الدستور - نضال برقان
في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات على انتباه الأطفال، وتتراجع فيه القراءة أمام سطوة المحتوى الرقمي السريع، يواصل الأديب والروائي العربي إيهاب القسطاوي رهانه على الثقافة بوصفها مشروعاً لصناعة الإنسان. ومن موقعه مديراً لكرسي الألكسو لخدمة الطفولة، يطرح رؤية تتجاوز حدود أدب الطفل التقليدي نحو بناء عقل عربي قادر على الإبداع والابتكار وصناعة المستقبل. في هذا الحوار مع «الدستور»، يتحدث القسطاوي عن واقع ثقافة الطفل العربي، وتحديات أدب الطفل، وأسباب تراجع القراءة، ومشاريعه الثقافية، ورؤيته لمستقبل الأجيال العربية خلال السنوات المقبلة.
القسطاوي نفسه أديب وروائي عربي بارز في مجال أدب الطفل، يشغل منصب مدير كرسي الألكسو لخدمة الطفولة، ويتولى عدداً من المسؤوليات الثقافية العربية المتخصصة في تنمية الإبداع والابتكار لدى الأطفال. تُرجمت أعماله إلى عدة لغات، ونالت تقديراً عربياً ودولياً واسعاً، حيث حظي بتكريم وإشادة من مؤسسات رسمية وثقافية في فلسطين ولبنان وكوبا تقديراً لإسهاماته الأدبية والتربوية والإنسانية.
* كيف تقيّم واقع ثقافة الطفل العربي اليوم في ظل الثورة الرقمية؟
- نحن أمام مفارقة تضعنا في حالة من الذهول؛ فبينما تمنحنا الثورة الرقمية قدرات غير مسبوقة في التواصل الفوري والوصول الحر للمعلومات، نجد أنفسنا في الوقت ذاته غارقين في تراجع الذائقة الإنسانية وتحولها إلى «ذائقة بلاستيكية». إن واقعنا الثقافي يحتاج إلى «أنسنة» هذا الفضاء الرقمي، فلا يكفي أن نكون مستهلكين للتقنية، بل يجب أن نصنع محتوىً يعيد الاعتبار للبطولة بمعناها النبيل،
من خلال الاستثمار في التحول الرقمي بعيداً عن مشاهد النزاعات والحروب والقهر والدمار.
آن الأوان لتوظيف التقنية لنمسح الصورة النمطية التي تراكمت في عقول الأجيال؛ إذ لو سألنا أي طفل في وطننا العربي: «من هو ملك الغابة؟» لأجزم أن الإجابة ستكون «الأسد»، لقدرته على البطش، متناسين رقة الغزالة أو حكمة البومة. لقد حان الوقت لولادة هوية جديدة تبنى على بطولاتٍ تُحيي ولا تُميت، ترتقي بقيم الرحمة والبناء والعطاء. إن غايتنا ألا يكون أطفالنا مجرد صدىً لمعادلاتٍ صماء، بل نصبو لأن تتحول عقولهم إلى «حواسيب انسانية كونية»
تعمل بطاقة الدهشة، وتتحرك بأسلاكٍ من ضياء العاطفة. فبدلاً من تعليمهم كيف يتقنون لغة العصر، دعونا نجعل من عقولهم «الخوارزمية» التي تملي على العصر لغته الجديدة، لتظل أدمغةً حرةً من قيود التبعية، صادقةً في شعورها، وملهمةً في تفكيرها.
* ما أبرز التحديات التي تواجه صناعة أدب وثقافة الطفل في العالم العربي؟
- التحدي الأعمق هو كيف لنا تخطي إخفاقنا المنهجي في مواجهة التابوهات؛ إذ تتمحور الإشكالية المعرفية في أدب الطفل حول إخفاقه المنهجي في اختراق «الثالوث المحرم» (المنشأ البيولوجي، الكنه الميتافيزيقي، والهوية الجندرية)، حيث ظل هذا الأدب مرتهناً لسلطة «الرقيب الاجتماعي» الذي حوّله من أداة للتنوير إلى وسيلة لإعادة إنتاج «الصمت». هذا التغييب، مضافاً إليه موروث «البعبع» و»الغول» الذي شوه الوجدان الطفولي، خلق أجيالاً تعاني عجزاً عن التكيف، وتفتقر للقدرة على الإبداع.
* لماذا تراجعت علاقة كثير من الأطفال بالقراءة؟ وكيف يمكن استعادتها؟
- تراجعت لأن الكتاب لم يعد يلامس دهشتهم. «في أدب الطفل، حيث يُعد التمكن من البيان مفتاحاً لتذوق الإبداع؛
فبينما يحتاج الطفل في مراحل تعلمه الأولى إلى (بساطة الحكاية) كجسر للعبور، يستطيع القارئ المتمكن إدراك أسرار الجمال الكامنة خلف النصوص.»
الغريب أننا لم ندرس بشكل منهجي ماذا يريد أطفالنا؛ لذلك كانت الحاجة ملحة لتدشين «مرصد كرسي الألكسو لخدمة الطفولة»، ليكون أول إنجاز بحثي من نوعه في الشرق الأوسط، برعاية كريمة من اللجنة الوطنية العراقية للتربية والعلوم والثقافة، وبإشراف قامات عربية كبيرة، وبحثي من جامعة ديالى. لقد أجرينا مسوحات ميدانية واسعة على تلاميذ المدارس الابتدائية في العراق، وسوف يصدر قريباً النتاج البحثي الأول للمرصد ليضع أمام صناع القرار رؤية واضحة لواقع الطفل العربي ثقافياً.
* ما المعايير التي تجعل كتاب الطفل قادراً على جذب أجيال اليوم؟
- لعل المعيار الأساسي يكمن في أن يكون الكاتب مؤهلاً معرفياً وجمالياً ليمتلك القدرة على الانتقال من «المسكنات المعرفية» إلى «المكاشفة العلمية». يجب أن يدرك الطفل أن الرموز في لغتنا -كالحيوان- ليست قوالب جامدة، بل هي تعقيدات سلوكية تحتاج لعقل نقدي يتجاوز السطحية.
* ما الدور الذي تضطلع به في معركتك الثقافية من أجل الطفل؟
- «لأعوامٍ خلت، نذرتُ جهدي لمعركتي الأسمى: صياغة عقل الطفل؛ تلك الملحمة التي بذلتُ في سبيلها نفيس الأثمان. إنها ليست نزالاً بالبارود، بل جهادُ وعيٍ يضربُ بجذوره في الصدور.» لقد عملت جاهداً لإنشاء «الشبكة العربية للحساب الذهني»، وهي منصة معرفية تهدف لتطوير القدرات العقلية من خلال مهارات التخيل وتنشيط نصفي الدماغ. كما أعمل بشكل وثيق مع وزارة التعليم العالي العراقية لإطلاق أول دبلوم جامعي لأدب الطفل، والاستعداد جاري لانطلاق أول إذاعة للطفل العربي.
وإنني أتعهد بأن أغدو رحّالةً في مدائن البراءة؛ أطوف من ضفاف النيل إلى رمال نواكشوط، ومن قلب السودان إلى يمن الصمود، وصولاً إلى فلسطين، لنصطف جميعاً في موكب مهيب يغسل جراح أمتنا بسلامٍ وياسمين.
* كيف تتصور مستقبل الطفل العربي ثقافياً خلال العقد المقبل؟
- المستقبل مرهون بقدرتنا على تحويل أطفالنا من مستهلكين للغة العصر إلى خالقين لها.
من المؤكد انه إذا نجحنا في بناء عقولٍ تبرمجها قيم الحق ويوجهها فعل الخير، فستغدو عقولهم هي «الخوارزمية» التي تملي على العالم مساراته. الأمل في جيلٍ يرفض قيود التبعية، ويمتلك أدمغة حرة، صادقة في شعورها، ملهمة في تفكيرها، تدرك أن البطولة الحقة هي الانتصار لإنسانية الإنسان.