الغد
ألون عيدان* - (هآرتس بالعربي) 2026/5/17
عندما تقرأ ردود الفعل في إسرائيل على رفع لامين يامال علم فلسطين، تغمرك مشاعر العار. وليس سيلُ الاحتقار والكراهية الموجّه إليه في إسرائيل سوى انعكاس للخزي والحرج اللذين نحاول إبعادهما عن أنفسنا.
رفع لامين يامال علم فلسطين خلال موكب احتفال برشلونة بالفوز بالبطولة. وعلم فلسطين هو رمز الفلسطينيين الذين يطالبون بدولة فلسطينية. وهناك الملايين من الفلسطينيين الذين يرفعون هذا المطلب. والكثير منهم يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ ما يقرب من 60 عامًا. في الضفة الغربية، يتم طردهم أكثر فأكثر من مناطقهم على يد أصدقاء وزير الاستيطان بتسلئيل سموترتش. ويمكن كل أسبوع قراءة أخبار عن الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون الذين يُطلق عليهم اسم "شباب التلال" لتجميل صورتهم، ضد الفلسطينيين. وتقوم إسرائيل، من خلال قواتها الرسمية (الجيش، شرطة منطقة يهودا والسامرة) أو غير الرسمية (المستوطنون)، بارتكاب جرائم ضد الناس الذين يئنون تحت وطأة هذه الجرائم. وعندما يرفع لامين يامال علم فلسطين، فإنه يرفعه من أجل هؤلاء الناس -ونعم، ضد المجرمين الذين يدمرون حياتهم.
عندما تقرأ ردود الفعل في إسرائيل على رفع هذا اللاعب العظيم العلم، تغمرك مشاعر الخجل والحرج. إنك تشعر حقًا بكيف أن الوعي الجماعي قد ذاب وتحول إلى حساء دافئ من الحماقة والسطحية، ليتم إلقاؤه بدوره في وجه يامال نفسه. في أخبار الرياضة، أبلغ آسيف أكيرمان عن الحدث ولخصه هكذا: "لاعب عظيم، لكن العقل بقي على مقاعد البدلاء". ثم نشر منشوراً كتب فيه: "لامين يامال مع علم فلسطين في احتفالات برشلونة بالفوز بالبطولة. ماذا نتمنى له؟".
أما موشيه بريمو، محلل كرة القدم، فتوقف لحظة عن انشغاله في كرسي أستاذية علوم الدماغ وكتب: "لامين يامال لاعب لاعب، وأيضًا غبي غبي. لكم هذا محرج محرج!". وفي صحيفة "يديعوت أحرونوت" سارعوا على الفور إلى إعداد تقرير كبير مع مشجعي برشلونة في إسرائيل الذين صُدموا من تصرف يامال. وتراوحت التعليقات بين تعالي الأغبياء "إنه لا يعرف ما هي فلسطين وهو غبي"، والمطالبة المبتذلة بـ"الرسمية": "عندما تكون نجمًا عالميًا، عليك أن تتصرف برقي ورسمية تلائم نجماً عالميًا".
وفوق الجميع -أو بالأحرى في القاع- يقف ذلك الكاريكاتور المعروف باسم "وزير الأمن"، هيرودس نفسه، يسرائيل كاتس، الذي أعلن أن لامين يامال "اختار التحريض ضد إسرائيل وتشجيع الكراهية، بينما يقاتل جنودنا منظمة ’حماس‘ الإرهابية". ولم يكتفِ بذلك، بل توجّه رسميًا إلى إدارة برشلونة مطالبًا إياها بالتبرؤ من الأمر "بشكل واضح وصريح"، لأنه -على حد قوله- "لن يحترم ولن يصمت أمام التحريض ضد إسرائيل وضد اليهود".
إنها دولة في حالة إنكار. دولة في حالة كبت. دولة تغرق في الشفقة على الذات. دولة تنظر إلى العلم الفلسطيني وتعتقد أن هناك من يريد تدميرها. دولة غير قادرة على النظر إلى نفسها، إلى داخلها، وفهم أن العالم يحاول أن يقول لها شيئًا: نعم، كان 7 تشرين الأول (أكتوبر) مذبحة وحشية ارتكبها أشخاص بربريون؛ ونعم، قُتل وأُحرق واختُطف إسرائيليون على يد إرهابيي "حماس" بطريقة لا تغتفر. لكنّ علم فلسطين ليس رمزاً لدعم المذبحة؛ وعلم فلسطين لا يبرر أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر)؛ وعلم فلسطين ليس علم "حماس". إن علم فلسطين يرمز إلى توق ملايين الناس الذين يُسحقون تحت وطأة قمع إسرائيل إلى دولة خاصة بهم. إلى الاستقلال. إلى الحرية. إلى السيادة. إلى ما نملكه نحن، الإسرائيليين.
بالأمس، في القدس، في ما تُسمى "مسيرة الأعلام" ولكنها ليست سوى مسيرة سنوية للوحشية الإسرائيلية، كان بالإمكان مشاهدة التحول الإسرائيلي: ما كان يُحتفل به في الماضي بـ"يوم القدس" أصبح الآن يومًا من أعمال الشغب ضد الفلسطينيين، في شوارعهم وفي محلاتهم التجارية، مصحوبًا بمجموعة متنوعة من الأغاني مثل "لتحترق قريتكم" و"الموت للعرب". وهو كذلك يوم للعنف الموجه أيضاً ضد اليهود الإسرائيليين الذين جاؤوا للدفاع عن الفلسطينيين والصحفيين الذين جاؤوا لتغطية الحدث. هذا هو الوجه الحالي لإسرائيل. وعندما يرفع لامين يامال علم فلسطين، فإنه يرفع أيضاً علم المقاومة لهذا الوجه القبيح الذي يتحول إلى وجهنا.
أما بالنسبة للمطالبة المستهلكة والمكررة بفصل الرياضة عن السياسة، فمِن المثير للاهتمام أنها تُستدعى دائمًا حين لا يخدم تداخل الاثنتين الطرف المنزعج منه. فلو أن لامين يامال رفع علم إسرائيل -كما في ذلك "الفوتومونتاج" الوطني الساذج الذي نشره اللاعب مائور ليفي- لكان الإسرائيليون جميعًا قد احتفلوا بهذا "الدمج" بين الرياضة والسياسة، وعلى رأسهم وزير "انعدام الأمن" يسرائيل كاتس. ولكن حين تصبح المرآة مزعجة، فإنهم يطالبون بإخراجها من الغرفة.
نعم، إن يامال شاب صغير -وربما ساذج. ولهذا بالضبط قام بفعل لا يجرؤ عليه أولئك الذين يسعون إلى الثراء والعيش داخل دفء الإجماع المريح. لكن شبابه وبراءته يصبّان هنا في صالحه، لأنه تصرّف بعفوية وصدق، من دون أن يحسب حسابًا لصورته أو لحسابه البنكي. أما كل هذا القدر من الاحتقار والكراهية الموجّهين إليه، فليس سوى الوجه الآخر للخزي والحرج اللذين نحاول إبعادهما عن أنفسنا.
*ألون عيدان Alon Edan: كاتب وصحفي إسرائيلي يكتب في صحيفة "هآرتس"، ويُعد من المساهمين في تغطية الشؤون السياسية والاستراتيجية المرتبطة بالشرق الأوسط، مع تركيز خاص على السياسات الإسرائيلية والعلاقات مع الولايات المتحدة والتطورات الإقليمية. تنتمي كتاباته في الغالب إلى الخط التحليلي النقدي الذي يناقش التحولات في ميزان القوى الإقليمي وانعكاساتها على النظام الدولي، ويشارك في مقالات رأي وتحليلات تتناول قضايا الحرب والدبلوماسية والسياسة الخارجية الإسرائيلية من منظور استراتيجي واسع.