الغد-محمد صالح
من يظن أن صناعة المحتوى مجرد ظاهرة شبابية مرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، يغفل عن أحد أهم التحولات الاقتصادية والثقافية في القرن الحادي والعشرين. فما نشهده اليوم ليس توسعاً في وسائل التعبير وأدوات الوصول والتواصل فحسب، بل ولادة قطاع اقتصادي جديد يقوم على إدارة الانتباه البشري بوصفه مورداً نادراً وقابلاً للاستثمار. وفي هذا الاقتصاد لم يعد النفط أو رأس المال المالي وحدهما مصدر القوة، بل أصبحت القدرة على جذب انتباه ملايين البشر والاحتفاظ به مورداً اقتصادياً وإستراتيجياً لا يقل أهمية.
ضمن هذا التحول، لم يعد صانع المحتوى مجرد فرد ينشر مقاطع مصورة أو يلاحق الشهرة الرقمية، بل أصبح فاعلاً اقتصادياً وإعلامياً مستقلاً، قادراً على بناء جمهور، والتأثير في الرأي العام، ولدرجة ما تحريك الأسواق، وتوجيه السلوك الاستهلاكي، بل وخلق فرص عمل ومصادر دخل تتجاوز الحدود الجغرافية. لقد اختصرت المنصات الرقمية المسافة بين الفرد والجمهور، ومنحت الأفراد ما كان حكراً على المؤسسات الإعلامية والترفيهية الكبرى.
ويعكس هذا التحول صعود ما بات يعرف باقتصاد الانتباه، حيث أصبحت المنصات الرقمية تتنافس على الوقت والتركيز أكثر من تنافسها على بيع المنتجات. فالسلعة الحقيقية لم تعد الفيديو أو المقال، بل المستخدم نفسه، وما ينتجه من بيانات وسلوكيات يمكن تحويلها إلى إعلانات، وخدمات، وتوقعات، وأرباح، وحتى معرفة تسهم في هندسة المجتمع وتوجيه الفضاء العام. وهنا تتحول صناعة المحتوى من نشاط إعلامي إلى جزء من منظومة اقتصادية عالمية تعيد تشكيل مفاهيم العمل، ورأس المال، والقيمة.
وفي عالمنا العربي، يحمل هذا القطاع وجهاً مزدوجاً. فمن ناحية، فتح المجال أمام جيل كامل لتجاوز احتكار الإعلام التقليدي، وخلق فرص جديدة لريادة الأعمال، والعمل الحر، وتصدير المعرفة والخدمات الرقمية، وتعزيز الحضور الثقافي العربي عالمياً. لكنه، من ناحية أخرى، كشف اختلالات واضحة؛ إذ تدفع الخوارزميات غالباً نحو المحتوى الأسرع انتشاراً لا الأعلى قيمة، بينما تتركز العوائد في عدد محدود من الحسابات والمنصات، ويظل المنتج العربي معتمداً على شركات أجنبية تتحكم في قواعد الوصول إلى الجمهور والعائدات معاً.
ولذلك فإن القضية لم تعد محصورة في قضية حرية نشر أو تنظيم منصات، بل امتدت لتشمل قضايا تنموية واقتصادية. فصناعة المحتوى أصبحت جزءاً من الاقتصاد الإبداعي، ومنظومة إنتاج للمعرفة، وأداة لبناء رأس المال البشري والقوة الناعمة. أما الاكتفاء بالنظر إليها بوصفها مساحة ترفيه أو تحدياً أمنياً، فهو تبسيط لا ينسجم مع حجم التحول الجاري.
المطلوب اليوم ليس تقييد هذا الفضاء ولا تركه دون إطار، بل بناء سياسة وطنية لصناعة المحتوى بوصفها قطاعًا إنتاجيًا. ويبدأ ذلك بتنظيم اقتصادي يحفز الاستثمار ويحمي الحقوق ويشجع الابتكار، واعتبار المحتوى صناعة إبداعية ضمن السياسات الاقتصادية، وتطوير رأس المال البشري والمهارات الرقمية، ودعم المحتوى العلمي والتقني والثقافي، وتمكين الشركات الناشئة والصناعات الإبداعية عبر حاضنات وصناديق مستقلة، والاستثمار في البنية التحتية والمنصات العربية، وبناء منظومة لحوكمة المحتوى والسيادة الرقمية، حتى لا يبقى المحتوى العربي ينتج القيمة بينما تُستخرج البيانات والعوائد خارج المنطقة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في زيادة عدد صناع المحتوى، ولا التوسع بإنتاج محتوى بلا قيمة، ولا في محاولة السيطرة المركزية على الفضاء الجديد بأدوات القرن الماضي، بل في الانتقال من اقتصاد يستهلك الانتباه إلى اقتصاد يوظفه لإنتاج المعرفة والابتكار والقيمة. وعندها فقط يمكن أن تصبح صناعة المحتوى رافعة للتنمية، لا مجرد سوق جديدة للترفيه، ويغدو الحضور العربي في الفضاء الرقمي شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد مستأجر لمنصات يطورها الآخرون.