عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Jul-2026

ثمة زخم يتجمع، أخيراً، لتعديل ميثاق الأمم المتحدة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جاستن هانر* – (فورين بوليسي إن فوكَس) 10/7/2026
تجيز "المادة 109" من "ميثاق الأمم المتحدة" الدعوة إلى عقد مؤتمر لمراجعة الميثاق بقرار يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء "الجمعية العامة" للأمم المتحدة، وبموافقة أي تسعة أعضاء في "مجلس الأمن". 
 
 
في 26 حزيران (يونيو) 1945، ترددت أصداء التصفيق المدوي في أرجاء قاعة "دار أوبرا سان فرانسيسكو" بينما كان الدبلوماسيون يوقعون "ميثاق الأمم المتحدة". وقد حظي الميثاق بالترحيب باعتباره انتصاراً على الحرب نفسها. والآن، بعد واحد وثمانين عاماً لاحقاً، حققت الأمم المتحدة الكثير من الإنجازات التي تستحق الاحتفال. لكنّ التعهد الوارد في افتتاحية الميثاق بإنقاذ "الأجيال المقبلة من ويلات الحرب" ما يزال، للأسف، بعيداً عن التحقق بطريقة مؤلمة.
في العام 2025، شهد العالم أكبر عدد من النزاعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية. وفي وقت يشهد كفاح الكثيرين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، أنفقت الحكومات مجتمعة رقماً قياسياً بلغ 2.9 تريليون دولار على جيوشها. ومع أنه أُنيط بـ"مجلس الأمن" التابع للأمم المتحدة، قبل ثمانية عقود، حفظ السلم والأمن الدوليين، فإنه لا يمتلك سوى القليل مما يمكن أن يعرضه في هذا الشأن بسبب وعد قُطع ولم يتم الوفاء به قط.
كان "وعد سان فرانسيسكو" هو التسوية التي أبقت مفاوضات صياغة "الميثاق" متماسكة. ومن بين الدول الخمسين التي حضرت المؤتمر، نجحت خمس دول -هي الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا والمملكة المتحدة- في ضمان مقاعد دائمة، وحقوق تصويت، وحق نقض (فيتو) خاص بها داخل "مجلس الأمن" -أعلى هيئة في منظومة الأمم المتحدة. وقد اعترضت الدول الصغيرة والمتوسطة بشدة على هذا المقترح الذي تقدمت به "الدول الخمس الدائمة العضوية"، لأنه كان يتناقض مباشرة مع مبدأ المساواة في السيادة الذي ينص عليه الميثاق، ويُنزِل هذه الدول إلى مرتبة مهينة من الدرجة الثانية، والتي ما تزال تعاني من المكوث فيها حتى اليوم.
بل إن الولايات المتحدة نفسها عارضت في البداية منح "حق النقض" بصورة مطلقة، ولم تقبل به إلا باعتباره ثمن انضمام الاتحاد السوفييتي إلى الأمم المتحدة. وكان كثير من المندوبين يخشون، مُحقّين، أن يؤدي تمكين دولة واحدة من تعطيل إرادة العالم إلى شل عمل المنظمة. وما نزال ندفع ثمن ذلك حتى اليوم، حيث يواصل عضوان من الدول الخمس الدائمة العضوية في "مجلس الأمن" شن حروب غير قانونية، واستخدام "حق النقض" باعتباره "بطاقة مجانية للخروج من السجن"، والتي تحميهما وتحمي حلفاءهما من العواقب التي كانت لتطال الآخرين.
وهكذا تم إبرام صفقة. وسوف يوافق المندوبون على توقيع الميثاق، ويقبلون بعيوبه –وإنما بصورة مؤقتة فقط، وعلى أساس شرط بأن يتم خلال عشر سنوات عقد مؤتمر لمراجعته وإعادة فتح النقاش بشأنه. وكما اعترف المندوب الأميركي جون فوستر دالاس، فإنه "لم يكن من الممكن الحصول على الموافقة على الميثاق في سان فرانسيسكو إلا بعد تضمين مادة في نصه تضمن إتاحة فرصة لمراجعته في ضوء التجربة".
بينما لم تكن الدول الصغيرة قانعة بأخذ كلام الدول الكبرى على محمل الثقة، أدرجت هذا التوافق صراحة في الميثاق من خلال المادة 109. وتجيز هذه المادة الدعوة إلى عقد مؤتمر مراجعة بقرار يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء "الجمعية العامة"، وبموافقة أي تسعة أعضاء في "مجلس الأمن". وبشكل حاسم، لا تستطيع الدول الخمس الدائمة العضوية استخدام "حق النقض" لمنع عقد مؤتمر المراجعة، ولا يمكنها استخدامه أثناء أعمال المؤتمر. وسوف تشارك جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة على قدم المساواة تماماً، بحيث يكون لكل دولة "صوت واحد في المؤتمر"، بصرف النظر عن حجمها أو ثروتها أو قوتها العسكرية.
مع ذلك، بدلاً من عشر سنوات، مضى واحد وثمانون عاماً على إقرار الميثاق. وخلال كل هذه العقود لم تتوافر الإرادة السياسية اللازمة لعقد مؤتمر المراجعة الموعود على الإطلاق. وما كان يُفترض أن يكون تسوية مؤقتة، ترسخ مع الزمن ليصبح نظاماً هرمياً دائماً. وتحولت الوعود التي قُطعت إلى وعود منكوث بها –حتى الآن.
متشجعة بالتزامات الإصلاح التي تم إقرارها خلال "قمة المستقبل" التي عُقدت في العام 2024، وبإطلاق "ائتلاف المادة 109"، بدأ عدد متزايد من الدول يستعيد روح سان فرانسيسكو. وفي الأسابيع الستة التي سبقت كتابة هذه السطور وحدها، دعت رومانيا إلى تفعيل المادة 109 في "الجمعية العامة"؛ وناقشت الهند في "مجلس الأمن "التفويض الخاص بمراجعة الميثاق، في حين سألت أندورا المرشحين لعضوية "مجلس الأمن" عما إذا كان الوقت قد حان لـ"مراجعة الميثاق ومحاولة معرفة ما الذي يمكننا القيام به بصورة مختلفة". ولم يستبعد أي من هؤلاء المرشحين الفكرة، بل إن ألمانيا علّقت بالقول: "هناك مبادرة بشأنها [المادة 109] وهي مبادرة مثيرة للاهتمام، وينبغي أن نفكر فيها". كما وجّه رئيس قيرغيزستان، صدر جباروف، دبلوماسيي بلاده إلى "البدء من الآن في دراسة التعديلات والمقترحات الممكنة"، متعهداً بطرحها في أيلول (سبتمبر) القادم.
ثمة زخم يشرع الآن في التراكم. في أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلن رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، أن الوقت قد حان لإجراء "نقاش جاد حول مراجعة ميثاق الأمم المتحدة". وقد أيدت كل من كازاخستان وغامبيا رسمياً تفعيل المادة 109 خلال ذلك الاجتماع، الذي طالبت فيه 148 دولة، تمثل 78 في المئة من عضوية الأمم المتحدة، بإصلاح المنظمة. كما دعت البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، بصورة مشتركة، إلى "عقد مؤتمر مراجعة، وفقاً للمادة 109 من الميثاق".
في المقابل، يصر المعارضون على أن مؤتمر المراجعة لن يُعقد أبداً لأنه لا يصب في مصلحة الدول الخمس دائمة العضوية. لكن هذا الرأي يسيء فهم كل من الميثاق والمزاج السائد في العالم. وكما أشار سفير الكاميرون، إيوومبوي-مونونو، العام الماضي، فإن "المادة 109 توفر مساراً حيوياً... وهو مسار لا يخضع لحق النقض". وبينما سيظل مطلوباً أن تصادق الدول الخمس دائمة العضوية على أي ميثاق معدل، فإن العالم ــ كما يردد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستمرارــ "أكبر من خمسة"، كما أن أغلبية دول العالم سئمت من انتظار الإذن لتعيش في سلام وتُعامل كأنداد على قدم المساواة.
إن فترة واحد وثمانين عاماً من عمر الميثاق هي أكثر من كافية. ويجب أن يكون جيلنا هو الجيل الذي يتوحد من أجل تفعيل آلية "المادة 109"، وأن يعمل على تحديث الأمم المتحدة بما يتناسب مع القرن الحادي والعشرين، ويعيد إحياء روح سان فرانسيسكو من خلال الوفاء بوعدها.
 
*جاستن ك. هانر Justin K. Haner: عالم سياسة وزميل باحث في كلية واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون. تتركز أبحاثه في تقاطع القانون الدولي، والمنظمات الدولية، والأمن العالمي، والتقنيات الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. خدم سابقاً ضابطاً برتبة نقيب في سلاح المشاة بالجيش الأميركي، ثم اتجه إلى العمل الأكاديمي، حيث نال درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة نورث إيسترن. حازت أطروحته حول أثر القانون الدولي في الحد من الحروب على جائزة كينيث والتز لأفضل أطروحة لعام 2024، كما يُعرف بدعوته إلى إصلاح الأمم المتحدة ومشاركته في عدد من المبادرات الدولية المعنية بتطوير نظام الحوكمة العالمية. 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Momentum, Finally, To Change The Un Charter