الغد
كاميليا انتخابي فرد* - (إندبندنت فارسية) 2026/9/22
يمكن أن يكون ما يسعى إليه الرئيس دونالد ترامب اليوم، استناداً إلى النهج الذي اتبعه ريغان في "حرب الناقلات" في العام 1987، هو ممارسة ضغوط اقتصادية وعسكرية واسعة لدفع النظام الإيراني إلى قبول الشروط الأميركية للتوصل إلى اتفاق. ويكمن الاختلاف بين الجولة الحالية من حرب الناقلات والمواجهات الجارية في الخليج وبين صدامات العام 1987 في أن إيران لم تستخلص العبر من الهزيمة القاسية التي مُنيت بها آنذاك.
يعيد صيف العام 2026 إلى أذهان الإيرانيين القدامى والإيرانيين الذين كانوا شباباً خلال ثمانينيات القرن الماضي أحداث صيف العام 1987 وتصاعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة في مياه الخليج. نعم، أقول "تصاعد الحرب بين إيران وأميركا" لأنه خلال العام الأخير من الحرب العراقية - الإيرانية، ومع دخول الولايات المتحدة مباشرة على خط حرب الناقلات، تغيرت طبيعة الحرب لتتحول إلى مواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
بعدما قرر صدام حسين في خضم الحرب في العام 1984 توجيه هجماته نحو الشريان الاقتصادي لإيران -أي المنشآت النفطية وناقلات النفط- دخل البلَدان مرحلة جديدة من الحرب. وقد عُرفت هذه المرحلة تاريخياً باسم "حرب الناقلات"، التي تُعدّ واحدة من أكبر المواجهات البحرية في العالم. ونظراً لأهمية المنطقة التي يمر عبرها أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية، دخلت أطراف عدة -من بينها الولايات المتحدة- على خط الصراع.
والآن، تمر بنا ذكرى اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية في الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1980، وفي الوقت ذاته، دخلت إيران والولايات المتحدة منذ العام الماضي -بعد مرور 38 عاماً على انتهاء "حرب الناقلات"- جولة جديدة من المواجهة في مضيق هرمز.
كان صدام حسين قد بدأ هجماته العسكرية على المنشآت النفطية الإيرانية بهدف قطع الموارد المالية والاقتصادية عن إيران. وردت إيران بشن هجمات على ناقلات النفط العراقية والأرصفة النفطية في البلد. ولتفادي الهجمات الإيرانية واصل العراق تسيير ناقلاته تحت أعلام دول مجاورة، لكن ذلك لم يمنع إيران من مهاجمتها. ومع دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة، لجأت إيران إلى زرع الألغام في مياه الخليج.
عندما وصلت الحرب إلى هذه المرحلة، وأصبحت مصالح الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي عرضة لخطر جدي، صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 للعام 1987. ودعا القرار إيران والعراق إلى إنهاء الحرب، ورفضت إيران قبوله في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين دخلت الولايات المتحدة بصورة نشطة في المواجهة البحرية مع إيران.
لم يكن النظام الإيراني خلال تلك الأعوام يحظى بدعم فعلي من أي دولة بالمعنى الدقيق. وكانت سورية هي الدولة الوحيدة التي تدعمه، لكنها لم تكن عملياً قادرة على تقديم إمكانات عسكرية ومالية لإيران. وعلى الجانب الآخر، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين وبريطانيا وفرنسا -أي جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن- تدعم العراق. وفي ذلك الوقت، قال الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان إن إيران يجب أن تتعرض لضغوط اقتصادية وعسكرية كي تقبل وقف إطلاق النار.
ومن المحتمل أن يكون الرئيس دونالد ترامب اليوم، استناداً إلى النهج الذي اتبعه ريغان في العام 1987، يسعى إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وعسكرية واسعة لدفع النظام الإيراني إلى قبول الشروط الأميركية للتوصل إلى اتفاق.
ويكمن الاختلاف بين الجولة الحالية من حرب الناقلات والمواجهات الجارية في الخليج وبين "حرب الناقلات" في العام 1987 في أن إيران لم تستخلص العبر من الهزيمة القاسية التي تعرضت لها آنذاك، ووضعت نفسها مجدداً في الفخ ذاته في مواجهة الولايات المتحدة.
وأصف الموقف بالفخ لأن صدام حسين نجح في ذلك الوقت في دفع إيران إلى مهاجمة سفن الدول المجاورة والسفن الأميركية، مما أدى إلى دخول الولايات المتحدة مباشرة في الحرب ضدها. وبعد اصطدام فرقاطة أميركية بلغم بحري نُسب إلى إيران في مياه الخليج في 14 نيسان (أبريل) 1988، قامت الولايات المتحدة بعد أربعة أيام، في 18 نيسان (أبريل)، بإطلاق أكبر معركة بحرية تخوضها منذ الحرب العالمية الثانية ضد إيران.
وشملت العملية في ذلك الوقت تدمير منصات نفطية إيرانية وإغراق زورق "جوشن" وسفن حربية إيرانية. ودخلت الولايات المتحدة هذه العملية البحرية الواسعة بهدف الضغط على إيران لقبول قرار مجلس الأمن رقم 598 والدفاع عن مصالحها الاقتصادية في هذا الممر المائي الحيوي.
ولم تستسلم إيران في ذلك الحين. ولكن في الثالث من تموز (يوليو) 1988، عندما أقلعت طائرة ركاب تابعة لشركة "إيران إير" من بندر عباس متجهة إلى دبي، أصابها صاروخان تم إطلاقهما من الطرَّاد الأميركي "يو أس أس فينسنس"، مما أدى إلى مقتل 290 شخصاً كانوا على متن الرحلة.
وشكلت هذه الضربة القاصمة ومقتل ركاب الرحلة 655 ضغطاً نفسياً هائلاً على النظام الإيراني، وأصبحت العامل الأبرز في دفع آية الله الخميني إلى القبول بقرار وقف إطلاق النار في العشرين من تموز (يوليو) 1988.
في ذلك الوقت، لم تكن لدى إيران القدرة العسكرية والاقتصادية التي تمكنها من مواصلة هذه الحرب مع الولايات المتحدة. والحقيقة هي أن إيران كانت منذ العام 1987 تقاتل الولايات المتحدة لا العراق، وأن وقف إطلاق النار أنهى المواجهة مع الولايات المتحدة وأعاد الأمن إلى ممر عبور "الذهب الأسود"؛ النفط.
والآن، بعد نحو أربعة عقود من انتهاء "حرب الناقلات"، أتاحت قضية البرنامج النووي الإيراني والغموض المحيط بملف تخصيب اليورانيوم مجدداً لإسرائيل فرصة للدخول في حرب مع إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة ودعمها.
صحيح أن إسرائيل لديها خلاف جوهري مع النظام الإيراني، كما هو الحال بالنسبة للشعب الإيراني. لكن الحرب عندما تندلع لا تميز أحدًا، وقد دفع الشعب الإيراني خلال العام الماضي أثماناً باهظة لها.
كان النظام الإيراني هو الذي جلب هذه الحرب إلى البلاد بكل معنى الكلمة. وكان قادة النظام يقولون إنهم استخلصوا الدروس من الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام، وإنهم استثمروا -بسبب العقوبات وعدم امتلاك قوة جوية- في برنامجهم الصاروخي، مؤكدين أن قدراتهم الدفاعية والردعية لا مثيل لها.
أما ما إذا كانت إسرائيل قد حققت أهدافها خلال جولتي الحرب مع إيران أم لا، فذلك يحتاج إلى تحليل منفصل. لكن إسرائيل استطاعت، بالاستفادة من وقائع حرب الناقلات، دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة إيران والانخراط معها في هذا الممر المائي الحيوي بطريقة جعلت إيران، تماماً كما حدث قبل 38 عاماً، تستهدف أولاً سفن الدول المجاورة ثم المصالح الأميركية، لتضع العالم بأسره في مواجهتها بسهولة.
لا توجد دولة أخرى دارت في مثل هذه الحلقة المغلقة كما فعل النظام الإيراني طوال ما يقرب من أربعة عقود منذ انتهاء الحرب، حيث ظلت عداوته مع العالم تدور حول المحور ذاته من الخصومة والعداء.
اليوم، تنفذ الولايات المتحدة عملية تشبه ما فعله ريغان قبل 38 عاماً، وإنما بقدرات عسكرية واستخباراتية أكثر تقدماً وتعقيداً، بدءاً من تصعيد العمليات الهجومية في جميع الجزر الجنوبية لإيران وإغراق ناقلات النفط والزوارق الحربية، وصولاً إلى التهديد بتدمير المنشآت النفطية الإيرانية، وهو تهديد بالغ الجدية.
كانت الولايات المتحدة في العام 1987 قد انتظرت نحو عام إضافي كي توقف إيران عملياتها العسكرية ضد ناقلات النفط، قبل أن تبدأ عمليات هجومية واسعة ومدمرة ودامية. ومن المؤسف أن الشعب الإيراني والبلد يجدان نفسيهما مرة أخرى، نتيجة عدم كفاءة الحكام في إيران، أمام خطر كبير واحتمال تنفيذ الولايات المتحدة عمليات عسكرية شديدة الخطورة بهدف دفع الحكام إلى القبول بالمفاوضات.
ولا تعني العمليات العسكرية وتداعياتها بالضرورة تحرير الشعب من قبضة هذا النظام أو إنهاء معاناته. في الحروب، تنفذ العمليات العسكرية للحفاظ على مصالح الدولة المعادية أو تحقيقها، بينما تعتمد تداعياتها على سكان المناطق المستهدفة بصورة كاملة على الظروف الداخلية.
يسعى ترامب إلى ممارسة أقصى الضغوط من أجل إعادة فتح مضيق هرمز وحسم مصير 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ولا يتردد في استخدام أي أداة فعالة من أجل الخروج منتصراً من حرب حاسمة.
انتهت الحرب العراقية - الإيرانية المدمرة التي استمرت ثمانية أعوام. لكن كلفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإنسانية الباهظة بالنسبة للشعب الإيراني لم تنتهِ قط. ويُكتب التاريخ لاستخلاص العبر وتجنب تكراره، ولا شك أن تاريخ إيران حافل بالدروس.
*كاميليا انتخابي فرد Camelia Fard: صحفية وكاتبة ومحللة سياسية إيرانية، ورئيسة تحرير موقع "إندبندنت فارسية"، ولديها خبرة في الصحافة والإعلام والتحليل السياسي، مع اهتمام خاص بالشؤون الإيرانية والعربية. غادرت إيران إلى الولايات المتحدة في العام 2000، وكتبت مذكراتها باللغة الإنجليزية بعنوان "كاميليا: أنقذي نفسك بقول الحقيقة" Camelia: Save Yourself by Telling the Truth، التي تناولت تجربتها الشخصية في إيران قبل الثورة الإسلامية وبعدها، وما تعرضت له من اعتقال.