عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Oct-2026

الوقاية من الفكر التكفيري تتطلب بناء مناعة مجتمعية ضد التطرف

 الغد-غادة الشيخ

 تضع أحداث كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، التي أسفرت عن مقتل 9 مواطنين وإصابة نحو 34 آخرين، سؤال الوقاية من الفكر التكفيري في صدارة النقاش العام، ليس من زاوية ملاحقة المتورطين ومحاسبتهم حسب، وإنما من زاوية قدرة المؤسسات المعنية على منع تشكل أفكار تبرر العنف والاعتداء على الآخرين.
 
 
وبينما تمثل الإجراءات الأمنية والقضائية، ضرورة لحماية المجتمع وإنفاذ القانون، تفتح الحادثة نقاشاً أوسع حول دور المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام والفضاء الرقمي والأسرة في بناء مناعة مجتمعية ضد التطرف، ومدى الحاجة للانتقال من المبادرات المتفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة للوقاية والتدخل المبكر وإعادة التأهيل.
هنا، لا يتعلق بإطلاق حملات توعوية إضافية بقدر ما يتعلق بقدرة البرامج القائمة على الوصول للفئات المستهدفة، ومعالجة الأفكار التي تبرر تكفير الآخرين أو استباحة دمائهم، وقياس أثر التدخلات الوقائية، بما يضمن حماية المجتمع من التطرف من دون التوسع في الاشتباه أو المساس بالحقوق والحريات.
وفي هذا السياق، أجمع خبراء تحدثوا لـ"الغد" كل على حدة، على أن مواجهة الفكر التكفيري، تتطلب الانتقال من المعالجة الأمنية اللاحقة إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية المجتمعية، ترسخ قيم المواطنة والعدالة وقبول الآخر، وتعزز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في مواجهة خطاب الكراهية والتعصب.
وشددوا على أن تحصين المجتمع من التطرف، لا يتحقق بإدانة العنف وحده، بل بمعالجة العوامل التي قد تسهم بتغذية الإقصاء والانقسام، وتوسيع مشاركة الشباب، وإرساء ثقافة الحوار والتفكير النقدي، بما يجعل مسؤولية الوقاية مشتركة بين الدولة ومؤسسات المجتمع وأفراده.
مواجهة الفكر التكفيري
أستاذة علم الاجتماع د. نسرين البحري، ترى أن مواجهة الفكر التكفيري لا يمكن أن تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب أيضا بناء مجتمع متماسك يقوم على العدالة والمواطنة وقبول الآخر، بحيث تصبح الوقاية من التطرف مسؤولية مشتركة بين مختلف مؤسسات المجتمع الأردني.
وتؤكد البحري أهمية الانتقال من التعامل مع التطرف بعد وقوع أعمال العنف، إلى بناء منظومة للوقاية الفكرية والاجتماعية المبكرة، تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، بترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتفكير النقدي، وتعزيز قدرة الأفراد على التعامل مع الاختلاف بعيداً عن الإقصاء والتكفير.
وتشير لأهمية دور المؤسسات الدينية في مواجهة خطاب التكفير وترسيخ احترام التنوع الديني وقيم المواطنة، بالتوازي مع تطوير أدوات التوعية الإعلامية لمواجهة التطرف الرقمي، وخطاب التحريض والإشاعات، لافتة إلى أن تعزيز مشاركة الشباب في الحياة العامة، وتوسيع فرص العمل والتطوع، ومعالجة عوامل التهميش وضعف الانتماء، تمثل جوانب مهمة في بناء الوقاية المجتمعية.
وتشدد البحري، على ضرورة تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يسهم في التعامل المبكر مع مؤشرات التطرف، وتطوير برامج التأهيل وإعادة الإدماج الاجتماعي، ضمن مقاربة شاملة لا تقتصر على معالجة النتائج، بل تسعى إلى الحد من العوامل التي قد تسهم في نشوء الفكر المتطرف وانتشاره.
ترسيخ ثقافة المواطنة 
من جهتها، ترى أستاذة علم الاجتماع د. فاديا الإبراهيمي، أن بناء منظومة للوقاية المجتمعية من الفكر التكفيري، يبدأ بترسيخ ثقافة تقوم على المواطنة واحترام الاختلاف وتعزيز الحوار والمسؤولية المشتركة، مؤكدة أن تماسك المجتمع لا يتحقق بإلغاء الاختلافات بين أفراده، بل بقدرته على إدارتها بصورة سلمية تحافظ على وحدته واستقراره.
وتشير الإبراهيمي، إلى أن تعزيز المواطنة يتطلب جعل الانتماء الوطني والمصلحة العامة، أساساً للعلاقات بين الأفراد، بعيداً عن التعصب للهويات الفرعية أو المناطقية أو الدينية أو الفكرية، لافتة إلى أن تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، وتعزيز الشعور بالإنصاف، وتوسيع مشاركة المواطنين في صنع القرار، تمثل عوامل مهمة في الحد من مشاعر التهميش والإقصاء التي قد تستغلها خطابات التطرف والكراهية.
وتؤكد أن مواجهة خطاب الكراهية، لا يمكن أن تعتمد على المنع وحده، بل تتطلب نشر الوعي وتنمية التفكير النقدي، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة والجامعات والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في تعزيز تقبل الآخر، ورفض التحريض، والتمييز بين الاختلاف في الرأي والعداء للآخر. كما تلفت إلى مسؤولية وسائل التواصل الاجتماعي في الحد من انتشار الإشاعات والمعلومات المضللة التي من شأنها تأجيج الانقسامات المجتمعية.
وتشدد الإبراهيمي على أن بناء مجتمع قادر على مواجهة التطرف مسؤولية مشتركة، تتوزع بين الدولة المعنية بترسيخ سيادة القانون والعدالة، والمؤسسات التربوية والإعلامية التي يقع على عاتقها تعزيز ثقافة الحوار، والأفراد المسؤولين عن خطابهم وسلوكهم ومواقفهم تجاه الآخرين.
وتضيف أن التحدي أمام المجتمع الأردني، لا يتمثل بإنهاء الاختلاف، وهو أمر غير واقعي، وإنما في منع توظيفه لإنتاج الكراهية والانقسام، والانتقال من تصنيف الأفراد والحكم عليهم إلى فهمهم والحوار معهم، والبحث عن المساحات المشتركة التي تخدم المصلحة العامة.
وبحسب الإبراهيمي، فإن قدرة المجتمع على مواجهة التطرف ترتبط بمدى احترام كرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ العدالة في العلاقة بين المواطن ومؤسساته، والاحتكام إلى القانون بمعالجة الخلافات، معتبرة أن تحويل التنوع إلى مصدر قوة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، يشكلان أساساً لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
تعزيز القيم المشتركة
فيما تعتبر الخبيرة الإعلامية رولا سماعين، أن حماية وحدة المجتمع الأردني لا تتحقق بإدانة العنف وحده، وإنما تتطلب مواجهة الأفكار التي تغذي الانقسام والكراهية، مؤكدة أن مسؤولية الوقاية من الفكر التكفيري لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع.
وتشير سماعين إلى أن الأحداث الأخيرة تفرض مراجعة أعمق لمفاهيم الثقافة والتعليم والمواطنة، معتبرة أن الثقافة لا تُقاس بالشهادات، ولا التعليم بالخطابات، وإنما تنعكس في طريقة التفكير والخطاب والتعامل مع الآخرين، وفي القدرة على احترام الاختلاف وصون كرامة الإنسان.
وتؤكد أن المواطنة لا تتجزأ، وأن الأردنيين، بمختلف أطيافهم الدينية والاجتماعية، يتشاركون وطناً وتاريخاً ومستقبلاً واحداً، ما يستدعي تعزيز القيم المشتركة التي تحمي المجتمع من الانقسام، وترسخ ثقافة الاعتدال والتعايش واحترام الآخر.
وتشدد سماعين على أن مواجهة الفكر الإقصائي تتطلب أدواراً متكاملة؛ فالمؤسسات الدينية معنية بتفكيك الأفكار التي تبرر التكفير والإقصاء، والمثقفون بمواجهة التعصب، والإعلام بتبني خطاب مسؤول لا يسهم في تأجيج الانقسامات، فيما تتحمل المدارس والأسر مسؤولية ترسيخ قيم الاحترام والمواطنة المشتركة لدى الأجيال الجديدة.
وترى أن التحدي لا يقتصر على التعامل مع تداعيات الأحداث، بل يمتد إلى مراجعة البيئة الثقافية والاجتماعية التي تتشكل فيها مواقف الأفراد من الآخر، مؤكدة أن بناء مجتمع متماسك يتطلب عملاً مستداماً تشترك فيه المؤسسات الرسمية والمجتمعية والأفراد، لأن القيم التي تسود المجتمع تنعكس في النهاية على سلوك أفراده وقدرتهم على التعايش.