عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Sep-2026

"دارة بلقيس" للمدادحة.. تفاصيل من ذاكرة عمّان وأحيائها القديمة

 الغد-عزيزة علي

 صدرت عن الآن ناشرون وموزعون، رواية بعنوان "دارة بلقيس"، للروائي الأردني عبد الهادي المدادحة التي تستعيد في سردها تفاصيل من ذاكرة عمّان وأحيائها القديمة، وتتوقف عند التحولات العمرانية التي تهدد بعض معالمها التراثية، في مقاربة روائية تجمع بين البعدين الاجتماعي والفلسفي.
 
 
وتتخذ الرواية من جبل اللويبدة وعمارة "جيهان 4"، في شارع كلية الشريعة فضاءً رئيسيًا للأحداث، حيث تتقاطع حكايات سكان المكان وذكرياتهم مع محاولات الاستثمار العقاري التي تستهدف تغيير ملامح الحي، لتطرح الرواية أسئلة حول علاقة الإنسان بالمكان، وقيمة الذاكرة، والصراع بين الحفاظ على الهوية العمرانية ومتطلبات التوسع والاستثمار.
ويستعين المدادحة بالموروث الفلكي والأسطوري في بناء عالم الرواية، رابطًا بين حركة النجوم والأبراج ومصائر الشخصيات وتقلباتها النفسية، فيما ينتقل السرد بين فضاءات عمّانية معروفة وأحداث تاريخية وإقليمية تركت آثارًا في وعي الشخصيات، ليقدم صورة عن مدينة تتغير ملامحها بمرور الزمن، وعن أفراد يواجهون تحولات المكان ومحدودية قدرتهم على التأثير فيها.
وتجمع رواية "دارة بلقيس"، بين الحكاية الإنسانية والتأمل الفلسفي، من خلال شخصيات تتباين رؤاها للحياة والقدر والمجهول، وتطرح الرواية عبرها موضوعات الرغبة والعجز والبحث عن معنى، إلى جانب حضور التنجيم بوصفه محاولة لفهم ما لا يستطيع الإنسان السيطرة عليه.
وتأتي الرواية ضمن أعمال المدادحة التي تشتغل على المكان والذاكرة والتحولات الاجتماعية، فيما يواصل من خلالها استحضار تفاصيل من البيئة الأردنية، وربطها بأسئلة إنسانية وفلسفية أوسع.
يستعرض المدادحة تفاصيل الحياة اليومية ومصائر مجموعة من الشخصيات التي تتقاطع حكاياتها مع حركة النجوم والأبراج الفلكية في القبة التنجيمية بأوتادها الأربعة، في محاولة لقراءة تقلبات النفس البشرية ومشاعر العجز أمام قسوة الواقع والتحولات التي تطرأ على المكان.
وتنتمي "دارة بلقيس"، إلى الرواية الاجتماعية الفلسفية، مستفيدة من الموروث الفلكي والأسطوري في مقاربة الواقع وتفكيكه. وتتداخل فيها قصص عدد من الجيران الذين يتشاركون المكان والذكريات، من بينهم السيدة أليس بركات، الشغوفة بعالم الفلك، وصديقة طفولتها الدكتورة سعاد الصبّان، التي تجد نفسها في مواجهة مخطط عقاري يستهدف هدم دارتها التراثية، لتتحول الحكاية إلى دفاع أدبي عن ذاكرة الأحياء القديمة وأصالتها في مواجهة التوسع العمراني.
وتبدأ الرواية، التي صمم غلافها عيد بنات، باستهلال أسطوري مستوحى من الموروث الفلكي العربي، يتناول قصة رجل قُتل غدرًا في الأسواق البعيدة، ثم تبدأ رحلة بحث وثأر من قاتله "سهيل"، الذي فر نحو السماء الجنوبية. ومن هذا الفضاء الأسطوري، ينتقل السرد إلى جغرافيا عمّان الواقعية، متنقلًا بين شارع كلية الشريعة وكلية تيراسانتا وساحة باريس ومستشفى لوزميلا، ومستعيدًا جوانب من حياة إحدى الشخصيات، من بينها دراستها الطب في القاهرة، إلى جانب أحداث تاريخية وإقليمية تركت آثارًا عميقة في وعي الشخصيات ونفسياتها.
وتحضر في الرواية أسئلة فلسفية تتصل بالرغبة والعجز وقدرة الإنسان على التأثير في محيطه، من خلال تأملات أليس بركات في طبيعة الحياة وتقلباتها، وعلاقة الإنسان بمحاولات تفسير المجهول والبحث عن إجابات، تمنحه شعورًا بالقدرة والسيطرة على ما يحيط به.
وقال السرد، في أحد مقاطعه، إن تعدد الرغبات وتناقضها يجعل الحياة أشبه بساحة صراع بين ما نريده وما يعارضه، فيما تتوقف الشخصية عند لجوء الإنسان أحيانًا إلى التنجيم بحثًا عن الفرح أو هربًا من الشعور بالعجز أمام ظروف الحياة.
من أجواء الرواية
ولتقريب القارئ من المناخ النفسي والفلسفي الذي يسيطر على مناخ الرواية، نطعّم الخبر بهذه الفقرة التي تعكس فلسفة بطلتها السيدة أليس بركات ومناجاتها الداخلية حول تقلبات الحياة: "تتعدد رغباتنا وتتنوع وربما تتناقض، فليست كل رغبة ثبت وجودها، يثبت عدم وجود رغبات أخرى معاكسة لها في الاتجاه، فالحياة كأنها ميدان حرب وساحة صراع بين رغباتنا من جهة وما ينازعها ويعارضها من جهة أخرى، ففي الحياة ثمة متسع لكل هذا.
ثم تضيف: "كثيرة هي الأشياء التي تجري في حياتنا بلا حساب أو مراجعة، تصبح شيئًا يشبه العادة، نؤمن بها ونعمل بمقتضاها ولا نبحث لها عن دليل عقلي يثبت الفائدة منها أو الضرر. أحيانًا تصبح الفكرة مثل العادة أيضًا، تؤتى بلا دليل عقلي قاطع على صحتها".
"نفرح ونشعر بوجودنا عند زيادة قدرتنا على التأثير في العالم من حولنا، ونحزن عندما تنقص القدرة على الفعل والتأثير. نلجأ إلى التنجيم، سعيًا وراء الفرح أو هربًا من حزننا الذي يشعرنا بالعجز".
ويذكر أن عبد الهادي المدادحة روائي وكاتب أردني، حاصل على شهادة البكالوريوس في الصيدلة. وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان: "قالت لي العرافة"، ودراسة سياسية بعنوان: "على جمر الغضا.. قراءة في تاريخ الحكومات الأردنية"، ورواية بعنوان: "هوامش البساط الأحمر"، ورواية "كرك موبا.. رسائل المدينة"، و"حارسة"، "رعاش المدينة".