عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-May-2026

"قراءة في أوراق حياة الحويك".. ندوة تستعرض إرثا فلسفيا وثقافيا ممتدا

 الغد-عزيزة علي

 استضاف منتدى الرواد الكبار، أول من أمس، ندوة بعنوان "قراءة في أوراق الكاتبة والمفكرة والمبدعة الدكتورة حياة الحويك". وجاءت الندوة لتسلط الضوء على سيرة ومسيرة إحدى أبرز الشخصيات الفكرية العربية التي امتدت تجربتها لعقود من الكتابة والبحث والإنتاج المعرفي، وساهمت في تشكيل حضور فلسفي وثقافي لافت في المشهد العربي.
 
 
وشاركت في الندوة كل من: الإعلامية ريم عبيدات، والكاتبة والباحثة ربى عطية، وأدارتها الدكتورة دلال عنبتاوي، وقدم المتحدثون قراءات متعددة في تجربة الدكتورة حياة الحويك، متناولين أبعادًا فكرية وإنسانية وسياسية وثقافية في مشروعها، وما تركته من أثر في مجالات الفلسفة والترجمة وعلوم الاتصال.
كما تخللت الفعالية مشاهدة فيلم وثائقي بعنوان "حياة الحياة"، من إنتاج قناة رؤيا، استعرض محطات بارزة من حياتها، وأبرز القضايا الفكرية والإنسانية التي انشغلت بها خلال مسيرتها، ليشكل مدخلا بصريا ووجدانيا لفهم تجربتها الغنية والمتعددة الأبعاد.
قالت الإعلامية ريم عبيدات "إن حياة الحويك عطية كانت امرأة "عبرت الحدود دون أن تغادر قضاياها"، ومثقفة آمنت بأن الثقافة موقف أخلاقي، مؤكدة أن الأردن لم يكن في حياتها مجرد مكان إقامة، بل علاقة وجدانية عميقة. وأضافت أن الترجمة عندها لم تكن نقل كلمات فقط، بل "نقل روح ومشروع حضاري وإنساني".
وأضافت عبيدات أن حياة كانت تحمل "ذاكرة أمة كاملة"، ووصفتها بأنها إحدى النساء اللواتي مشين في هذا الشرق "وكأنهن يحملنه على أكتاف الروح".
كما استذكرت عبيدات روحها المرحة، قائلة "إنها كانت تخاطبها دائمًا بعبارة: "أنتِ امرأة كثيرة"، في إشارة إلى غناها الفكري والإنساني، مضيفة أن هذه "الكثرة" كانت مصدر تميزها وإشكالاتها في آنٍ واحد، لكنها شكلت أيضًا سر فرادتها وشخصيتها الاستثنائية.
وتابعت عبيدات معبرة عن علاقتها بحياة عطية، أنها لم تستوعب كيف تجاوزت حياة حدود العمر والمسافة بهذا القرب الإنساني العميق، مشيرة إلى أن علاقتهما لم تكن علاقة أجيال أو مهنة فقط، بل شعور بألفة روحية خاصة، وكأن بينهما معرفة أقدم من الكلام نفسه، أقرب إلى حنين غامض أو أمان داخلي يوحي بأن بعض العلاقات ليست صدفة بل قدر معنوي.
وأضافت: وربما لهذا كانت تُربكني بهذا العمق؛ لأن فيها ذلك البعد الذي رأيته أيضًا في والدتي، بارك الله في عمرها: نساء يحملن الفكرة كما يحمل المتصوف سرّه الداخلي؛ بهدوء يشبه اليقين، وبألم لا يُستعرض، وبكرامة من دفعت أثمان قناعاتها كاملة، ثم تجاوزت ذاتها، فلم تعد تقاتل لتنتصر، بل لتبقى وفية للنور الذي تراه في داخلها".
لهذا، لم أشعر يومًا أن حياة عطية كانت مجرد صديقة، بل بدت كإحدى حارسات الروح العربية القديمة؛ امرأة رأت في الثقافة تهذيبًا للنفس، وفي المعرفة فعلًا أخلاقيًا وإنسانيًا.
وقالت عبيدات "إن حياة عطية دخلت بيتهم من باب الثقافة، ثم تحولت مع السنوات إلى فرد من العائلة، بما حملته من عمق فكري وإنساني ومشروع عربي لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية تقوم على العدالة والانتماء والمعرفة.
وحين أستعيد حياة عطية، أستعيد ابنة حلتا اللبنانية، الزوجة والأم، والصديقة النادرة للأردنيين، وأستعيد معها مشروعًا عربيًا لم يكن شعارًا يُرفع، بل أخلاقًا تُعاش، ومعرفة تُنصف المكان والإنسان معًا. كانت ترى الأمة في تفاصيلها لا في خطاباتها، ولهذا أحبت الأردن كما يحب العارف مقامه؛ لا بوصفه منفى حرب أو محطة عمل، بل وطنًا ثانيًا يدخل في تكوين الروح.
وأضافت: "وقد تجلى ذلك في كتابها "رحلة لاكتشاف الوطن"، حيث لم تكتب الأردن بوصفه جغرافيا معلقة على الخرائط، بل طبقات من المعنى، وردًا معرفيًا على التزوير الصهيوني للتاريخ، وإصغاءً عميقًا لحجارة البلاد وأنفاس ناسها.
وأشارت عبيدات، إلى أن حياة كانت ابنة حقيقية لبلاد الشام، وقالت: "في الدائرة، الذي تشاورت في فكرته ونصه الأول مع والدتي، إلى جانب مثقفين أردنيين وعرب، لم تكتب مسرحًا بالمعنى التقليدي، بل أعادت إنشاد بلاد الشام بوصفها دائرة روح وحضارة وخصب وأساطير ومصائر متشابكة، فجعلت من الشام مسرحًا لهوية تتكسرها الحدود لكنها لا تنكسر.
وتحدثت عبيدات عن حياة المترجمة والإعلامية صاحبة الموقف، فقالت: "في الترجمة، كانت تعرف ماذا تنقل ولماذا. ففي عالم صوفي لم تترجم رواية عن تاريخ الفلسفة فحسب، بل فتحت للقارئ العربي، وخصوصًا الشاب، باب السؤال بوصفه تمرينًا على الحرية.
وفي ترجماتها لأعمال روجيه غارودي، جعلت الترجمة فعل مقاومة معرفية، تُفكك الأساطير المؤسسة للسياسة الصهيونية، وتواجه التزييف بلغة الحجة لا بلغة الانفعال، فكان أثرها ثقافيًا وسياسيًا في آن واحد.
وأضافت عبيدات أن حياة عطية امتدت تجربتها على نحو ستة عقود من الكتابة والبحث والإعلام، وقد صُوّرت أحيانًا كصوت حاد في اللحظات السياسية، لكنها في حقيقتها كانت أعمق من ذلك، إذ لعبت دور الحافظة للذاكرة والمؤرخة للأمكنة والمربّية للأسئلة، مؤكدة أن الثقافة عندها كانت مسؤولية أخلاقية لا تتحول إلى مجرد زخرف، إذا لم تهذب القلب وتوسّع معنى العدالة.
وتابعت عبيدات أن من أجمل ما ميّز حياة قدرتها على الاختلاف دون أن تفقد محبتها للآخرين أو إنسانيتها، مؤكدة أن علاقتها بها بقيت قائمة على احترام عميق وإيمان بأن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا كجزء من رحمة خفية في هذا العالم.
وقالت عبيدات "إنها لا تشعر، وهي تستعيد حياة عطية، بأنها تتحدث عن راحلة، بل عن امرأة تركت أثرًا عميقًا ومستدامًا في الوعي العربي، مضيفة أن تميزها لم يكن في غزارة معرفتها فقط، بل في قدرتها على جعل الآخرين يحبون المعرفة والحياة والناس، إذ كانت ترى الثقافة تهذيبًا للروح لا استعراضًا للعقل.
وخلصت ريم عبيدات، إلى أن حياة الحويك عطية كانت شخصية عربية وإنسانية جامعة، حملت في روحها انتماءات متعددة، وآمنت بأن القومية مسؤولية أخلاقية لا ضيق هوية. وأضافت أن قيمة المثقف عندها كانت تُقاس بقدر الرحمة والالتزام بالحق، وختمت واصفة إياها بقولها: "أنتِ امرأة كثيرة جدًا يا حياة".
من جانبها، تحدثت ربى عطية، ابنة الدكتورة حياة الحويك، عن تجربة والدتها التي تركت إرثًا فكريًا مميزًا، وقدّمت للعالم العربي عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات الفلسفية ذات الطابع الأكاديمي الرفيع.
كما تناولت ربى إسهامات حياة الحويك في تطوير نظرية علوم الاتصال الجماهيري، ودورها في مقاربة الإنتاج المعرفي والثقافي من منظور تحليلي ومنهجي يقوم على أسس نظرية واضحة.
وتطرقت كذلك إلى توجهاتها السياسية ومنطلقاتها الفكرية، التي عكست قراءة شاملة لمراحل مفصلية في تاريخ المنطقة، بدءًا من نكبة فلسطين، مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية، وصولًا إلى غزو العراق، ثم ما عُرف لاحقًا بالربيع العربي.
وأشارت ربى، إلى تأسيس مؤسسة تحمل اسم حياة، تُعنى بالبحث العلمي وتقديم الدراسات، إضافة إلى دعم الشباب وتوجيههم نحو الاهتمام بالبحث والمعرفة، من خلال توفير التسهيلات اللازمة لإنتاج دراسات وأبحاث تساهم في بناء جيل واعٍ، مهتم بالفكر والفلسفة، وقادر على خدمة مجتمعه ووطنه.