عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Jul-2026

هل تقر إسرائيل أخيرا بالفظائع التي ارتكبتها؟

  الغد

دونالد ماكنتاير* - (الإندبندنت) 2026/6/27
يقدم تقرير الأمم المتحدة الجديد أدلة دامغة يصعب دحضها على تعمد القوات الإسرائيلية استهداف الأطفال الفلسطينيين في غزة، بما يجرّد رواية النفي والتشكيك الإسرائيلية من كثير من مصداقيتها. وتفقد ذرائع "الضرورة العسكرية" أي سند أخلاقي أو قانوني في ظل العدد الهائل من الضحايا المدنيين واستمرار العجز الدولي عن المساءلة، الأمر الذي يجعل من الصعب على تل أبيب التنصل من مسؤوليتها عن هذه الهجمات.
 
 
ما إن أصدرت الأمم المتحدة تقريرها الذي خلص إلى أن إسرائيل تتعمد استهداف الأطفال في قطاع غزة، مما أدى إلى إبادة جماعية وتسبب في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، حتى سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى نفي نتائجه، في رد بات مألوفاً بطريقة تبعث على السأم.
غير أن المشكلة التي تواجه السلطات الإسرائيلية تكمن في أن سيل الأوصاف المعتادة -من قبيل "الخداع التشهيري" و"مادة دعائية"، وحتى الحجة الممجوجة القائلة بأن حركة "حماس" تدير عملياتها من داخل المناطق المدنية (وهو أمر صحيح بالفعل)- تبدو أقل إقناعاً من أي وقت مضى في مواجهة الأدلة الدامغة التي وردت في التقرير المفصل المؤلف من 86 صفحة، الذي أعده وراجعه خبراء قانونيون.
ولا يقتصر الأمر على أن التقرير -الذي يعزز شهادات وأدلة قدمها أطباء أجانب، بمن فيهم بريطانيون، خدموا في مستشفيات غزة- يوثق بدقة وقوع ضحايا بين الأطفال الذين أصيبوا بأعيرة نارية في أعضائهم الحيوية برصاص قناصة ونيران طائرات مسيرة، بل يوثق أيضاً غارات جوية فتاكة وواسعة النطاق استهدفت مباني سكنية ومدارس ومخيمات نازحين مكتظة بالأطفال، وهجمات على مستشفيات الولادة وطب الأطفال، وسوء المعاملة -لا بل وحتى التعذيب في بعض الأحيان الذي يتعرض له المراهقون، ولا سيما الفتيان منهم، في مراكز الاحتجاز العسكرية، إضافة إلى آلاف الأطفال الذين يعتقد أنهم فقدوا أهلهم وأصبحوا أيتاماً بسبب الحرب.
وحتى لو تم استبعاد الحقيقة الصارخة المتمثلة في أن وقوع هذه الإصابات بين الأطفال يشكل انتهاكاً للقوانين الدولية للحروب التي تحمي الأطفال، فإن من المستحيل تقريباً فهم أو تفسير كيف يمكن لهذه الأفعال أن تصب في تعزيز الأمن الإسرائيلي، ناهيك عن تبريره ولو من بعيد. إن الذريعة الوحيدة المفترضة -في غياب أي مبرر مشروع- تستند إلى فرضية مفادها أن هؤلاء الأطفال قد يصبحون "إرهابيين" عندما يكبرون، بالتالي فإن من الأفضل القضاء عليهم استباقياً أو التسبب بإعاقتهم.
هذا ما يشير إليه التقرير باعتباره الدلالة المباشرة لبعض التصريحات الأكثر ترويعاً وصدمة التي صدرت على لسان سياسيين إسرائيليين بعد الهجوم الذي شنته "حماس" في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2023.
ومن الأمثلة على ذلك، ما صرح به نيسيم فاتوري نائب رئيس الكنيست، الذي كان قد حث الجيش الإسرائيلي بالفعل على "عدم ترك أي طفل هناك على قيد الحياة". ونُقل عنه قوله في كانون الثاني (يناير) من العام 2025 إن "غزة مليئة بالإرهابيين، وكل طفل يولد هناك هو إرهابي منذ لحظة ولادته".
بطبيعة الحال، لا يمثل هذا الخطاب الذي يحمل دلالات صريحة على الإبادة الجماعية الموقف الرسمي أو المعلن للحكومة. ولا شك في أن وزراء إسرائيليين سيسارعون إلى القول بأن تعريف الأمم المتحدة للطفل يشمل كل من هم دون سن الثامنة عشرة، وأن بعض المراهقين ربما جندتهم بالفعل الفصائل المسلحة.
ولكن حتى لو سلمنا جدلاً بأن ذلك يبرر قتل الأطفال –وهو لا يبرره– فإنه لا يمكن أن يفسر مقتل 21.180 طفلاً في حرب الانتقام هذه، وهو عدد مهول يحظى بقبول واسع، في قطاع يشكل الأطفال دون الأربعة عشر عاماً نحو 40 في المائة من إجمالي صغار السن.
كما لن يجدي نفعاً التذرع بحجة "الضرورة العسكرية" أو "الأضرار الجانبية" في ملاحقة المسلحين، ولن تكون هذه الحجة مقنعة بأي حال من الأحوال. أين كانت الضرورة العسكرية في قتل الطفلة هند رجب ابنة السنوات الخمسة، التي حوصرت مرعوبة داخل سيارة بعد مقتل عمها وعمتها وأبناء عمومتها الأربعة -وجميعهم من المدنيين- في هجوم تعرضوا فيه لإطلاق النار أثناء محاولتهم الفرار من منطقة تل الهوى في مدينة غزة، مع العلم بأنه لم يُعثر في تلك المنطقة على أي دليل يشير إلى وجود نشاط للمسلحين؟ ولماذا تم أيضاً قتل طاقم الإسعاف بقذائف الدبابات أو بالنيران المباشرة أثناء محاولتهم اليائسة الوصول إلى الطفلة؟
وماذا عن إرسال جنود إسرائيليين طائرة مسيرة، بعد شهر من إعلان ما سمي وقف إطلاق النار في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، لقتل شقيقين يبلغان من العمر تسع  وعشر سنوات بينما كانا يجمعان الحطب لوالدهما المقعد على كرسي متحرك شرق خان يونس؟ وقد وصفت قوات الأمن الطفلين بأنهما "مشتبه فيهما"، لكنهما كانا على بعد نحو 270 متراً من الجنود، ولم يكن من المتصور أن يشكلا أي تهديد لهم، وفق ما يؤكد التقرير.
هذان بطبيعة الحال مجرد مثالين عشوائيين -أحدهما حظي بزخم إعلامي واسع، والآخر كان أقل شهرة- من سجل مروع لحالات وفيات الأطفال التي ما تزال مستمرة بعد مرور عامين وتسعة أشهر على أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر). ومع ذلك، فإن هاتين الحالتين لا تعكسان حتى شذرة من الحجم الهائل للدمار الناجم عن القصف واسع النطاق للمباني السكنية، الذي أباد عائلات بأكملها، بمن فيها الرضع والأطفال.
طالما ظلت وسائل الإعلام الدولية ممنوعة من دخول قطاع غزة، فإن من السهل للغاية بالنسبة للسلطات الإسرائيلية التشكيك في مثل هذه التقارير واعتبارها من قبيل الدعاية. ومن يذكر أن القاضيين ومحام دولي الذين كلفهم "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" إعداد هذا التقرير -أو ما وصفه متحدث إسرائيلي بأنه "دعاية تشهيرية"- أشاروا إلى تقديمهم 13 طلباً منفصلاً لدولة إسرائيل للسماح لهم بـ"الوصول أو الحصول على معلومات" خلال فترة عملهم على التقرير، من دون أن يتلقوا أي رد.
 
*دونالد ماكنتاير Donald Macintyre: صحفي وكاتب بريطاني مخضرم، يُعد من أبرز المتخصصين في شؤون إسرائيل وفلسطين والشرق الأوسط. عمل لسنوات طويلة مراسلاً لصحيفة "الإندبندنت" في القدس، حيث غطّى الانتفاضتين الفلسطينيتين، وعملية السلام، والحروب الإسرائيلية على غزة ولبنان، والتطورات السياسية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. يتميز أسلوبه بالدقة الصحفية والاعتماد على المصادر الميدانية، مع اهتمام خاص بتأثير الصراع على المدنيين وبقضايا القانون الدولي وحقوق الإنسان.