عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Nov-2026

في "سجال" النشر والتعليقات.. هل أصبح "الصمت" موقفا بحد ذاته؟

 الغد-تغريد السعايدة

 "سألتزم الصمت.. وأبتعد عن مواقع التواصل الاجتماعي حتى تهدأ الأمور، وأفضّل ألا أكتب شيئا قد يُفهم على عكس ما أقصد". عبارات بدأت تظهر بالتزامن مع تسارع الأحداث، وتضارب المواقف، وتعدد القراءات والتفسيرات، في مشهد لم يعد فيه التعبير عن الرأي أمرا عابرا أو خاليا من الحسابات.
 
 
وبين من اختار الصمت منذ البداية، ومن أعلن انسحابه المؤقت من النقاشات، ومن حذف تعليقا أو ألغى منشورا بعدما وجد أن التفاعلات ذهبت به إلى اتجاه لم يقصده، تتشكل حالة من التردد والحذر في التعبير، خصوصا لدى أصحاب الآراء المؤثرة أو المواقف التي قد تثير جدلا واسعا.
ولم يعد السؤال مقتصرا على ما يريد المستخدم قوله، بل بات يمتد إلى كيفية فهم كلامه، والجهة التي قد تقرؤه، وردود الفعل التي يمكن أن يثيرها، خاصة مع تقارب الأحداث المحلية والإقليمية والدولية وتسارعها، وتداخل المواقف وتبدلها أحيانا، ليصبح الصمت سيد الموقف في نقاشات يصعب التحكم في مسارها، خشية سوء الفهم أو التعرض لهجوم اجتماعي، أو تجنبا لتبعات قانونية محتملة.
ومن خلال متابعة النقاشات الدائرة على هذه المنصات، يمكن ملاحظة أن بعض المستخدمين باتوا أكثر ترددا قبل نشر آرائهم، فيما يختار آخرون التراجع عما كتبوه بعد دقائق أو ساعات، بعدما يجدون أنفسهم أمام تعليقات متباينة؛ بعضها يفسر كلامهم على نحو مختلف، وبعضها الآخر يضعهم في مواجهة مباشرة مع آراء مخالفة.
وقد يجد صاحب المنشور نفسه مضطرا إلى التوضيح والدفاع عن موقفه، رغم أن ما أراد قوله لم يكن يحمل بالضرورة المعنى الذي ذهب إليه الآخرون. وفي محاولة لتجنب اتساع دائرة الجدل أو الدخول في نقاشات لا تنتهي، خصوصا عندما تتحول التعليقات إلى ساحة للمهاجمة أو التشكيك في النوايا، يكتفي بعضهم بمتابعة ما يجري من بعيد.
الخوف من الدخول في دائرة الخلافات
وفي الأردن، تكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية في ظل الأحداث المحلية الأخيرة، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية وما رافقها من آراء متباينة ونقاشات واسعة. فبعض المستخدمين قد يترددون في التعبير عن مواقفهم خشية الدخول في خلافات مع الأصدقاء والمعارف وزملاء العمل، فيما يشعر آخرون بالقلق من تبعات قانونية محتملة.
وترى وعد عمر أن الصمت في مثل هذه الظروف قد لا يرتبط بالضرورة بأي من التفسيرات المطروحة، إذ تلاحظ تراجعا في التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي خلال فترات الحروب والأحداث المؤلمة، إلى جانب تغير طبيعة الموضوعات التي يتناولها المستخدمون.
وتقول إن المشاعر التي تطغى على الإنسان في هذه الظروف، وما يرافقها من قهر وأفكار متضاربة وذهول أمام ما يحدث، قد تترك مساحة واسعة للصمت، حتى مع استمرار الناس في القراءة والكتابة ومحاولة مواصلة حياتهم اليومية وتقبل الواقع أو استيعابه.
كما يرى عارف عبد الكريم أن الصمت على مواقع التواصل قد يكون نابعا من الرغبة في التمهل وصياغة رد يليق بمستوى الطرح، وهو ما قد يصعب أحيانا في ظل تسارع وتيرة الحياة اليومية.
بدوره، يقول يوسف منصوب إن الصمت على مواقع التواصل الاجتماعي قد يكون أحيانا أفضل رد، لما يعكسه من اهتمام واحترام للآخرين، ويسهم في تجنب سوء الفهم والخصومات، فضلا عن إتاحة مساحة للتفكير والتأني قبل التعبير عن الرأي.
وهنا، توضح الأستاذة المشاركة في قسم علم الاجتماع بجامعة مؤتة، الدكتورة نسرين عبد الله البحري، أن الصمت الاجتماعي ليس ظاهرة ذات تفسير واحد، ولا يمكن اعتباره دليلا قاطعا على الخوف أو اللامبالاة أو ضعف الوعي، بل هو سلوك يتشكل نتيجة تفاعل طبيعة الحدث مع خصائص الفرد والبيئة الاجتماعية المحيطة به، ومدى شعوره بالأمان عند التعبير عن رأيه.
تحويل القناعات إلى موضوع للنقاش العام
وتشير البحري إلى أن الصمت في القضايا العامة والحساسة قد يكون استجابة للضغوط الاجتماعية والخشية من الانتقاد أو الرفض أو العزلة، وهو ما تفسره نظرية "دوامة الصمت"، التي تعني تجنب الأفراد إعلان مواقفهم عندما يشعرون بأنها قد تتعارض مع الرأي السائد في محيطهم.
وتبين أن الصمت قد يشكل، في بعض الحالات، نوعا من التكيف الاجتماعي مع بيئة يشعر فيها الفرد بأن التعبير عن رأيه قد تترتب عليه تبعات اجتماعية. فالمجتمع الصحي ليس بالضرورة المجتمع الذي يعلن جميع أفراده مواقفهم على الملأ، بل المجتمع الذي يتيح لهم حرية التعبير أو الاحتفاظ بآرائهم دون خوف من الإقصاء أو التشهير أو العقاب الاجتماعي.
ومن منظور الإعلام الرقمي، يقول استشاري العلاقات العامة والاتصالات واستشارات الأعمال والإعلام الرقمي، بشير مريش، إن الصمت لا يعني بالضرورة اللامبالاة، كما أن متابعة الأحداث لا تعني بالضرورة الرغبة في المشاركة أو التعليق عليها. فبعض الأشخاص يفضلون متابعة الأحداث وفهم تفاصيلها قبل التعبير عن مواقفهم، خاصة عندما تكون المعلومات متضاربة أو تتعلق القضية بموضوع حساس.
ويضيف مريش أن هناك أشخاصا لا يرون في مواقع التواصل المكان المناسب للتعبير عن كل ما يفكرون فيه، أو لا يرغبون في تحويل قناعاتهم الشخصية إلى موضوع للنقاش العام، فيما قد يكون الصمت نتيجة تجارب سابقة جعلتهم أكثر حذرا في اختيار ما ينشرونه.
كما ينبغي التمييز بين الموقف الذي يتخذه الإنسان والموقف الذي يختار إعلانه للآخرين؛ فليس كل ما يؤمن به الشخص مطالبا بتحويله إلى منشور، وليس كل صمت دليلا على غياب الموقف.
بيئات رقمية تفرض ضغطا اجتماعيا
ويلفت مريش إلى أن الحضور الواسع لمواقع التواصل جعل المواقف أكثر ظهورا، لكنه جعل الصمت نفسه قابلا للملاحظة والتأويل أيضا. ففي الوقت الذي كان فيه عدم التعبير يعني غالبا أن الشخص لم يتحدث، أصبح غياب التعليق اليوم يُفسر أحيانا على أنه رسالة بحد ذاته.
ويشير إلى أن بعض البيئات الرقمية باتت تفرض ضغطا اجتماعيا على الأفراد لإعلان مواقفهم، وكأن المشاركة العلنية أصبحت دليلا على الاهتمام أو التضامن أو الانتماء. وقد يبدو الشخص الذي لا يعلق وكأنه يتخذ موقفا مختلفا، حتى لو لم يكن لصمته أي دلالة مقصودة.
ويضيف أن المتابعين قد تتكون لديهم تصورات عن أصحاب الحسابات وتوقعات بشأن آرائهم، ولا سيما إذا كانوا إعلاميين أو شخصيات عامة أو أشخاصا اعتادوا التعليق على الشأن العام. وعندما لا يصدر عنهم موقف في حدث حساس، تبدأ التساؤلات حول أسباب صمتهم، وما إذا كانوا يؤيدون الحدث أو يعارضونه أو يخشون التصريح بآرائهم، أو اختاروا ببساطة عدم المشاركة.
لكن مريش يلفت إلى أن هذه التساؤلات قد تكشف أحيانا عن رغبة الجمهور في الحصول على تأكيد لمواقفه من الآخرين، أكثر مما تكشف عن حقيقة موقف الشخص الصامت. فحق الجمهور في التساؤل لا يعني أن الفرد ملزم بتقديم تفسير لكل ما يختار عدم نشره، كما لا يمكن افتراض مواقف الأشخاص من غياب منشور على حساباتهم وحده.
وفيما يتعلق بدوافع الصمت، يوضح مريش أنه قد يكون وسيلة لتجنب الخلافات والانتقادات والهجوم الإلكتروني، أو الخشية من إساءة فهم الكلمات أو اقتطاعها من سياقها. لكنه قد يكون أيضا اختيارا نابعا من قناعة شخصية بأن بعض القضايا تحتاج إلى تفكير أعمق، أو أن التعبير عن الرأي لا يستدعي بالضرورة إعلانه أمام الجميع.
ويحذر من اختزال الصمت في الخوف أو اعتباره، في المقابل، دليلا على الحكمة والوعي؛ لأن دوافعه تختلف من شخص إلى آخر، وقد لا يكون مرتبطا بموقف محدد من الحدث بقدر ما يعكس رغبة في الخصوصية أو عدم الانخراط في النقاشات العامة.
حماية النفس من الضغوط والجدل
ويشدد مريش على أهمية تغيير طريقة التعامل مع منصات التواصل، وعدم اعتبار الحساب الشخصي سجلا كاملا لمشاعر الإنسان وقناعاته؛ فما يظهر على الشاشة لا يمثل بالضرورة كل ما يحدث في حياته أو كل ما يفكر فيه.
كما يدعو إلى التوقف عن تحويل الأحداث العامة إلى اختبارات للولاء، أو مطالبة الآخرين بإثبات اهتمامهم من خلال منشور أو تعليق، مع ضرورة احترام اختلاف أساليب التعبير. ويبين أن ذلك لا يعني إعفاء الشخصيات العامة من النقاش أو المساءلة عندما تكون هناك مسؤولية مهنية أو مؤسسية تستدعي موقفا معلنا، بل يعني أن يكون الحكم مبنيا على طبيعة المسؤولية وأفعال الشخص وتصريحاته الفعلية، لا على افتراضات تُبنى على صمته وحده.
ومن الناحية النفسية، يرى الاختصاصي في العلاج النفسي وعلاج الإدمان، الدكتور عبد الله أبو دنون، أن الصمت على مواقع التواصل خلال الأحداث المثيرة للجدل لا يمكن تفسيره بوصفه سلوكا واحدا أو دليلا على اللامبالاة؛ إذ قد يكون وسيلة واعية لحماية النفس من الضغوط والجدل، وقد يكون انسحابا دفاعيا يرتبط بالخوف من ردود الفعل أو التقييم السلبي. ويتحدد معنى هذا الصمت وفقا لدوافعه والسياق الذي يحدث فيه، وليس بمجرد الامتناع عن التعبير.
الحساسية المرتفعة تجاه النقد
وعن أبرز الدوافع النفسية التي تدفع الأفراد إلى الصمت، يقول أبو دنون إن الخوف من الانتقاد أو الرفض الاجتماعي يأتي في مقدمتها؛ إذ قد ينظر البعض إلى التعليقات السلبية والتقييم العلني بوصفهما تهديدا لعلاقاتهم الاجتماعية أو صورتهم أمام الآخرين، ويزداد ذلك لدى الأشخاص الذين يعانون القلق الاجتماعي أو الحساسية المرتفعة تجاه النقد.
كما يشكل الخوف من سوء الفهم أحد أسباب الامتناع عن إبداء الرأي، خاصة أن المنشورات المكتوبة تفتقر إلى نبرة الصوت وتعبيرات الوجه التي تساعد على توضيح المقصود، ما يجعلها عرضة للتأويل أو الاجتزاء.
وقد يدفع ذلك البعض إلى تجنب التعبير عن مواقفهم خشية أن يُفهم رأيهم على نحو مختلف، أو أن يتحول إلى موقف يُحاسبون عليه اجتماعيا. ويمثل تجنب الاستقطاب دافعا آخر للصمت، في ظل النقاشات الحادة التي تدفع أحيانا نحو الانحياز إلى أحد طرفين، ولا تترك مساحة كافية للآراء المركبة أو المترددة.
كما قد يختار بعض الأفراد الصمت حفاظا على خصوصيتهم وطاقتهم النفسية، أو تجنبا لتأثيرات محتملة على علاقاتهم الاجتماعية أو أوضاعهم المهنية، فيما يؤدي التعرض المتكرر للأخبار والمشاهد المؤلمة إلى الإرهاق العاطفي لدى البعض، ويحد من قدرتهم على التفاعل والتعبير.
وفي تفسيره لهذه الظاهرة، يلفت أبو دنون إلى نظرية "حلزون الصمت"، التي تفترض أن الفرد قد يتردد في التعبير عن رأيه عندما يعتقد أنه يخالف الرأي السائد، خوفا من العزلة أو الرفض الاجتماعي.
وقد تعزز مواقع التواصل الاجتماعي هذا الشعور، في ظل اتساع الجمهور الذي يمكن أن يطلع على المنشورات، وصعوبة معرفة كيفية تلقي الآخرين لها أو تفسيرهم لمضمونها. كما أن الشعور بوجود إلزام اجتماعي بإعلان الموقف من كل حدث مثير للجدل قد يخلق ضغطا نفسيا إضافيا.
ويصبح التعبير أحيانا مرتبطا بالصورة التي يرغب الفرد في تقديمها أمام الآخرين، بدلا من أن يكون انعكاسا تلقائيا وصادقا لمشاعره وقناعاته. وقد يدفع هذا الضغط بعض الأشخاص إلى الصمت بوصفه وسيلة للحفاظ على استقلالية مواقفهم وحقهم في اختيار ما يعبرون عنه وكيفية التعبير عنه.
ويؤكد أبو دنون أن عدم نشر موقف أو تعليق لا يعني بالضرورة الحياد أو اللامبالاة أو ضعف الوعي؛ فالمشاعر الداخلية لا تتطابق دائما مع التعبير العلني عنها، كما أن الصمت قد يكون خيارا شخصيا مشروعا، لا سيما عندما يفضل الفرد التعبير عن حزنه أو قلقه أو موقفه ضمن دائرة ضيقة من الأشخاص الموثوقين.
وفي المقابل، يوضح أن الصمت قد يستدعي الانتباه عندما يتحول إلى تجنب قهري تحكمه المخاوف، أو عندما يترافق مع قلق مستمر من تقييم الآخرين أو اجترار الأفكار أو تراكم المشاعر من دون وجود قنوات بديلة للتعبير عنها.
كما أن تعميم التجنب على مختلف المواقف الاجتماعية، وتأثر المزاج أو العلاقات اليومية، قد يشير إلى حاجة الشخص إلى الحصول على دعم نفسي متخصص.
والتعبير عن المشاعر لا يشترط أن يكون علنيا أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يكون الحديث مع صديق أو فرد من العائلة أو شخص موثوق وسيلة صحية للتعبير والتخفيف من الضغوط.