الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 15/5/2026
كريس هيدجز: دعنا نتحدث عن كتابك. أعتقد أنك تفعل في الكتاب أمرين في غاية الأهمية -وهو، بالمناسبة، مكتوب بشكل جميل أيضًا.
الأول هو أن الكثير منا خارج غزة لا يسمعون سوى قصص النخب -أولئك الذين تلقوا تعليمهم في الغرب. إننا لا نسمع قصص غالبية الفلسطينيين الذين ينتمون إلى القرى التي تنحدر منها عائلتك. هذه هي النقطة الأولى.
والثانية -وأعتقد أنك تنجح فيها بشكل كبير في الكتاب- هي أنك تتحدث عن استمرارية المقاومة، بدءًا من زمن الميليشيات الصهيونية بطبيعة الحال، والبريطانيين الذين هاجموا البلدة التي تنحدر منها في فلسطين، وصولًا إلى الحاضر، بما في ذلك المقاومة التي تضطلع بها حركة "حماس".
رمزي بارود: هذا صحيح. أنا أكتب تاريخ الناس -ما يُسمّى بالتاريخ من الأسفل أو التاريخ الميكروي. وهو طريقة لا تُقتصر على تحدي السردية الصهيونية وحدها، بل تتجاوز ذلك أيضًا إلى تحدي السردية السائدة عمومًا؛ السردية الأكاديمية التقليدية التي تقترب في كثير من الأحيان من السردية الصهيونية أكثر مما تقترب من السردية الفلسطينية.
لكنني أجرؤ على قول إنني أتحدى أيضًا جزءًا من السردية الفلسطينية نفسها؛ تلك السردية الشائعة التي نعرفها. وأنا لا أتحدى ذلك لأنني أعتقد أن هناك خطأ في طريقة سردهم لتاريخ فلسطين، بل لأننا دُفعنا إلى هذا الموقف، ولأننا تعرضنا لقدر كبير من نزع الإنسانية والتجاهل والتهميش في داخل القصة -حتى أننا شرعنا تلقائيًا في محاولة إثبات أننا كنا موجودين كشعب قبل الصهيونية، وأننا لسنا معادين للسامية.
بل وأكثر من ذلك، حاولنا إبراز إنسانيتنا والتركيز عليها بإفراط: أصبحنا نقول إن لدينا ثقافة قبل إسرائيل، وإن لدينا مسارح ودور أوبرا في حيفا ويافا، وإن لدينا مجتمعًا مدنيًا مزدهرًا؛ هذه النزعة الدفاعية التي لطالما استخدمها الفلسطيني في سرد قصته داخل أُطر الأكاديميا الغربية.
لكن الحقيقة هي أن الغالبية العظمى منا هم في الواقع فلاحون. نحن مزارعون. ونحن فخورون بذلك، وجذورنا تضرب عميقًا في مجتمعنا. والكثير من أبناء ذلك الجيل لم يذهبوا يومًا إلى دار أوبرا أو إلى السينما، ولم تكن لديهم بالضرورة علاقة بالمكتبات.
كان الكثير منهم أميين. انظر مثلًا إلى عائلتي في بيت درّاس: كان يُنظر إلينا كطبقة متوسطة لأننا كنا نملك حمارًا. معظم الناس لم يكونوا يملكون حميرًا.
وخلال النكبة، كان الأثرياء بالطبع هم أول من غادر، حيث استخدموا الشاحنات لأنهم كانوا قادرين على دفع أجرتها. لكن الغالبية خرجوا سيرًا على الأقدام. وبعضهم غادر على ظهور الحمير، وكنا نحن من بين "المحظوظين" نسبيًا، حيث كان أعمامي وعماتي يتناوبون ركوب الحمار، ويتنقلون عبر مناطق الريف الفلسطيني لأيام، إلى أن وصلنا إلى غزة.
ولهذا السبب أقول أحيانًا إننا عندما نروي القصة، فإننا نحاول أن نراعي "الجمهور المستهدف" إلى حد مبالغ فيه، وننفق الكثير من الجهد في "إثبات إنسانيتنا".
لكنني لا أعتقد أننا في حاجة إلى ذلك كفلسطينيين، لأننا لسنا مجرد بشر عاديين -ولا أريد أن أقول إننا "بشر خارقون" في غزة- لكن قصتنا بحد ذاتها كافية لتقول ما ينبغي أن يُقال.
لم تكن لدى والدي وجدّي أكبر مكتبة في القدس، ولم نكن نعيش في فيلا. كنا نعيش في بيت من الطوب الطيني، ونعمل في الزراعة، ونعيش كامتداد لأجيال عديدة من الفلسطينيين المرتبطين وثيقًا بالأرض.
وهذه القصة لا تُروى كثيرًا. إنها غالبًا ما تُروى على الهامش أو في الحواشي. لكن الحقيقة هي أننا نحن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني: نحن اللاجئون، ونحن الذين نعيش في المخيمات. وهنا تكمن المفارقة.
كنا نحنُ الذين غذّينا مقاومة فلسطين منذ البداية في العام 1948. لقد قاومنا خلال حرب 1948، لكننا عندما دُفعنا إلى خارج مناطقتنا في فلسطين إلى غزة، شكّلنا فورًا ما نسميه "الفدائيين"؛ مجموعات الكفاح من أجل الحرية.
هؤلاء كانوا فلاحين، ولم تكن لديهم أي خلفية أيديولوجية. كان هدفهم الوحيد هو إيجاد طريق للعودة إلى بيوتهم في فلسطين. وبعضهم كان يريد العودة فقط لأخذ جزء من المحصول الذي كانوا قد جمعوه ولم يتمكنوا من حمله معهم أثناء فوضى الحرب ومجازر الصهيونية.
مع مرور الوقت، تحولت مجموعات الفدائيين إلى تشكيلات أيديولوجية: أصبحت "جيش التحرير الفلسطيني"، ثم "منظمة التحرير الفلسطينية"، ثم اليساريين و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، ثم الشيوعيين، ثم "فتح"، وفي النهاية أصبحت "حماس" و"الجهاد الإسلامي" -وهي التشكيلات المقاوِمة الأيديولوجية الراهنة في غزة.
كل هذا هو سياق بالغ الأهمية. ولذلك لا ينبغي أن نفكر في "حماس" بمعزل عن هذا التاريخ. إن "حماس" هي نفس الناس ونفس البنية الديموغرافية التي تشكلت من كل هذه المجموعات منذ بداية النضال الفلسطيني الحديث.
كريس هيدجز: أحد موضوعات كتابك، منذ البداية، هو الانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني. أولئك الذين يقررون -لأسباب اقتصادية أو غيرها- التعاون أو التعايش مع المحتلين، أولًا البريطانيين، ثم الإسرائيليين لاحقًا، وصولًا بطبيعة الحال إلى يومنا هذا مع السلطة الفلسطينية.
كنتُ قد غطّيت الانتفاضة الأولى، وأتذكر التوتر في غزة بين طبقة التجار والبرجوازية وبين الشبان في الشوارع. وهذا أيضًا شيء لم يتغير في مسار هذا النضال الطويل، وأتساءل عما إذا كان بإمكانك التطرق إليه.
رمزي بارود: بالتأكيد. ولا أعتقد أن ذلك سيتغير، لأنني أعتقد أننا ارتكبنا خطأً. الكثير منا ارتكب خطأً -على الأقل بشأن ما نعتبره وحدة التحليل لفهم الوحدة الفلسطينية.
كما وقع الكثير منا أيضًا -من حيث لا يدري- في خدمة خطاب بنيامين نتنياهو. تذكّر، كان نتنياهو وغيرُه يقولون: أنتم تريدوننا أن نعود إلى عملية السلام، لكن الفلسطينيين غير موحدين. كيف يمكننا أن نتحدث مع شعب يتحدث بأصوات متعددة؟
لكن هذا طرح مضلل وخبيث، لأن أي حركة تحرر وطني في الواقع لم تكن في أي يوم موحدة بالكامل. في النهاية، كانت هناك دائمًا طبقات اجتماعية. وحتى قبل مجيء البريطانيين إلى فلسطين كانت هناك طبقات موجودة ومتعايشة خلال العهد العثماني.
ثم أعيد تشكيل هذه الطبقات في عهد البريطانيين، ثم في عهد الصهيونية. هذا شيء ثابت لا يتغير. سوف تظل هناك دائمًا هذه الفئات، وغالبًا ما يكون الفقراء والمهمشون والطبقة العاملة هم الذين يحملون السلاح ويقاتلون حتى النهاية، بينما توجد دائمًا مجموعة أخرى تقوم بالتفاوض.
أقرأ حاليًا كتابًا ممتازًا لأميلكار كابرال Amílcar Cabral، أحد كبار قادة حركات التحرر الوطني في إفريقيا الذين قاتلوا ضد الاستعمار البرتغالي. وقد اغتيل هو نفسه في العام 1973 على ما أعتقد.
يتحدث كابرال عن تشكّل غينيا خلال النضال ضد الاستعمار البرتغالي، وهو شيء مذهل حقًا. إنكَ إذا استبدلت كلمة غينيا بغزة، والبرتغال بإسرائيل، فستجد أن الصورة هي نفسها تمامًا. سوف تجد الذي يقاتل، والذي يتفاوض، والبرجوازية الصغيرة. سيظل هذا موجودًا دائمًا ولن يتغير.
وهم يبدّلون مواقعهم: في يوم يعملون مع العثمانيين، ثم يعملون في آخر مع الإنجليز، ثم مع الإسرائيليين، والآن هم السلطة الفلسطينية. إنهم يسعون إلى الاستفادة، ويحملون بطاقات "شخص مهم جدًا" VIP. وهو ما يتيح لهم السفر والقيام بالأعمال مع إسرائيل. وبعضهم فعليًا متعاقدون مع إسرائيل لبناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري. ولا يعني هذا أن الفلسطينيين أسوأ من غيرهم أو أنهم يتصرفون بطريقة مختلفة.
إنه يعني فقط أن مجرى التاريخ يكاد يكون متسقًا وقابلًا للتنبؤ. ما يهم حقًا هو أن هناك أغلبية من الفلسطينيين تدعم المقاومة، وهم يُثبتون هذا الدعم ويجسدونه في حياتهم اليومية.
عندما أقول "المقاومة"، فإنني لا أتحدث فقط عن الكلاشينكوف وإطلاق النار والقوة العسكرية. إنني أتحدث عن فكرة المقاومة نفسها: أنه لا يمكننا أن نخضع. لا يمكننا أن نستسلم، وأننا سنجد دائمًا وسيلة للبقاء، للاستمرار -وللمقاومة أيضًا والرد. هؤلاء هم الأغلبية.
إنهم أغلبية في غزة والضفة الغربية، لكنهم، خصوصًا في الضفة الغربية، يعيشون كما يُقال "بين المستوطنين العسكريين الإسرائيليين من جهة، وبين البرجوازية التفاوضية التابعة للسلطة الفلسطينية من جهة أخرى"، أولئك الذين لا يريدون خسارة امتيازاتهم.
هذه هي حقيقة فلسطين. كلا، نحن لسنا شعبًا منقسمًا. إن هذه، ببساطة، هي طبيعة حركات التحرر الوطني.
كريس هيدجز: ثمة نقطتان. أولًا، وفقًا للقانون الدولي، للفلسطينيين حق المقاومة، بما في ذلك استخدام القوة. وثانيًا، عندما كنتُ في غزة وكنت أعرف الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أحد مؤسسي "حماس"، كان واضحًا لي أنهم لم يكونوا في الأساس حركة مقاومة إسلامية. كانوا حركة تحرر وطني. وأعتقد أنك توضح هذا أيضًا في كتابك.
رمزي بارود: إنها حركة تحرر وطني. لطالما كانت "حماس" حركة تحرر وطني. الأيديولوجيا في حركات التحرر الوطني في فلسطين هي شيء يُستخدم كمنصة لصياغة خطاب سياسي والتعبير عنه، وإضفاء توجه فكري عليه، لكنها في النهاية لا تغيّر حقيقة كونها حركة تحرر وطني.
يمكنك أن ترى ذلك بوضوح. في الواقع، إذا نظرت إلى البيانات الأولى المبكرة جدًا التي أصدرتها "حماس" -بل أول بيان لها تحديدًا- فإنك ستجد أنهم يوجهون نداءً إلى العرب للقدوم للنجدة. كما أنهم يوبّخون الجيش المصري لأنه يحمي إسرائيل بدلًا من حماية الفلسطينيين.
إنهم يشيرون في خطاباتهم إلى أنفسهم ضمن سياق عربي سياسي أوسع، بالطريقة نفسها التي فعلتها "فتح"، وبالطريقة نفسها التي فعلتها حركات أخرى في التاريخ الفلسطيني.
ثم هناك البعد الإسلامي؛ "الأمة الإسلامية". وهو بعد ليس هامشيًا، وهو مهمّ -لكنه لم يكن المركز الأساسي أو جوهر الوعي السياسي الفلسطيني.
ولكن، حتى هذا الواقع بدأ يتغير في السنوات الأخيرة، خصوصًا خلال الإبادة الجماعية. لقد قرأتُ كل بيان صدر عن أبو عبيدة، المتحدث باسم "حماس" الذي قُتل على يد إسرائيل في المراحل اللاحقة من الحرب.
كان يمكنك أن ترى كيف أنه يعيد موضعة فلسطين تدريجيًا في خطابه. في بعض الأحيان، كان البعد العربي والإسلامي يبدو أكثر هامشية، وكان يخاطب "أحرار العالم".
حدث ذلك فقط -وفقًا لجدلهم السياسي كما رأينا خلال الإبادة الجماعية- لأن التضامن لم يكن يتدفق فعلًا من العالم العربي والإسلامي. كان هناك الكثير مما يحدث في جنوب أفريقيا، وناميبيا، وإسبانيا، ونيكاراغوا، وما شابه. ولذلك، كان المرء يشعر أحيانًا بأن خطاب أبو عبيدة، ولغته والجمهور الذي يخاطبه، بدأ يتغير تدريجيًا.
وهكذا ترى كل هذه التحولات تحدث عبر السنوات، من البداية حتى الآن، ومع ذلك تدرك أن هناك عاملًا مشتركًا واحدًا لم يتغير أبدًا.
وهو أننا فلسطينيون، وأن مُعَرِّفاتنا السياسية هي النكبة، والمقاومة، والحرية، وهي نفس المُعرِّفات السياسية لكل المجموعات الفلسطينية الأخرى.
لذلك، كلا؛ هذا ليس جزءًا من مشروع إحياء إسلامي كبير. إنه في جوهره مشروع وطني فلسطيني.
كريس هيدجز: في كتابك، تكتب عن قوتين سياسيتين مؤثرتين: الأولى الحركة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، والثانية جماعة "الإخوان المسلمين". هل يمكنك أن تتحدث عن هاتين القوتين وأهميتهما بالنسبة للفلسطينيين؟
رمزي بارود: أعتقد أن هذا يرتبط إلى حد كبير بما سبق، وهو أننا بطريقة ما، وجيلًا بعد جيل، ربطنا آمالنا وربطنا أيضًا إحساسنا الفعلي بالقدرة على الفعل بحركات أخرى، وبقادة، وبأفراد كان يُنظر إليهم على أنهم عقلانيون في تعاملهم مع القضية الفلسطينية.
كان جمال عبد الناصر يبدو الخيار الأكثر عقلانية لتحرير فلسطين. وقد اكتسب الكثير من المصداقية خلال أحداث العام 1948؛ النكبة، والحرب. وكان من آخر من غادر فلسطين خلال الحرب، بعد أن حوصِر، مع ضباط مصريين آخرين، إلى جانب مقاتلين فلسطينيين، في مدينة الفالوجة جنوب فلسطين.
مشهد فك الحصار وخروج جمال عبد الناصر والضباط وهم يسيرون عبر غزة وصولًا إلى سيناء هو مشهد يتكرر في العديد من كتبي، لأنه كان مشهدًا شديد الرمزية.
كان هناك عمليًا مئات الآلاف من اللاجئين يخرجون إلى الشوارع لتحيتهم والتعبير عن امتنانهم أثناء مغادرتهم. وقد شعرت بأن شيئًا ما ترسّخ في تلك اللحظة تحديدًا في العلاقة بين جمال عبد الناصر والشعب الفلسطيني، لدرجة أنها لم تكن هناك، على ما أعتقد، أي عائلة فلسطينية لم يكن لديها ملصق أو صورة لجمال عبد الناصر.
كان يمكنُ أن تكون علمانيًا، أو اشتراكيًا، أو إسلاميًا، لا فرق. لكن جمال عبد الناصر كان شخصية لا يختلف عليها أحد. كان حاضرًا في حياتنا باستمرار حتى العام 1967 -ما نسميه "النكسة".
كانت تلك فترة بدأت فيها أصوات وأفكار جديدة في تحدي السردية التي سادت في الفترة بين العامين 1948 و1967. في الواقع، وحتى وقت قريب جدًا، كان الجيل الأكبر من الفلسطينيين لا يسمح أساسًا بفتح نقاش حول مصداقية جمال عبد الناصر. أو حول ما إذا كان يأخذ مصالح فلسطين حقًا في الاعتبار أم لا يفعل. لم يكونوا يريدون حتى مناقشة ذلك. لكن الجيل الأحدث من المؤرخين شرعوا في دراسة الخطابات والسياسات، وخلصوا إلى أنه ربما تكون هناك طريقة أخرى يمكن من خلالها تأطير ما حدث حتى تلك المرحلة.
في ذلك الحين كانت "جماعة الإخوان المسلمين" تصعد. وهكذا، أصبحت جماعة الإخوان مرتبطة في بفلسطين منذ البداية الأولى. أنا لا أقبل فكرة جماعة الإخوان، بكل ما قد تكون قد ارتكبته أو لم ترتكبه من أخطاء، شيئًا مفروضًا على الخطاب الفلسطيني.
وقد قاتلوا فعليًا في فلسطين خلال حرب النكبة، وقد تحدثت عن ذلك في كتابي. وتركوا وراءهم هذه الأيديولوجية؛ هذه الأيديولوجية الثورية السياسية التي أبقت بينهم وبين بقية الشعب الفلسطيني نوعًا من الصلة حتى اندلاع حرب غزة.
عندما سُمح لسكان غزة بالسفر إلى مصر لتلقي التعليم، أصبحت لديهم قناة اتصال مباشرة مع جماعة الإخوان المسلمين. وقد درس العديد من قادة "حماس" الأوائل في مصر، وخاصة في جامعة عين شمس، وجامعة الزقازيق، وحتى في جامعة حلوان -وفي جامعة القاهرة بطبيعة الحال.
وقد التقوا، ونسقوا، وناقشوا، وبنوا نوعًا من خطاب مشترك. وجعل ذلك الأمر يبدو وكأن فلسطين، أو "حماس"، أو الحركة الإسلامية المبكرة آنذاك، "الجماعة الإسلامية" كما نسميها، هي امتدادٌ لجماعة الإخوان المسلمين -وإنما بأولويات فلسطينية.
وقد تطور ذلك. تطور على مر السنين حتى اليوم، حيث يشعر المرء، بطريقة ما، بأن هذا الرابط ما يزال قائماً، لكنه يبدو وكأنه حركة سياسية مختلفة تماماً.
كريس هيدجز: حسناً، (عبد العزيز) الرنتيسي درس في مصر، وكان في جامعة الإسكندرية، وأعتقد أنه كان مقرباً جداً من جماعة الإخوان المسلمين قبل تأسيس "حماس". وأنت تكتب عن الشيخ (أحمد) ياسين، وتكتب عن يحيى السنوار، وتكتب عن قريبك المدهش.
سوف أترك لك الحديث عن الثلاثة. أعني أن هذا الرجل في الأربعينات من عمره وقد استشهد في النهاية، بطبيعة الحال. ولكن تحدث فقط عن هؤلاء الشخصيات الثلاثة من منظور المقاومة.
رمزي بارود: وإذن، من المهم على المستوى الجزئي فهم هذه الشخصيات، وبذلك فهم التجربة الفلسطينية الأوسع. كان الشيخ أحمد ياسين نتاجًا لجيل ثوري وُجد، في غزة تحديدًا، منذ العام 1948.
كريس هيدجز: اسمح لي أن أقاطعك لأشرح لمن لا يعرف، كان عالِمًا إسلاميًا. كان أخيرًا في أواخر حياته، ألم يكن مُصابًا بشلل رباعي؟ لكنه كان عالِمًا فذًا، فقط للتوضيح ومن أجل السياق.
رمزي بارود: كان عالِمًا فذًا، وهذا نوع من سمة مشتركة أحاول تعقبها عبر التاريخ الفلسطيني. في الواقع، انتهى بي المطاف إلى مناقشة ما يُسمونه المدة الطويلة أو التاريخ الطويل الذي يعود وراءً لمئات السنين في التاريخ الفلسطيني.
هناك هذا النوع من العالِم المحارِب. كان عز الدين القسام مثالًا حيًا للعالم المحارب في التاريخ الفلسطيني. وكان الشخص الذي أطلق المقاومة المسلحة في فلسطين، أكثر أو أقل، التي أفضت إلى انتفاضة وثورة العام 1936 في فلسطين التي وحدت فلاحي فلسطين مع المثقفين والمجتمعات الحضرية في انتفاضة وثورة متواصلة استمرت في الفترة بين العامين 1936 و1939.
ثم لاحقاً، بدأت أنظر إلى أحمد ياسين باعتباره امتداداً لذلك النموذج. كان هو أيضاً ذلك "العالِم-المقاتل". لكن ما يجعل شخصيته مثيرة للاهتمام بشكل خاص هو أن إعاقته تطورت مع مرور الوقت إلى درجة أنه كان يقرأ -حرفيًا- باستخدام لسانه.
ومع مرور الزمن، طوروا له جهازًا خاصًا كان يضعه في فمه ويستطيع بواسطته تقليب الصفحات. وهكذا كان في حالة تعلم مستمرة. وأحد العناصر المهمة في فكر أحمد ياسين، والذي أعتقد أنه مثير للاهتمام، كان هذا المفهوم الذي يمكن تسميته بـ"الإحياء"؛ إعادة إحياء الوعي الجماعي الفلسطيني.
وأعتقد أن محمد شحادة، الذي ينحدر أيضاً من بيت دراس، قريتي، كان من نوع أولئك الذين كانوا يوصلون هذه الرسالة إلى الشباب، التي تفيد بأننا لم نعد في حاجة إلى استيراد أيديولوجيات من الخارج بعد الآن، وأن التحرر الفلسطيني يجب أن يحدث من داخل فلسطين نفسها.
ولكي يحدث ذلك، علينا أن نعيد بعث أنفسنا كأمة فكريًا قبل أي شيء آخر.
وفي الحقيقة، كانت "الجماعة الإسلامية" أو الحركة الإسلامية موجودة منذ وقت طويل، لكنها أصبحت نشطة بشكل خاص بعد العام 1967، طوال حقبة السبعينيات والثمانينيات، وكل الطريق وصولاً إلى إطلاق حركة "حماس" في كانون الأول (ديسمبر)؛ أعتقد أنه كان كانون الأول (ديسمبر) 1987.
كانت هناك عملية استمرت نحو عشرين عاماً من "التطهير" و"الإحياء"؛ كانت هذه هي المصطلحات التي استخدموها. وكان يحيى السنوار أحد تلامذة ياسين وذلك الجيل. وكان تركيزه منصبًا في البداية على تطهير المجتمع الفلسطيني من المتعاونين (مع الاحتلال).
لأنه يمكنكَ أن تتخيل أن إسرائيل أصبحت، بعد العام 1967، على علاقة مباشرة مع غزة. لم يعودوا خارجيين بعد الآن. كان لديكَ حكم عسكري إسرائيلي في كل جزء من غزة. لم يكن بإمكانك أن تغادر غزة، ولا يمكنك أن تعود إليها من دون المرور بإسرائيلي.
*كريس هيدجز Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر. كان مراسلا أجنبيا لمدة خمسة عشر عاما لصحيفة "نيويورك تايمز"، حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. عمل سابقا مراسلا أجنبيا لصحف "ذا دالاس مورنينغ نيوز" و"كرستيان سينس مونيتور" و"الراديو الوطني"، وهو مضيف برنامج "تقرير كريس هيدجز". حصل على جائزة منظمة العفو الدولية العالمية للصحافة في مجال حقوق الإنسان للعام 2002. يحمل درجة الماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، وهو مؤلف الكتابين الأكثر مبيعا: "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا"؛ و"إمبراطورية الوهم: نهاية محو الأمية وانتصار المشهد". وكان أحد المتأهلين للتصفيات النهائية لدائرة نقاد الكتاب الوطنية عن كتابه "الحرب قوة تعطينا معنى". عمل بالتدريس في جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة برينستون وجامعة تورنتو.
*نُشر هذا الحوار تحت عنوان: A History of Palestine’s Resistance