خطة "ترامب" تتعثر و"لجنة إدارة القطاع" تتحوّل لكيان مُعطل
الغد-نادية سعد الدين
تؤدي انتهاكات الاحتلال المستمرة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة إلى إعاقة أي جهد لإعادة الإعمار، حيث لم تستطع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حتى الآن إيجاد طريقها في غزة لبدء الإعمار، عقب مرور أكثر من سبعة أشهر على الاتفاق الذي تم برعاية أميركية في أكتوبر 2025، نتيجة اصطدامها بعراقيل الاحتلال وقيوده التي تُعطل خطوات التقدم في تنفيذها.
وتُواجّه خطة ترامب مأزقا حقيقيا مُزدوجا، حيث تكشف التقارير الفلسطينية والدولية عن حالة من الشلل التام في العمليات الإنشائية، فيما لا يزال أعضاء اللجنة الوطنية الفلسطينية المكلفون بإدارة القطاع عالقين في الأراضي المصرية، بسبب منع سلطات الاحتلال هؤلاء المسؤولين من الدخول إلى القطاع لمباشرة مهامهم، مما أدى إلى تهميش دورهم وتحويل اللجنة الإدارية إلى كيان معطل.
وتعطل حكومة بنيامين نتنياهو عمل الآليات، حيث لم تبدأ أي خطوة عملية لتمهيد الأرض لبدء عمليات البناء، بما يعكس حجم التعقيد السياسي الذي يحيط بملف إعادة الإعمار، وتداخل الأجندات الدولية التي تعطل الإغاثة.
وعلى صعيد الدعم المالي، أظهرت الأرقام فجوة هائلة بين الوعود والواقع؛ نتيجة ضعف استجابة المانحين لتعهدات تصل لنحو 7 مليارات دولار تم إعلانها خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام، فضلا عن تردد الدول المانحة في تقديم الدعم المالي المطلوب نتيجة الجمود الدبلوماسي المستمر وغياب أي تقدم ملموس على الأرض، وخروقات الاحتلال المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
ولا شك أن التصعيد الإقليمي قد يتذرع به بعض المانحين كغطاء لتأخير دفع التزاماتهم المالية تجاه القطاع.
وفي المحصلة، فإن ضعف الدعم المالي يتناقض مع التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تؤكد أن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة تتجاوز 70 مليار دولار وقد تستغرق عقودا طويلة.
في حين يغرق الواقع الميداني في مأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث يسيطر الاحتلال على أكثر من نصف مساحة القطاع، ويفرض قيودا مشددة تمنع وصول المساعدات الأساسية للفلسطينيين.
ويعيش معظم الفلسطينيين في خيام مؤقتة وعشوائية وسط تفشي الجوع وانهيار كامل للمنظومة الصحية والتعليمية، بينما الوعود الأميركية بإنشاء مخيمات "مُسيجة" كبديل مؤقت لم تتحقق على أرض الواقع، مما يترك السكان في مواجهة مباشرة مع ظروف معيشية قاسية بلا أفق للحل، وفق الأنباء الفلسطينية.
وبينما تتحدث خطة ترامب عن وعود برّاقة لمستقبل غزة، يُصارع النازحون من أجل البقاء في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة، بانتظار إرادة دولية حقيقية لإنهاء معاناتهم المستمرة والضغط على الاحتلال لوقف عدوانه المتواصل ضد القطاع.
جاء ذلك بينما وصفت منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، الدمار الذي يطال الصحة والأرواح البشرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بـ "المأساة الشديدة".
وقالت مديرة المنظمة حنان بلخي في بيان صادر عن المكتب الإقليمي للمنظمة أمس، إنه منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، استشهد أكثر من 72 ألف فلسطيني، وأصيب 182 ألفا آخرون، مبينة أنه في 2025 وحده، تم الإبلاغ عن استشهاد نحو 26 ألف فلسطيني.
وأوضحت أنه حتى بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، استمر قتل المدنيين، وظلت الخدمات الصحية معطلة، وظل وصول المساعدات الإنسانية مقيدا.
وأشارت إلى أنه لا يوجد اليوم في غزة أي مستشفى يعمل بكامل طاقته، مؤكدة أنه لا يعمل في شمال غزة أي مستشفى على الإطلاق، كما أن أكثر من نصف الأدوية الأساسية نفد مخزونها، في وقت ما يزال فيه آلاف المرضى بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل.
وبينت أن الأمراض المعدية لا تزال تنتشر في ظل الاكتظاظ والأوضاع الصحية المتردية، كما أن احتياجات الصحة النفسية هائلة، بينما تشهد المخاطر التي تهدد الأمهات والمواليد ارتفاعا حادا.
وفيما يتعلق بالضفة الغربية، أكدت أن الأوضاع ما تزال تزداد سوءا بسبب تصاعد العنف والقيود المفروضة على التنقل، لافتة إلى أن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية أدت إلى الحد بشدة من الرعاية الصحية، حيث لا تقدم المستشفيات العامة سوى خدمات الطوارئ.
وأوضحت أن المنظمة والشركاء يواصلون العمل في ظل ظروف بالغة القسوة، مشيرة إلى أن المنظمة قد دعت إلى توفير 648 مليون دولار لتمويل الاستجابة الصحية في عام 2025، ولكن لم يمول حتى الآن أكثر من 75 في المائة من المبلغ.
وأضافت إنه على الرغم من هذه القيود، قدمت المنظمة الدعم اللازم لإيصال أكثر من 4 آلاف طن متري من الإمدادات الطبية الطارئة إلى غزة، وسهلت إيصال الوقود الذي حافظ على صمود المنظومة الصحية، في حين واصلت في الضفة الغربية توسيع نطاق الرعاية الطارئة ورعاية المصابين.
وشددت مديرة الإقليم على أن التصريحات السياسية وحدها لا تكفي لاستمرار العمليات الإنسانية، داعية إلى حماية الرعاية الصحية، واستمرار وصول المساعدات الإنسانية، ورفع القيود التي تعوق وصول الإمدادات الطبية الأساسية وفرق الطوارئ الطبية.
كما طالبت بمواصلة الدعم الدولي لاستعادة الخدمات الصحية وتوسيعها والحد من الاعتماد على الإجلاء الطبي، وإعادة فتح مسارات الإحالة من الضفة الغربية.