القاسي الذي يتسم في كثير من الأحيان بالإكراه، حقق بعض النتائج المرجوة بالنسبة لترامب، على الأقل على المدى القصير. فقد أبدت كثير من الحكومات تعاوناً أكبر، وخصوصاً في ما يتعلق بالهجرة والأمن. وساعد على تحقيق هذا التوافق فوز حلفاء ترامب في الانتخابات الأخيرة في دول منها تشيلي وكولومبيا وبيرو، وذلك كجزء من موجة اليمين التي اجتاحت معظم أنحاء المنطقة خلال العام الماضي. ومع ذلك، فإن بعض صناع السياسات في أميركا اللاتينية يحذرون من رد فعل عكسي على المدى البعيد، حتى مع إقرارهم بانتصارات ترامب. في القرن العشرين، أدى الاستياء المتزايد من الاحتلالات الأميركية، وغيرها من التدخلات إلى ظهور زعماء مناهضين لأميركا، مثل فيدل كاسترو في كوبا وخوان بيرون في الأرجنتين. وفي وقت يُنتظر فيه صدور قرارات كبرى في المستقبل حول السياسة الأميركية حيال كوبا والمكسيك وفنزويلا، قد يكون لعودة التدخل في القرن الحادي والعشرين في نهاية المطاف التأثير المعاكس لما يريده ترامب: دفع المنطقة بعيداً عن الولايات المتحدة لتسقط في أحضان الصين.
التنمر كوسيلة للسلطة
إن تدخل ترامب العسكري في فنزويلا، والجهود الأولية التي ما تزال نتائجها غير مؤكدة إلى حد كبير لتحويل ذلك البلد إلى حليف مستقر وملائم للأعمال التجارية، هو النتيجة الأكثر وضوحاً لتركيز واشنطن على أميركا اللاتينية. غير أن هذا ليس بالضرورة هو الأكثر أهمية. وبصورة خاصة، كانت اتصالات ترامب مع رئيسة المكسيك اليسارية، كلوديا شينباوم، مثمرة على نحو غير متوقع. وقد استفاد من التهديد بفرض رسوم جمركية أعلى، وتوجيه ضربات عسكرية، ومن العلاقة الودية مع شينباوم، من أجل تأمين درجة من التنسيق في مجال الأمن -وهو ما يصفه المسؤولون في كلا البلدين بأنه غير مسبوق.
على امتداد العام الماضي، وسّعت الولايات المتحدة والمكسيك نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية بينهما. وقامت المكسيك بتسليم العشرات من قادة العصابات الذين سعت الإدارات الأميركية السابقة لأعوام عديدة إلى اعتقالهم. ونشرت قوات الأمن المكسيكية أفراداً إضافيين بهدف منع المهاجرين الآتين من دول أخرى من الوصول إلى الحدود الأميركية - المكسيكية التي يبلغ طولها نحو 3.200 كيلومتر. وقد ساعد ذلك ترامب على الوفاء بأحد الوعود الرئيسة لحملته للعام 2024، وهو الحد بصورة كبيرة من عمليات العبور غير المصرح بها هناك.
وفي ما يخص دخول المخدرات والعنف المرتبط بهذا، كان سجل إدارة ترامب حتى الآن خليطاً من النجاحات والانتكاسات، وحملة الضربات التي شنها ترامب ضد قوارب يُزعم أنها كانت تُستخدم لتهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي. وأسفر ذلك عن مقتل أكثر من 200 شخص، في عمليات قد تكون غير قانونية وغير مجدية أيضاً، حيث لم تظهر التحقيقات المستقلة حتى الآن أي انخفاض ملموس في إمدادات الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
بيد أن العدد الإجمالي للوفيات الناجمة عن جرعات زائدة من المخدرات في الولايات المتحدة هبط بنسبة 14 في المائة في العام 2025، وهو العام الثالث على التوالي الذي شهد هبوطاً في هذه النسبة. وعلى الرغم من أن الخبراء يلفتون إلى وجود أسباب عدة لهذا الهبوط، فإن المسؤولين الأميركيين يشيرون إلى انخفاض نسبته 22 في المائة في الوفيات الناجمة عن جرعات زائدة من الـ"فنتانيل"، كدليل على أن التعاون الأكبر من ذي قبل من جانب المكسيك -التي تنطلق منها معظم عمليات تهريب المواد الأفيونية الاصطناعية- قد حقق نتائج.
وأدى انخفاض المعدل الرسمي لجرائم القتل في المكسيك بنسبة 40 في المائة منذ تولي شينباوم منصبها أواخر العام 2024 إلى تعزيز الآمال في توفر ديناميكية أمنية أكثر هدوءاً مما مضى، والتي ستعود بالنفع على كلا البلدين في نهاية المطاف. وكذلك كثفت كثير من دول أميركا الوسطى، بما فيها كوستاريكا وغواتيمالا وهندوراس، بصورة ملحوظة، جهودها في مجالي الأمن ومكافحة المخدرات منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
بعد عقدين من الزمن لم يخضع خلالهما توسع الصين في أميركا اللاتينية فعلياً إلى أي نوع من الردع، دفعت الضغوط الأميركية أخيراً بعض الدول هناك إلى الحد من شراكاتها مع بكين، ففي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، فرضت المكسيك رسوماً جمركية على الواردات من دول عدة، وهو ما أثر في المقام الأول في السلع الصينية. وكان يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها محاولة لمعالجة مخاوف واشنطن من أن بكين تستخدم المكسيك كباب خلفي للدخول إلى السوق الأميركية. وفي كانون الثاني (يناير) الماضي، جردت بنما شركة تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها من السيطرة على ميناءي قناة بنما بعدما أثار المسؤولون الأميركيون مرة إثر أخرى المخاوف بشأن الوجود الصيني هناك. وفي الشهر نفسه، أوقفت تشيلي خطط مد كابل إنترنت صيني تحت البحر، يربط بين مدينة فالبارايسو وهونغ كونغ، بعد وقت قصير من استدعاء السفارة الأميركية في سانتياغو مسؤولين من وزارة الاتصالات التشيلية. (ألغت وزارة الخارجية الأميركية في وقت لاحق تأشيرات الدخول الدبلوماسية لثلاثة مسؤولين كانوا قد درسوا الاقتراح).
ومنذ العام 2017، تحولت خمس دول في أميركا اللاتينية، كانت قد اعترفت رسمياً بتايوان، إلى الاعتراف بالصين -ما عدا هندوراس في عهد رئيسها الجديد نصري عصفورة، التي تفكر الآن في العودة إلى الخيار السابق والاعتراف بتايوان. وتشكل هذه الإجراءات انتكاسات خطيرة بالنسبة لبكين، حتى لو كان وجودها في المنطقة قوياً ومتنامياً في مناطق أخرى.
في هذه الأثناء، أغرق ترامب حلفاءه الأيديولوجيين في أميركا اللاتينية بالدعم العسكري والمالي والسياسي. وكان يُنظر على نطاق واسع إلى موافقة ترامب، في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، على حزمة إغاثية بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين، باعتبارها تلعب دوراً حاسماً في تحقيق استقرار اقتصاد البلاد، مما سمح لحزب الرئيس خافيير ميلي بالفوز في انتخابات التجديد النصفي التشريعية الحاسمة في ذلك الشهر، وساعد في إبقاء أجندة الإصلاحات المؤيدة للأعمال التي يتبناها الزعيم الليبرتاري على مسارها.
كما أرسل ترامب قوات أميركية إلى الإكوادور لمساندة الرئيس دانيال نوبوا، الذي زار منتجع "مارالاغو" والتقط صورة مع ترامب قبل أسبوعين من فوزه بإعادة الانتخاب في نيسان (أبريل) 2025، في مواجهة موجة العنف المرتبطة بعصابات المخدرات، والتي جعلت الإكوادور الدولة الأعلى من حيث معدلات جرائم القتل في أميركا الجنوبية.
لم يكن تأييد ترامب للمرشحين اليمينيين في انتخابات أميركا اللاتينية سوى تأثير هامشي في بعض البلدان. لكنه لعب دوراً حاسماً على ما يبدو في دولة واحدة في الأقل، هي هندوراس، حيث بقي عصفورة في المركز الثالث في استطلاعات الرأي إلى أن حظي بتأييد ترامب. وعلى الرغم من أن معظم الانتخابات في أميركا اللاتينية جرى حسم نتائجها في المقام الأول من خلال عوامل محلية، فقد فاز المرشحون اليمينيون أو من يمين الوسط الآن في 12 من آخر 15 انتخابات رئاسية في المنطقة، مما أدى إلى إنتاج جيل جديد من القادة المتعاطفين على نطاق واسع مع ترامب، والمستعدين للعمل مع البيت الأبيض بشأن حظر المخدرات والهجرة والصين، وغير ذلك من الأولويات المشتركة.
ما خفي أعظم!
تلقى ترامب المساعدة في جهوده الإقليمية من قبل كثير من مساعديه الذين يركزون اهتمامهم على أميركا اللاتينية، وأبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو ابن مهاجرين كوبيين. وينظر بعض هؤلاء المستشارين إلى أميركا اللاتينية -ليس فقط من خلال عدسة الأمن القومي، بل كجزء من صراع أوسع نطاقاً والذي استمر عقوداً من الزمن ضد الشيوعية. وعلاوة على ذلك، يعتقدون أن واشنطن تقترب بصورة مثيرة من الفوز في تلك المعركة في أعقاب سقوط مادورو، وحصول الأزمة الاقتصادية في كوبا، والخسائر الأخيرة للزعماء من ذوي الميول اليسارية في أماكن أخرى من المنطقة.
كذلك، بدا ترامب في بعض الأحيان وكأنه يشعر بالرضا الشخصي من نشر قوة واشنطن العسكرية والاقتصادية الضاربة في منطقة لا تنطوي على القدر نفسه من التعقيدات التي تبدو واضحة منذ الوهلة الأولى كما هو الحال في مناطق مثل الشرق الأوسط. وخلال مؤتمر صحفي عُقد في الساعات التي تلت القبض على مادورو وزوجته في كانون الثاني (يناير) الماضي، بدا ترامب حريصاً على إعادة عقارب الساعة وراء إلى العصر الذهبي لـ"مبدأ مونرو"، والسلطة المطلقة التي ينطوي عليها. وقال للصحفيين: "إنهم يطلقون عليه الآن (مبدأ دونرو)"، مضيفاً "لن يجري التشكيك في الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى".
لكن ثمة مؤشرات على رد فعل عكسي قد تكون بدأت في الظهور فعلاً. ففي استطلاع "مركز بيو للأبحاث" للعام 2026 حول المواقف العالمية تجاه الولايات المتحدة، تراجعت بصورة حادة نسبة الذين يحملون نظرة إيجابية جداً أو إيجابية إلى حد ما، تجاه الولايات المتحدة في عدد من دول أميركا اللاتينية، في اتجاه عكس توجهاً مماثلاً سُجل في مناطق أخرى من العالم. وكانت أكبر الانتكاسات التي تعرضت لها سياسات ترامب في المنطقة تتمثل في المحاولة المشؤومة لاستخدام الرسوم الجمركية والعقوبات للضغط على الحكومة البرازيلية والمحكمة العليا لإسقاط التهم الجنائية الموجهة لحليفه الرئيس السابق جايير بولسونارو. وقد تلا ذلك رد فعل قومي عنيف، مما عزز شعبية الرئيس اليساري لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، وهو من منتقدي ترامب. وقد زُج ببولسونارو في السجن على أي حال، وتخلى ترامب عن فرض الرسوم الجمركية في نهاية المطاف. وكان الشعور بالإحباط من ترامب هو السبب الرئيس وراء موافقة "كتلة ميركوسور"، التي تضم الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، أخيراً على اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي هذا العام بعد أكثر من ربع قرن من المفاوضات.
أجندة ترامب الإقليمية تواجه اختبارات عديدة
يحذر بعض المراقبين في أميركا اللاتينية من أن نجاحات ترامب ليست سوى نوع من السراب، إذ إن التعاون الرسمي في المجال الأمني، بالإضافة إلى مشاهد التقاط الصور الرسمية المفعمة بالابتسامات، قد حجبا استياءً عميقاً ومتنامياً من الطريقة التي تعاملت بها إدارته بازدراء مع سيادة الدول الأخرى، بما فيها الحليفة لأميركا. وفي اجتماع عُقد أخيراً، قال لي وزير خارجية إحدى حكومات أميركا اللاتينية المتحالفة مع ترامب بغضب واضح: "لن نكون تابعين لأي كان". وكان من نتائج تفضيل الرئيس التعامل مع زعماء يتوافقون معه أيديولوجياً استبعاد البرازيل والمكسيك، وهما أكبر دولتين في المنطقة، من مبادرة "درع الأميركتين" التي أطلقها ترامب -وهي تحالف بين الدول التي تتبنى نهجاً عسكرياً في سياسة مكافحة المخدرات- مما أثار تساؤلات حول ما سيحصل للمبادرة عندما ستبدأ بعض هذه البلدان حتماً بالميل نحو اليسار مرة أخرى.
مع ذلك، يمكن لترامب أن يشير خلال الوقت الحالي، على الأقل، إلى دلائل تفيد بأن أجزاء رئيسة من برنامجه السياسي تتوافق مع كثير من حكومات أميركا اللاتينية وناخبيها، حتى لو لم يكن يتمتع بشعبية شخصية في المنطقة. وتبرز الجريمة باستمرار في استطلاعات الرأي باعتبارها القضية السياسية الأولى في بلدان مثل تشيلي وكولومبيا والمكسيك، مما يعكس الشعور العام بالإحباط إزاء العصابات وكارتيلات الجريمة التي اكتسبت مزيداً من القوة على مدى العقد الماضي بسبب ارتفاع إنتاج الكوكايين، والتعدين غير القانوني، والاتجار بالبشر. وقد عزز هذه الاتجاهات أكثر من أي توجه آخر تحوّل أميركا اللاتينية نحو اليمين الأيديولوجي. وهي تفسر لماذا حظيت رغبة ترامب المعلنة في تدمير جماعات الجريمة المنظمة في المنطقة بدعم كبير. وقد حظي القبض على مادورو، الذي جرى تحميل حكومته على نطاق واسع مسؤولية تصاعد الهجرة والجريمة في أماكن أخرى من أميركا اللاتينية، بالتأييد في المنطقة.
في استطلاع للرأي أجرته "أطلس/ بلومبيرغ" في كانون الثاني (يناير) الماضي، وافق 74 في المائة من البيروفيين، و64 في المائة من الكولومبيين الذين شملهم الاستطلاع على العملية العسكرية الأميركية. وعندما صنفت وزارة الخارجية منظمتين إجراميتين محليتين في البرازيل على أنهما مجموعتان إرهابيتان أجنبيتان في حزيران (يونيو) الماضي، احتجت حكومة لولا. لكن 59 في المائة من المشاركين في استطلاع أجراه معهد الاستطلاع البرازيلي "داتافولها" أيدوا التصنيف.
وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تجنب بعض المرشحين اليمينيين الحصول على دعم أو تأييد صريح من ترامب، بمن في ذلك الفائزان النهائيان، خوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، وكيكو فوجيموري في بيرو. لكن آخرين، مثل أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الذي فاز في الانتخابات الكولومبية بأقل من نقطة مئوية في حزيران (يونيو) الماضي، وفلافيو بولسونارو، الذي يخوض حملته استعداداً للانتخابات المرتقبة في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل بوصفه خليفة والده السجين، ووريث الحركة المحافظة التي أسسها، جعلوا من دعم ترامب محوراً لحملاتهم الانتخابية، مما يشير إلى أن الرئيس الأميركي ما يزال يتمتع بنفوذ كبير، وله بالتالي تأثير لا يستهان به في معظم أنحاء المنطقة.
العودة للمستقبل
أمام أجندة ترامب الإقليمية اختبارات عدة. في فنزويلا ازدادت آفاق الأوضاع السياسية والاقتصادية غموضاً منذ حزيران (يونيو) الماضي حين أودى زلزالان متزامنان بحياة الآلاف، وقوضا ثقة الشعب المتدنية أصلاً في ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس السابق مادورو، التي تدير البلاد تحت وصاية أميركية منذ اعتقاله. وقد واصل ترامب -حتى بعد المأساة- إغداق الثناء على رودريغيز. وهو راض على ما يبدو عن نجاحها في زيادة صادرات فنزويلا من النفط بنحو 46 في المائة، وتلبيتها رغبات واشنطن، وهو ما أثار مخاوف في أوساط المعارضة الفنزويلية ودعاة الديمقراطية في أماكن أخرى، من أن ترامب قد يُفضل إبقاءها في منصبها إلى أجل غير مسمى بدلاً من المجازفة بالتسبب بعدم الاستقرار الذي سينجم عن إجراء انتخابات.
في غضون ذلك، أغرقت وفود من المستثمرين القادمين من الولايات المتحدة وغيرها فنادق كاراكاس، ترقباً لتحسن الأوضاع الاقتصادية في المستقبل. ولكن مع استمرار التضخم السنوي الذي ما تزال نسبته أعلى من 500 في المائة، وبقاء مئات المعتقلين السياسيين في السجون، وقلة المؤشرات حتى الآن على وصول ثمار الطفرة النفطية الناشئة إلى عامة الشعب كلها، تُظهر استطلاعات الرأي أن شعبية رودريغيز بين الفنزويليين متدنية للغاية، وأن الامتنان الذي شعروا به تجاه ترامب في أعقاب إطاحة مادورو قد تلاشى. وإذا لم يضغط ترامب على رودريغيز للموافقة على موعد محدد لإجراء الانتخابات قبل انتهاء ولايته، فقد يخبو بريق ما يعتبره أحد أكبر إنجازاته حتى الآن.
يعتقد كثيرون أن نجاح ترامب النسبي في فنزويلا سيدفعه إلى أن يستهدف كوبا في المرحلة التالية. وفي الواقع، بدأ الجيش الأميركي تعزيز وجوده في منطقة الكاريبي، والذي -على الرغم من كونه أصغر من الأسطول الذي جرى نشره في وقت سابق لإزاحة مادورو- يبقى كافياً لتوفير خيارات عدة لترامب، بما في ذلك اعتقال مسؤولين كوبيين. وقد أدى الحصار الأميركي على واردات النفط التي تعتمد عليها كوبا لتوليد الكهرباء إلى انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، ونقص في الغذاء. ويتوقع كثيرون أن يتفاقم الوضع خلال صيف حوض الكاريبي الحار. وقد عيّن ترامب روبيو، المعروف منذ زمن طويل بتشدده في تأييد تغيير النظام في البلاد، مشرفاً على المفاوضات مع النظام الكوبي.
ويرى البعض أن إدارة ترامب قد تقبل بترتيب مماثل لما حصل في فنزويلا، حيث يبقى جزء من النظام الكوبي قائماً في مقابل فتح اقتصاده والتعهد بإجراء انتخابات في نهاية الأمر. لكن آخرين يتساءلون عما إذا كان ترامب وروبيو سيميلان إلى السعي نحو تحقيق تغيير جذري يتمثل في إسقاط النظام القائم منذ العام 1959، والذي تحدى 13 رئيساً أميركياً مختلفاً. وقد يكون هذا السيناريو الأخير مغرياً، لأنه في حال نجاحه قد يُسهم هذا الانتقال في طمس ذكريات حرب ترامب على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ومن المرجح أيضاً أن يُعزز فرص روبيو المتزايدة على ما يبدو لخلافة ترامب كمرشح الحزب الجمهوري للرئاسة للعام 2028.
ستكون قرارات ترامب المقبلة بشأن المكسيك حاسمة كذلك لناحية تحديد معالم الإرث الذي سيخلفه وراءه. وعلى الرغم من التعاون الوثيق من جانب حكومة شينباوم في المجال الأمني، فإن كثيرين في واشنطن ومكسيكو سيتي يتكهنون بوقوع بعض المتاعب خلال المرحلة المقبلة. في تموز (يوليو) الحالي، أعلنت إدارة ترامب أنها "لم توافق على تجديد (اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا) بصيغته الحالية" -وهو الصفقة التجارية التي تفاوض عليها ترامب خلال ولايته الأولى. وعلى الرغم من أن هذا القرار لن يؤدي إلى إنهاء صلاحية الاتفاق على الفور، فإنه يفتح الباب أمام عملية تفاوض مطولة. وسيؤدي ذلك إلى مزيد من عدم اليقين في الاقتصاد المكسيكي الذي تشكل الولايات المتحدة أكثر من 80 في المائة من صادراته. كما سيسبب اضطرابات محتملة للشركات الأميركية ولسلاسل التوريد.
في هذه الأثناء، استمر ترامب في تكثيف الضغط على شينباوم من خلال مطالبة إدارتها بتسليم حاكم ولاية من حزبها بتهمة تهريب المخدرات. ويخشى مسؤولون مكسيكيون من أن يؤدي إذعان شينباوم لهذا الطلب إلى حصول انقسام في حزبها اليساري الذي يضم عناصر قوية معادية للولايات المتحدة. أما إذا رفضت ذلك، فقد يقرر ترامب شن ضربات أحادية الجانب بالمسيّرات، أو القيام بأعمال عسكرية أخرى ضد أهداف تابعة لعصابات المخدرات داخل الأراضي المكسيكية. ويُنظر إلى مثل هذا السيناريو في المكسيك على أنه خط أحمر من شأنه أن يغير بصورة جذرية علاقة البلاد بالولايات المتحدة، ويعيد للأذهان ذكريات قومية تعود إلى القرن التاسع عشر، ويجبر شينباوم على تقليص التعاون الذي مكّن واشنطن من الحد من الهجرة غير النظامية على الحدود تقليصاً كبيراً.
ربما لا يوجد ملف أكثر أهمية على المدى الطويل من كيفية إدارة ترامب للتنافس الأميركي - الصيني في أميركا اللاتينية. ففي أميركا الجنوبية خصوصاً، حيث أصبحت الصين الشريك التجاري الأول بفارق كبير، أبدى حتى بعض أقوى حلفاء ترامب تردداً شديداً في استعداء بكين، وهكذا وصف ميلي الشركاء الصينيين بأنهم رائعون، ويخطط رئيس الإكوادور، نوبوا، لزيارة بكين للمرة الثانية في آب (أغسطس) المقبل.
في غضون ذلك، وجهت واشنطن رسائل متضاربة حول ما تريده بالضبط من حلفائها أن يفعلوه بخصوص سياستها تجاه الصين. في أيار (مايو) الماضي، وبعد أيام فقط من تصريح السيناتور الجمهوري بيرني مورينو، المولود في كولومبيا، خلال مؤتمر أمني في "جامعة فلوريدا الدولية"، بأن على دول أميركا اللاتينية أن تسعى إلى إقامة علاقة حصرية مع واشنطن، حطّ ترامب في بكين على رأس وفد كبير من الرؤساء التنفيذيين للشركات الأميركية، ضم إيلون ماسك من "سبيس إكس" وتيم كوك من "أبل"، سعياً إلى إبرام مجموعة واسعة من الصفقات التجارية. ويتوقع كثيرون أن يختار ترامب في نهاية المطاف نهجاً يوازن بين المصالح المختلفة، يتمثل في الضغط على حلفاء أميركا اللاتينية من أجل منع الاستثمارات الصينية في القطاعات الحساسة، بما في ذلك الاتصالات والموانئ وصناعة الفضاء، في وقت يعترف فيه بأن التبادل التجاري سيستمر على الرغم من ذلك، مثلما حدث في حال الولايات المتحدة. ومع ذلك، ستجد كثير من حكومات المنطقة نفسها ميّالة إلى الحفاظ على توازن بين القوتين العظميين.
قد يبدو مناقضاً للمنطق أن يتمتع سياسي أطلق حملته الرئاسية في العام 2015 باتهام المكسيك بإرسال المخدرات والجريمة والمغتصبين إلى الولايات المتحدة، ولو بقدر محدود من النجاح في أميركا اللاتينية. ولكن، حتى بعض المسؤولين السابقين في إدارة الرئيس جو بايدن أقروا في أحاديث خاصة بأن مقاربة ترامب حققت نتائج فاعلة بطرق غير متوقعة، وتساءل بعضهم عما إذا كانت حكومة المكسيك آنذاك ستبذل جهداً أكبر لضبط الهجرة لو أن بايدن لوّح بفرض رسوم جمركية، أو اتخذ إجراءات ضغط أخرى، وهو ما كان ليجنب الولايات المتحدة أزمة الحدود مع المكسيك التي يحمّلها كثير من الديمقراطيين جانباً مهماً من مسؤولية هزيمتهم خلال انتخابات العام 2024.
في النهاية، سواء تمكن ترامب من الحفاظ على ما حققه من نجاحات أو انتهى الأمر بسياساته لتُسجل بوصفها فصلاً جديداً، منذ أكثر من قرنين، من التمدد الأميركي المفرط، وما ترتب عليه من تداعيات غير مقصودة، فإن ثمة مؤشرات إلى أن سياسة "العصا الغليظة" التي تنتهجها واشنطن في أميركا اللاتينية قد تكون باقية لفترة طويلة.
 
*براين وينتر: رئيس تحرير مجلة "أميريكاز كوارترلي". الترجمة العربية لصحيفة "الإندبندنت" حيث نشرت في 2026/7/14.