الغد-نادية سعد الدين
بعد موجة الانتقادات العارمة التي وجهتها كثير من دول العالم من المنبر الأممّي تجاه السياسة الصهيونية الاستيطانية العدوانية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن الضغوط تتزايد على الاحتلال.
فقد دخلت إجراءات هولندا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى ضد المستوطنات وتصدير الأسلحة حيز التنفيذ الفعلي، مسببة موجة من التوترات الدبلوماسية المتصاعدة مع حكومة "بنيامين نتنياهو" اليمينة المتطرفة.
وتُمثل تلك الإجراءات المضادّة تحولاً لافتاً في مواقف تقليدية لدول أوروبية وغربية داعمة تاريخياً للكيان المُحتل، والتي تتزامن مع الخطابات المُنتقدة والمنددة لسياسة الاحتلال خلال الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام.
فقد اتخذت بريطانيا المزيد من الإجراءات لتشديد القيود على صادرات الأسلحة إلى الكيان المحتل، مع تجميد أكثر من 80 ترخيصاً لتصدير معدات عسكرية قد تُستخدم من قبل جيش الاحتلال، في إطار تصاعد الانتقادات داخل الحكومة وحزب العمال البريطاني لسياسة الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية.
أما هولندا فقد اتخذت قراراً بالحظر التجاري الشامل، الذي دخل حيز التنفيذ في 22 أيلول الشهر الحالي، ويحظر استيراد وشراء وبيع والتسويق لجميع السلع القادمة من مستوطنات الضفة الغربية، والقدس المحتلة، وهضبة الجولان السوري المحتل.
كما فرضت هولندا عقوبات جنائية صارمة تصل إلى السجن لمدة 6 سنوات على الشركات أو الأفراد الذين يثبت تعمدهم تزوير منشأ البضائع أو إدخالها، فيما بدأت الجمارك الهولندية فعلياً بإخضاع أمتعة المسافرين القادمين من الكيان المحتل لتفتيش دقيق في مطار أمستردام لمصادرة أي منتجات مستوطنات، حتى وإن كانت هدايا شخصية.
وكانت الحكومة الهولندية قد منعت وزيرين بارزين في حكومة الاحتلال من دخول أراضيها بسبب سياساتهما الاستيطانية.
في حين دخلت دول أوروبية وعالمية على الخط، ففي 8 الشهر الحالي أعلنت 12 دولة غربية، من بينها 11 دولة أوروبية إلى جانب كندا، في بيان مشترك التزامها بفرض قيود تجارية وطنية على سلع المستوطنات.
وقادت بريطانيا هذا التحرك حينما أعلنت حظراً كاملاً على استيراد بضائع المستوطنات، بالإضافة إلى فرض عقوبات على الكيانات والأفراد الذين يمولون أو يبنون المستوطنات.
بينما أعلنت كل من فرنسا وإسبانيا وإيرلندا بدء الإجراءات القانونية لمنع وقطع العلاقات التجارية مع بؤر الاستيطان، فيما اتفقت كل من النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وبولندا والبرتغال وآيسلندا رسمياً على تطبيق قيود وطنية تجارية تدعم التوجه الأوروبي لعزل اقتصاد المستوطنات.
ومن جانبه، قام الاتحاد الأوروبي بإدراج حركات استيطانية متطرفة، مثل حركة "نحالا" ومنظمة "ريغافيم" وجمعية "أمانة"، ضمن قائمة العقوبات التي تشمل تجميد الأصول وحظر السفر.
ورداً على هذه العقوبات، اتخذ وزير خارجية الكيان المحتل، "جدعون ساعر"، إجراءات دبلوماسية انتقامية تمثلت في إلغاء الاعتماد الدبلوماسي للدبلوماسيين الهولنديين العاملين في رام الله وإمهالهم 7 أيام لتسليم وثائقهم الرسمية، كما قام الاحتلال مسبقاً بإغلاق القنصلية البريطانية في شرقي القدس المحتلة عقب الحظر البريطاني.
وفي تصريح أمس، قال وزير شؤون الشرق الأوسط في الحكومة البريطانية، "ستيفن دوتي"، إن السلطات جمّدت التراخيص على خلفية احتمال استخدام المعدات في العمليات العسكرية بقطاع غزة، مشيراً إلى أن الإجراءات الجديدة تتضمن ما وصفه بـ"آلية قفل مزدوجة" تحول دون الموافقة على تراخيص لا تستوفي المعايير المطلوبة.
وبحسب تصريحات "دوتي"، التي نقلتها صحيفة "جويش كرونيكل" البريطانية، فإن عدد التراخيص المجمدة بات يقارب ثلاثة أضعاف العدد الذي جرى تعليقه عند بدء القيود في أيلول (سبتمبر) 2024، عندما تم تجميد نحو 30 ترخيصاً في عهد وزير الخارجية البريطاني السابق "ديفيد لامي".
وأوضح دوتي أنه راجع شخصياً التراخيص المعنية، مشيراً إلى أن السياسة الجديدة تتضمن شروطاً أكثر صرامة، من بينها التحقق من قانونية الوجود في المناطق التي قد تُستخدم فيها المعدات، ومدى الالتزام بأحكام القانون الدولي الإنساني.
في المقابل، استُبعدت إلى حد كبير شحنات مرتبطة ببرنامج مقاتلات "إف-35"، بداعي اعتبارات تتعلق بالأمن القومي والتزامات بريطانيا تجاه حلفائها، وقد دافع "دوتي" عن استمرار توريد قطع الغيار الخاصة بالطائرات، محذراً من أن وقفها قد "يلحق ضرراً بالغاً" بالأمن الأوروبي الأوسع.
وقد أضيفت نحو 50 رخصة تصدير جديدة إلى قائمة التراخيص المجمدة، في تصعيد للإجراءات البريطانية المتعلقة بصادرات الأسلحة إلى الكيان المحتل.
وكانت الحكومة البريطانية قد جمّدت في أيلول (سبتمبر) 2024 نحو 30 ترخيصاً من أصل قرابة 350 ترخيصاً لتصدير الأسلحة إلى الكيان المحتل، حيث قال "لامي" حينها إن القرار "ليس حظراً على الأسلحة"، موضحاً أن القيود استهدفت بشكل أساسي معدات عسكرية يُحتمل استخدامها في عمليات هجومية.
وكان وزير الخارجية البريطاني "إد ميليباند" قد تلقى، أمس، تصفيقاً حاراً خلال مؤتمر حزب العمال في ليفربول، بعد خطاب تحدث فيه عن ما وصفه بـ"جرائم حرب" في غزة، وانتقد بشدة سياسة الكيان المحتل، كما دافع عن قرار الحكومة البريطانية حظر التجارة مع مستوطنات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.