عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jun-2026

الذكاء الاصطناعي لا يبكي*رمزي الغزوي

 الدستور

ذات زمن لم يكن بعيدا، بدا المثقف كجمرة في العتمة؛ يتقد ليضيء، ويحترق كي يبقي الأسئلة حية. لم يكن مجرد ناقل للمعرفة أو وسيط بين كتاب وقارئ، وإنما كان شاهدا على الإنسان حين يضل طريقه إلى نفسه، وضميرا يقظا حين تستسلم المجتمعات لراحة الصمت وإغراء القطيع. كانت مهمته أن يقلق اليقين، وأن يوقظ المعنى من سباته كلما أوشك على التحول إلى عادة.
 
اليوم يقف هذا الكائن المرهق على تخوم زمن مختلف. يراقب الذكاء الاصطناعي وهو يتسلل إلى اللغة، ويقتحم المهن، ويعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والإنسان. لا يفعل ذلك بدافع الهيمنة أو النية المسبقة، وإنما لأنه قادر على إنجاز ما كان يحتاج في السابق إلى ساعات أو أيام أو أعوام. وفي عالم يقاس فيه العمق بسرعة الإجابة، وتختزل المعرفة بعدد النقرات، يبدو المثقف كمن يخوض سباقا وفق قواعد لم يضعها.
 
غير أن المشكلة لا تكمن في تفوق الخوارزميات. فالتقنية كانت دائما تتفوق على الإنسان في مجالات محددة. الحاسبة أسرع من العقل في الحساب، والمحرك أقوى من الجسد في حمل الأثقال. ما يثير القلق حقا هو احتمال تراجع ذلك الإنسان الذي كان يقيم في قلب الثقافة نفسها؛ الإنسان القادر على الشك، وعلى التردد، وعلى ارتكاب الخطأ، وعلى تحويل جرحه الشخصي إلى معنى مشترك. فالمعنى لم يولد يوما من الكمال، وإنما من تلك الهشاشة النبيلة التي تجعل البشر أكثر قدرة على فهم بعضهم بعضا.
 
يعرف الذكاء الاصطناعي أشياء لا حصر لها. يستطيع أن يكتب قصيدة عن الحنين، لكنه لا ينتظر أحدا عند نافذة. يستطيع أن يصوغ تقريرا متقنا عن الحروب والمجازر، لكنه لا يسمع ارتجافة أم تبحث بين الركام عن طفلها. ينسق الكلمات بمهارة مدهشة، غير أنه لا يرتبك أمام مأساة، ولا يشعر بثقل الذنب، ولا يختبر الخوف أو الرجاء. إنه عقل هائل الكفاءة، لكنه لا يحمل ذاكرة عاطفية ولا خبرة وجودية.
 
نحن لا نكتب لكي نكرر ما هو معروف، ولا لكي ننافس الآلة في سرعة الاستجابة. نكتب لأن الكتابة فعل إنساني قبل أن تكون مهارة لغوية. نكتب كي نربك السائد، ونوقظ الأسئلة، ونقاوم ذلك التبلد الذي يجعل الإنسان يتعايش مع القبح وكأنه قدر طبيعي. والمثقف حين يتخلى عن حساسيته الأخلاقية، أو يكتفي بدور المراقب المحايد، يفقد مبرر وجوده قبل أن يفقد جمهوره.
 
الزمن القادم لن يكون للأسرع وحده، ولا للأقدر على إنتاج الكلمات بكميات هائلة. سيكون لمن يحافظ على جوهر إنسانيته وسط هذا الضجيج التقني كله. فالذكاء الاصطناعي قد يكتب سيرتنا بدقة مدهشة، وقد يحاكي أصواتنا وأساليبنا وطرائق تفكيرنا، لكنه لن يعيش يوما واحدا من حياتنا. وحين تنطفئ الشاشات، ويهدأ صخب الخوارزميات، ستبقى قيمة واحدة عصية على الاستنساخ: أن يكون وراء الكلمات إنسان حقيقي يعرف معنى الألم، ويعرف أيضا لماذا يستحق الأمل أن يكتب.