عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Apr-2026

"الموافقة" كتذكرة للطغيان

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيمس بوفارد* - (كاونتربنش) 23/4/2026
 
على مدى قرون، دأب الرؤساء على تشويه معنى "موافقة المحكومين". وكانت عبارة "موافقة المحكومين" من الجمل البارزة في "إعلان الاستقلال" الأميركي، وظل صداها يتردد في البيانات الرسمية منذ عهد توماس جيفرسون. وفي العام 1952، طمأن الرئيس هاري ترومان الكونغرس، بقول: "لا يمكن أن تُمنح حكومة كرامة أسمى ولا قيمة أعظم من تلك القائمة على مبدأ الرضا". لكن هذا الموقف لم يلبث أن تحول إلى مسرحية شكلية.
 
 
ومع تضخم الحكومة الفيدرالية وازدياد نزعتها التسلطية، أصبح من المهم بشكل خاص إقناع الناس بأنهم وافقوا على ما يُفرض عليهم من قهر. لكنّ قياس "الموافقة السياسية" يختلف جذريًا عن قياس الموافقة في مجالات الحياة الأخرى. العقود السياسية لا تُلزم إلا طرفًا واحدًا. ولنتأمل "العقد مع أميركا" الذي طرحه الجمهوريون في مجلس النواب في العام 1994، و"اتجاه جديد لأميركا" الذي قدمه الديمقراطيون في العام 2006، و"التعهد لأميركا" الذي عرضه الجمهوريون في العام 2010، و"العقد مع الناخب الأميركي" الذي كشف عنه دونالد ترامب في تشرين الأول (أكتوبر) 2016. لم يكن أيّ من هذه "العقود" قابلًا للاستخدام أمام القضاء. كانت مجرد وعود سياسية، أُلبست ثوب العقود أو التعهدات، حتى تصنع وهم الالتزام المُلزم.
تختلف العقود السياسية عن العقود الخاصة في أن الأولى لا يمكن إبطالها حتى لو أنها قامت على الخداع. وفي حين الاحتيال الصريح محظور في المعاملات الخاصة، فإنه شائع في الشأن السياسي. وتصبح موافقة المواطنين على حكامهم عند صناديق الاقتراع، عمليًا، غير قابلة للنقض -على الأقل طوال مدة الولاية. وهنا يكمن الاختلال القاتل: يستطيع السياسي أن يقول أو يفعل تقريبًا أي شيء ليحصل على أصوات الناس، ولكن لا يكاد يكون لدى الناس، بعد يوم الانتخابات، ما يمكن أن يفعلوه لكبحه.
قبل نحو نصف قرن، كان ثمة اعتراف عابر، بدوافع سياسية، بأن الحجم الهائل للحكومة يفرغ "موافقة المواطنين" من مضمونها. وقال الرئيس جيمي كارتر أمام "اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي" في العام 1978 إن "الاتجاه قد ابتعد عن هذا الالتزام" القائل بأن "القوانين يجب أن تُسنّ بموافقة المحكومين". وحذّر برنامج الحزب الجمهوري للعام 1980 من أن "سلطة الحكومة... بلغت بالفعل حدودًا مفرطة، وكلما استمرت في التوسع، تضاءلت ’موافقة المحكومين‘". كما نبّه الرئيس رونالد ريغان في خطاب تنصيبه في العام 1981 إلى أن "الوقت قد حان لكبح نمو الحكومة وعكس مساره، حيث تظهر مؤشرات على أنها تجاوزت حدود موافقة المحكومين".
مع ذلك، أصبحت الحكومة الفيدرالية، خلال رئاسة ريغان، أكثر تدخّلًا وأشد صرامة. وأطلق حملة أخلاقية تلو أخرى، شدّد فيها القبضة على المخدرات، وحارب ما اعتبره انحلالًا، ورفع سن شرب الكحول القانوني إلى 21 عامًا. كما أصبحت وزارتا العدل وحماية البيئة أكثر ميلًا إلى معاقبة الناس، بينما سجّلت دائرة الإيرادات الداخلية أرقامًا قياسية في مصادرة ممتلكات المواطنين من دون وجود مبرر كافٍ. ومع ذلك، ظل ريغان، بالنسبة لكثير من المحافظين، أشبه بالقديس، لأنه كان يندد بـ"الحكومة الكبيرة".
ثمة مثال ساطع على تشويه مفهوم "الموافقة" ظهر في التقرير الذي أصدره في العام 2000 السيناتور الأميركي السابق جون دانفورث، الذي سعى إلى التغطية على الفظائع التي تم ارتكابها خلال الهجمات الفيدرالية في العام 1993 على جماعة "الفرع الداوودي" (1) في واكو بولاية تكساس. وكانت وزيرة العدل آنذاك، جانيت رينو، قد اختارت دانفورث شخصيًا ليكون مستشارًا خاصًا لقيادة التحقيق. وكانت قد فقدت مصداقيتها أواخر العام 1999 بعد انكشاف نفيها الكاذب لاستخدام "مكتب التحقيقات الفيدرالي" مواد حارقة خلال الهجوم الأخير على الجماعة الذي أودى بحياة 80 شخصًا.
كتب جون دانفورث في مقدمة تقريره: "لقد تأسست بلادنا على الاعتقاد بأن الحكومة ’تستمد سلطاتها العادلة من رضا المحكومين‘. وعندما يعتقد 61 في المائة من الناس أن الحكومة... تتعمد قتل الناس حرقًا، فإن وجود الموافقة العامة، وهو الأساس ذاته لوجود الحكومة، يصبح مهددًا". لكنّ دانفورث -الذي أكسبته مظاهره الورعة لقب "القديس جاك" في واشنطن، على سبيل السخرية- دافع عن نسخة من "موافقة المحكومين" قوامها: "تفرقوا، لا شيء يستحق النظر هنا". ووفقًا له، فإن درس واكو يتمثل في أن العبء يقع "علينا جميعًا" لكي "نكون أكثر تشككًا في أولئك الذين يطلقون اتهامات مثيرة بأن الحكومة ترتكب أفعالاً شريرة". وأعرب دانفورث عن أمله في أن "يبدأ (تقريره) عملية استعادة ثقة الشعب في حكومته، وثقة الحكومة في الشعب". وكان يرى أن المسؤولين الحكوميين كانوا ضحايا ظلمٍ ناجم عن انعدام ثقة الجمهور. ووفق هذا الفهم لـ"موافقة المحكومين"، يتوقف بقاء الديمقراطية على إيمان المواطنين بروايات الحكومة، حتى بعد حدوث مذابح جماعية. وفي النهاية، لا يقبل الحكام أن يسيء رعاياهم الظن بهم.
أكد دانفورث أن "الترياق الوحيد لهذا الارتياب العام هو انفتاح الحكومة وصدقها". لكنّ الأجهزة الفيدرالية أصبحت أكثر سرية منذ تسعينيات القرن الماضي. وتنتج الوكالات الفيدرالية أكثر من تريليون وثيقة سرية جديدة كل عام -وهو ما يكفي لملء عشرين مليون خزانة ملفات. ومع ذلك، يقال لنا إننا ما نزال نعيش حكمًا ذاتيًا لأن السياسيين يُقسمون أن كل هذا التكتم إنما هو لمصلحتنا. وكما لاحظ مُسرِّب "وكالة الأمن القومي" إدوارد سنودِن، فإن "موافقة المحكومين لا تكون كذلك ما لم تكن قائمة على معرفة". وقد جعلت السرية واسعة النطاق التي تفشّت في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) من الصعب أكثر فأكثر على المواطنين ضبط حكامهم؛ وتبدو تحذيرات سنودن بشأن إنشاء "بنية قمع" اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.
منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، لم يلمّح أي رئيس إلى أن الحكومة الفيدرالية تفتقر إلى موافقة المحكومين. ومع ذلك، أظهر استطلاع أُجري في العام 2014 أن 17 في المائة فقط من الأميركيين يعتقدون أن الحكومة تحظى بـ"رضا المحكومين". وفي استطلاع أجري في العام 2017، قال 23 في المائة فقط من المستجيبين إنهم "يثقون بالحكومة لتفعل الصواب" في معظم الأوقات. وقد تآكلت "الموافقة" إلى حد كبير لأن الطبقة السياسية الحاكمة أصبحت تزدري قيم المواطنين وتفضيلاتهم. كما واصل السياسيون توسيع ترسانة العقوبات والمحظورات التي يستخدمها البيروقراطيون ضد الناس. لم يمنح المواطنون "موافقتهم" على تكبيلهم بدَين وطني يتجاوز 38 تريليون دولار، لكن الرؤساء وأعضاء الكونغرس فرضوه عليهم على الرغم من ذلك.
لا تكاد "موافقة المحكومين" تكون ذات صلة بآليات العمل اليومية للكونغرس. وليس "القانون" سوى لقطة عابرة للمصلحة الذاتية اللحظية لأغلبية من المشرعين. وكل ما يحتاجه السياسيون هو عدد كافٍ من الأصوات لمدة ساعة واحدة كي يوسّعوا سلطة الحكومة بشكل دائم.
غالبًا ما يتحدث الرؤساء الأميركيون كما لو أن موافقة الناخبين تضمن بشكل سحري ألا يتعرض المواطنون لقمع الحكومة. في خطاب ألقاه أمام البوندستاغ الألماني في العام 1982، قال رونالد ريغان إن دول حلف شمال الأطلسي "تعمل وفق حكم القانون، وليس وفق الإرهاب أو الإكراه. إنها حكومات تقوم على موافقة المحكومين". وفي خطاب ألقاه أمام البرلمان الغاني في العام 2009، أشاد باراك أوباما بـ"الحكومات التي تحترم إرادة شعوبها، وتحكم برضاهم وليس بالإكراه".
ليست القبضة الحديدية قبضةً بالمعنى الحقيقي إذا كان الشخص الذي يأمر باستخدامها قد فاز بأكثرية الأصوات في الانتخابات السابقة. ووفق هذا المنطق، يجعل مجرد السماح للناس بالتصويت كل القيود التي تفرضها الحكومة عليهم غير مُلزِمة. وأي شخص يتعرض للضرب على أيدي عناصر حكومية لا يكون في الواقع قد أُصيب بجروح، ومن يُزج به في السجن بموجب قانون سنّه سياسيون منتخبون يظل -تقنيًا- رجلًا حرًا. والناس الذين يفقدون أراضيهم بسبب مرسوم تنظيمي غامض لا يكونون قد خسروا شيئًا ما داموا قادرين على التلذذ بكونهم مواطنين مطيعين.
تصوغ الوكالات الحكومية سياساتها على نحو يكرّس افتراضات أشد عبثية حول "الموافقة" في الحياة اليومية. بمجرد أنك سافرت إلى الخارج، يُفترض أنك تكون قد وافقت على أن يقوم عناصر وزارة الأمن الداخلي بفحص كل ما في هاتفك أو حاسوبك ونسخه عند عودتك إلى الولايات المتحدة. ولأنك اشتريت تذكرة طيران، يُفترض أنك وافقت على أن يعبث بك عنصر من إدارة أمن النقل، بما في ذلك إخضاعك لـ"تفتيش جسدي معزَّز". وإذا اخترت استخدام مترو واشنطن أو نيويورك، فإنك تكون قد وافقت -بحسب هذا المنطق- على أن تقوم بتفتيش حقيبتك -من دون مذكرة قضائية- الشرطة المحلية التي تتلقى تمويلًا فيدراليًا لتنفيذ هذه العروض التي توصف بأنها "مسرح أمني". ولأنك تقود مركبتك على طرق حكومية، يُفترض أنك وافقت على أن تقوم أجهزة قراءة لوحات المركبات، الممولة فيدراليًا، بتجميع ملف تفصيلي عن تحركاتك زمانًا ومكانًا.
أصبحت الموافقة السياسية تعرّف في هذه الأيام كما كان يُعرَّف الاغتصاب قبل جيل أو جيلين: الناس يوافقون على أي شيء لا يقاومونه بالقوة. لا يحق للناخبين التذمر بعد أن يكون قد جرى استدراجهم إلى صناديق الاقتراع. وكل من لا يحاول إحراق "قاعة البلدية" يُفترض أنه وافق على كل ما يفعله العمدة. وكل من لا يقفز فوق سياج البيت الأبيض أو يحاول اقتحام المكتب البيضاوي يكون موافقًا على جميع الأوامر التنفيذية. وكل من لا يقصف أقرب مبنى حكومي بالقنابل الحارقة يكون موافقًا على أحدث المراسيم المنشورة في "السجل الفيدرالي". وإذا هاجم الناس فعليًا مرافق حكومية، فإنهم يُصنَّفون إرهابيين يمكن قتلهم أو سجنهم إلى الأبد بشكل مبرر.
كتب الفيلسوف البريطاني جون لوك رسالتيه في الحكم في ثمانينيات القرن السابع عشر، جزئيًا لتأسيس معيار يبرر مقاومة الحكومة القمعية. وحذر لوك، الذي أثر تأثيرًا عميقًا في الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، بالقول: "لا يمكن للناس أن يكونوا أبدًا في مأمن من الطغيان، إذا لم تكن هناك وسيلة للفرار منه، قبل أن يقعوا تمامًا تحت وطأته". ولكن في هذه الأزمنة الحديثة، تُجعل أي حكومة منتخبة تقريبًا شرعية تلقائيًا بمجرد أن تستدعي فكرة "موافقة المحكومين".
 
*جيمس بوفارد James Bovard: مؤلف كتب عدة، منها "ديمقراطية مصابة بضعف الانتباه" Attention Deficit Democracy؛ و"خيانة بوش" The Bush Betrayal؛ و"الإرهاب والاستبداد" Terrorism and Tyranny. أحدث كتبه هو "الحقوق الأخيرة: موت الحرية الأميركية" Last Rights: the Death of American Liberty. وهو عضو في مجلس المساهمين في صحيفة "يو أس توداي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Consent" as the Ticket for Tyranny"
 
هامش:
(1) فرع الداووديين Branch Davidians: طائفة دينية مسيحية منشقة في الولايات المتحدة، نشأت من جذور أدفنتستية وارتبطت باسم زعيمها ديفيد كوريش في التسعينيات. كانت تتمركز قرب واكو، تكساس، واعتنق أعضاؤها تفسيرات دينية متشددة ومغلقة للكتاب المقدس، وأصبحوا يعيشون في مجتمع شبه منعزل عن الدولة والمجتمع المحيط، وانتهى الأمر بهم إلى مواجهة دامية مع السلطات الأميركية في العام 1993.