الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رمزي بارود* - (كونسورتيوم نيوز) 13/5/2026
على الرغم من الحفاظ على الشراكة التجارية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، فإن العلاقة بين أوروبا وإسرائيل تتجه حتمًا نحو تغيير تقوده المجتمعات المدنية.
في بيان لاذع صدر في 21 نيسان (أبريل)، وصفت "منظمة العفو الدولية" (أمنيستي) الاتحادَ الأوروبي بأنه "رأس الجبناء جميعًا". وجاء هذا التنديد كرد مباشر على الفشل المنهجي للتكتل الأوروبي في قطع علاقاته مع إسرائيل خلال اجتماع "مجلس الشؤون الخارجية" للاتحاد الأوروبي الذي عُقد في لوكسمبورغ.
وعلى الرغم من أشهُر من التحذيرات القانونية، فضّل الاتحاد الأوروبي، مرة أخرى، السلامة الإجرائية على أهمية إنقاذ الأرواح البشرية.
كان الذي قاد الجهود الرامية إلى دفع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقف أخلاقي كتلةٌ ضمت إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا، قبل أن تنضم إليها بلجيكا لاحقًا. واستندت هذه الدول في طرح حجتها إلى أن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل -التي تشكل الإطار القانوني الناظم للعلاقات التجارية بين الجانبين- تقوم أساسًا على "احترام حقوق الإنسان". وبذلك، لا يعني الإبقاء على هذه الاتفاقية في وقت يشهد استمرار الانتهاكات الجسيمة في فلسطين المحتلة سوى جعل المعاهدات التأسيسية للاتحاد الأوروبي نفسها بلا معنى.
كان من شأن قرار كهذا، حتى لو جاء متأخرًا، أن يحقق أثرًا بالغ الأهمية؛ حيث كان سيعيد شيئًا من المصداقية المدمَّرة للاتحاد الأوروبي، ويبعث النقاش حول القانون الدولي من جديد. والأهم من ذلك أنه كان سيمهّد لسلسلة من الإجراءات الملموسة لمحاسبة إسرائيل، ويمنح الفلسطينيين شعورًا حقيقيًا بالأمل.
لكنّ شيئًا من ذلك لم يحدث بسبب ضغوط مارستها ألمانيا وإيطاليا. وكانت هاتان الدولتان بمثابة جدار دبلوماسي واقٍ حمى إسرائيل من أي تبعات.
كان الموقف الألماني منسجمًا مع دفاع برلين المتشدد عن إسرائيل، وهو موقف استمر حتى خلال الإبادة الجماعية في غزة. وقد واصلت ألمانيا، التي كان يفترض أن تكون أبرز المدافعين عالميًا ضد الإبادة الجماعية، مرارًا، توفير الحماية لإسرائيل أمام "محكمة العدل الدولية" وغيرها من المؤسسات الدولية.
وخلال هذه الإبادة، ذهبت برلين إلى مزيد من التشدد، وأصرّت على أن الاتهام الموجه إلى إسرائيل "يفتقر تمامًا إلى أي أساس". وبقي هذا الموقف الصلب على حاله حتى بعد انضمام إسبانيا إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام "محكمة العدل الدولية"، في إشارة إلى تصدع عميق في الإجماع القانوني والأخلاقي الأوروبي.
وهكذا، لم يكن مستغربًا أن ترفض القيادة الألمانية مقترح لوكسمبورغ بتعليق العلاقات التجارية مع إسرائيل، وأن تصفه بأنه "غير مناسب". وقد أصرت، إلى جانب إيطاليا، على ضرورة بقاء الاتحاد الأوروبي في "حوار بنّاء" مع تل أبيب -وهي عبارة أصبحت مرادفًا دبلوماسيًا للتواطؤ.
تقدِّم إيطاليا مثالًا أكثر غرابة. ففي حين تظل حكومة جورجيا ميلوني اليمينية مصطفّة مع المعسكر المؤيد لإسرائيل، جاءت التعبئة الشعبية الإيطالية المناصرة للفلسطينيين لتكون من بين الأقوى في أوروبا. وقد شهدت شوارع روما وميلانو احتجاجات حاشدة وإضرابات عامة تضاهي في زخمها ما شهدته إسبانيا. ومع ذلك، ما تزال ميلوني ترفض الاستجابة لمطالب شعبها، بينما أعلن وزراؤها في لوكسمبورغ أن مقترح تعليق الاتفاقية قد "وُضع على الرف".
يغلب أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد شعر بقدر كبير من الارتياح بعد التصويت، خاصة وأن الاقتصاد الإسرائيلي يرزح حاليًا تحت عبء هائل ناجم عن استمرار الحروب، مع تفاقم عجز الموازنة وارتفاع الإنفاق الدفاعي بصورة غير مسبوقة.
ما يزال الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، حيث تجاوزت قيمة إجمالي التبادل التجاري في السلع بين الجانبين 42 مليار يورو. وتوفّر هذه الاتفاقية شريان حياة اقتصاديًا حيويًا لإسرائيل من خلال الامتيازات التجارية والاندماج في قطاع التكنولوجيا المتقدمة؛ وكان تعليق الاتفاقية سيؤدي إلى إحداث صدمة مالية مدمّرة.
مع كل ذلك، لا ينفي نجاح ألمانيا وإيطاليا في الإبقاء على الاتفاقية قائمة في الوقت الحالي حقيقة أن القطيعة المرتقبة بدأت بالتشكل فعليًا. لكن هذه القطيعة لا تقودها الحكومات، وإنما المجتمعات الأوروبية نفسها. ولن يكون من المبالغة القول بأن علاقة أوروبا بإسرائيل تتجه نحو تحوّل مفصلي.
فقد شرع الانقسام التاريخي بين الداعمين غير المشروطين لإسرائيل، مثل ألمانيا، والدول الأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، مثل إيرلندا، في الانهيار مع تأرجح البوصلة السياسية وميلها نحو فلسطين.
وقد تلقّى المعسكر المتشدد المناصر لإسرائيل ضربة كبيرة مؤخرًا مع التحول السياسي في المجر. مع صعود بيتر ماغيار، الذي تعهّد مؤخرًا بأن تحترم المجر مذكرات التوقيف الصادرة عن "المحكمة الجنائية الدولية" بحق نتنياهو، تكون إسرائيل قد خسرت أكثر حلفائها موثوقية في استخدام "الفيتو" داخل بروكسل.
[خلال الأسبوع الماضي، اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات جديدة على مستوطنين إسرائيليين متهمين بممارسة العنف ضد الفلسطينيين -وهي خطوة كانت حكومة فيكتور أوربان، سلف ماغيار، تعارضها بشدة].
كل هذا يترك ألمانيا معزولة بصورة متزايدة باعتبارها القوة الكبرى الوحيدة التي تحمي الوضع القائم.
ولم يعد الحديث يدور حول مبادرات رمزية فقط. إننا نشهد كتلة حرجة من الدعم لفلسطين، تترافق مع تحركات مباشرة مثل الاعتصامات الجامعية، والطعون القانونية، والإضرابات العمالية. وقد أفيد في 14 نيسان (أبريل) بأن أكثر من مليون أوروبي وقعوا عريضة رسمية بعنوان "العدالة لفلسطين" تدعو بروكسل إلى فرض عقوبات.
تعكس هذه التحركات ضغطًا متواصلًا قادرًا على التأثير في الأجندات السياسية. وقد أظهرت استطلاعات للرأي أجريت هذا الشهر أن 17 في المائة فقط من المستطلَعين في ألمانيا ما يزالون يرون في إسرائيل شريكًا موثوقًا. وهو ما يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين الرأي العام الأوروبي وحكوماته.
وفي حين تبدو إسبانيا وكأنها تستجيب للمزاج الشعبي، تواصل ألمانيا التصرف في تحدٍّ له.
وتتجلى المواقف الأخلاقية نفسها في النظرة إلى حروب إقليمية أخرى. فقد أظهرت استطلاعات أجريت في آذار (مارس) 2026 أن 56 في المائة من الإسبان والإيطاليين يعارضون أي عمل عسكري أميركي-إسرائيلي ضد إيران. ولم يعد الرأي العام يرى هذه الأزمات باعتبارها أزمات منفصلة، وإنما كجبهات مترابطة لسياسة واحدة فاشلة.
يشكل رفض الحرب جزءًا من رفض أوسع للسياسات العسكرية الإسرائيلية ولانخراط الحكومات الأوروبية فيها. ولا تكتفي التحولات بعزل إسرائيل وحدها، وإنما بدأت تعزل حلفاءها أيضًا. وباستثناء دونالد ترامب واصطفافه الكامل مع أجندة نتنياهو، يبدو أن عصر الكتلة الغربية الموحدة التي تلبي مطالب إسرائيل بلا مساءلة يوشك على الأفول.
بالإضافة إلى ذلك، لم يعد التفسير التقليدي للدعم الأوروبي لإسرائيل -الشعور التاريخي بالذنب تجاه المحرقة- يفسّر سلوك النخب السياسية. ويكمن التفسير الأدق في الإرث الأوروبي نفسه من العنف الاستعماري والتراتبية العرقية.
ومع ذلك، يعود التحول الحقيقي إلى وعي المجتمع المدني وإلى صمود الفلسطينيين الذين نجحوا في تجاوز مُرشِّحات الإعلام التقليدي والتحدث مباشرة إلى العالم. وأصبحت أوروبا تعرف الآن أن ثمة إبادة جماعية قد ارتُكبت. ومن غير المرجح أن تنعكس وجهة هذا التحول الأساسي، مهما حاول بيروقراطيو لوكسمبورغ تأجيل ما لا مهرب منه.
*د. رمزي بارود Ramzy Baroud: كاتب ومؤلف تُرجمت أعماله ونُشرت على نطاق واسع، وكاتب عمود دولي ورئيس تحرير صحيفة "ذا بالستاين كرونيكل". أحدث كتبه هو "الأرض الأخيرة: حكاية فلسطينية" (دار بلوتو، 2018). حصل على درجة الدكتوراه في دراسات فلسطين من جامعة إكستر منذ العام 2015. وكان باحثًا غير مقيم في "مركز أورفاليا للدراسات العالمية والدولية" بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Europe’s Pro-Israel Consensus Is Fraying