"نزهات" المستوطنين المسلحة ليست جديدة.. لكنها تزداد فتكا
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أهارون بوراث*؛ وروعي كلايتمان* –
(مجلة 972+) 26/8/2026
شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة موجة من عمليات القتل وقعت مؤخراً على خلفية رحلات يقوم بها مستوطنون في الضفة الغربية تحت حماية عسكرية، في إطار توسيع الوجود اليهودي على حساب الفلسطينيين.
رحلة "تنزّه" أخرى للمستوطنين، وقتيل فلسطيني آخر. بعد مرور أقل من شهر على الاشتباكات الدامية التي وقعت خارج قرية تِل الفلسطينية، وأسفرت عن مقتل اثنين من الإسرائيليين وأربعة فلسطينيين، خرج المستوطنون في نزهة مماثلة غير مرخّصة يوم الجمعة الماضي، 26 آب (أغسطس)؛ هذه المرة بالقرب من قرية سعير الواقعة في شمال الخليل في الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب روايات فلسطينية، خرج سكان المنطقة للدفاع عن منازلهم بعد أن شاهدوا المستوطنين وهم يدخلون إليها. وقال الجيش الإسرائيلي إن الفلسطينيين رشقوا المجموعة بالحجارة، فاستدعَت إلى المكان منسق الأمن المدني في مستوطنة "متساد القريبة". وعندما وصل المنسق فتَح النار على الفلسطينيين ما أسفر عن مقتل الفتى كريم سند شلالدة البالغ من العمر 17 عاماً، وإصابة فلسطيني آخر بجروح خطيرة.
يشبه هذا الحادث إلى حد بعيد ما وقع في 24 تموز (يوليو) على أطراف قرية تِل، غربي نابلس. هناك أيضاً انتهت "رحلة تنزّه" قام بها مستوطنون إسرائيليون في أطراف قرية فلسطينية بإطلاق إسرائيليين مسلحين النار على سكان فلسطينيين، ما أسفر عن مقتل عدد منهم، بينما قُتل أيضاً مستوطن إسرائيلي وجندي.
قبل بضعة أيام من ذلك الحادث الدامي، كانت قد نُشرت على قناة مجموعة "متنزهو دافيد وأحيكام" على تطبيق "تلغرام" دعوة للقيام برحلة تنزّه في "منطقة حفات جلعاد" -المستوطنة الإسرائيلية الأقرب إلى قرية تِل.
كان من المقرر أن يلتقي المشاركون في الرحلة عند الساعة 4:45 فجراً في مستوطنة "متسبيه يشاي"، حيث يؤدون "صلاة شَحَريت" -صلاة الصباح اليهودية- عند مدخل مستوطنة "هار براخا"، قبل أن ينطلقوا عند الساعة 5:30 صباحاً في مسار يزيد طوله على 15 كيلومتراً.
ثم، بعد ساعات قليلة من بدء الرحلة، تحوّل المسار إلى حمّام دم. لكنها لم تكن المرة الأولى التي يسلك فيها المستوطنون هذا الطريق. ولإدراك ملابسات "رحلة التنزّه" المشؤومة تلك، لا بد من العودة لأكثر من عقد إلى الوراء.
في أيلول (سبتمبر) 2013، نُشر ملخص لرحلة تنزّه سلكت مساراً يكاد يكون مطابقاً، من مستوطنة "هار براخا" إلى "حفات جلعاد"، في موقع مجموعة على "غوغل" باللغة العبرية تحمل اسم "رفاق الرحلات". وجاء في الملخص: "بالقرب من الكوخ الخشبي التابع لمطعم ’براخا أل هاهار‘، اجتمع 101 من المتنزهين -إلى جانب قوة من جنود ’كتيبة شاكيد‘ حضرت لمرافقتهم".
ويشير النص إلى أن منظمي الرحلة كانوا على دراية تامة بأن المسار يمر عبر مناطق زراعية يستخدمها السكان الفلسطينيون المحليون. وجاء في النص: "كانت الوديان الضيقة على طول الطريق مزروعة ببساتين تين مثقلة بالثمار. وكنا نرى هنا وهناك نساء عربيات وأطفالهن يقطفون التين".
وبعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، نُشرت في موقع المنتدى نفسه دعوة أخرى لرحلة تسلك المسار نفسه تقريباً. وكانت الرحلة هذه المرة ليلية يقودها أحد أعضاء مجموعة "متنزهو دافيد وأحيكام".
ومع أن هذه الرحلة أيضاً جرت تحت حراسة عسكرية، دعا منظموها المشاركين إلى الحضور مسلحين. وجاء في الدعوة: "سنكون ممتنين لأي أسلحة يتم إحضارها إلى الرحلة -وخاصة البنادق طويلة الماسورة"، وأضافت: "لا يمكن للمشاركين مغادرة الرحلة بعد انطلاقها".
"حيثما لم تطأ قدم يهودية من قبل"
ليست هذه الرحلات المنظمة من "هار براخا" إلى "حفات جلعاد" -ومنها الرحلة التي انتهت في تموز (يوليو) الماضي بمقتل ستة أشخاص- سوى جزء من أنشطة شبكة واسعة من المجموعات والمنظمين الدينيين والمدارس الدينية والمراكز السياحية التي تنشط في الضفة الغربية منذ سنوات. وقد أخذت هذه الشبكة في السنوات الأخيرة بالتوسع بدعم من الحكومة -بما في ذلك من خلال وضع علامات لمسارات مثل "مسار كيدِم"؛ و"مسارات عبر يهودا والسامرة".
من بين أبرز المنظمات العاملة في هذه الشبكة ثمة ثلاث: "رفاق الرحلات"؛ و"متنزهو دافيد وأحيكام"؛ و"هارغافيم". وتروّج هذه المجموعات لرحلات التنزّه في الضفة الغربية باعتبارها وسيلة لتعمُّد طمس الفوارق بين المناطق (أ)، و(ب)، و(ج)، وكذلك بين المناطق المفتوحة والأراضي الفلسطينية المملوكة ملكية خاصة.
تم تأسيس مجموعة "متنزهو دافيد وأحيكام"، التي نظمَت رحلة تموز (يوليو) الماضي تخليداً لذكرى دافيد روبين وأحيكام أميحاي -وهما جنديان كانا خارج الخدمة عندما قُتلا بالرصاص على أيدي فلسطينيين أثناء تنزههما في منطقة "ناحال تِليم" (وادي القُف، قرب ترقوميا) في العام 2007. وفي مقابلة نُشرت في العام 2017 في موقع الأخبار اليميني المتطرف "هكول هَيِهودي" تحت عنوان "احتلوا الأرض سيراً على الأقدام"، حُدِّد هدف المجموعة على النحو الآتي: "حيثما تطأ قدم المتنزِّه، هنا يمرّ الحدّ".
من خلال رحلات التنزّه هذه، يسعى المنظمون إلى توسيع الوجود اليهودي في الضفة الغربية إلى ما وراء حدود المستوطنات نفسها. وقال مؤسس المجموعة، دافيد سيد، في نفس المقابلة المذكورة: "معظم المستوطنين يعرفون الأسوار والطرق. لكنّ المكان نفسه يمكن رؤيته في ما وراء جبال الظلام، وبالنسبة لـ’دافيد وأحيكام‘ كان الأمر بسيطاً: نحن نعيش هنا، وهذا كله لنا، وعلينا أن نذهب لنتعرف إليه".
وبحسب سيد، لا تهدف هذه الرحلات إلى تغيير عادات تنقّل المدنيين فحسب، وإنما تريد أيضاً إجبار الجيش على تغيير أسلوب عمله. وقال: "كان نهجنا هو التنسيق مع الجيش وإخطاره لتسهيل مهمة توفير الأمن، لكننا لا نطلب إذناً من أحد تحت أي ظرف من الظروف". ووفقاً له، أدت هذه الأنشطة إلى أن "يفهم الجيش أن عليه تأمين مناطق معينة، وأن يكون بإمكان العائلات الوصول إليها بمفردها".
وفي مقابلة أخرى مع الموقع نفسه كانت قد أُجريت قبل ذلك بعامين، أوضح سيد أن "الناس يبدأون، عن طريق هذه الرحلات، في فهم أن أرض إسرائيل لا تنتهي عند حدود المستوطنات والطرق التي نسلكها، وإنما تشمل جميع الجبال والأراضي -حتى تلك التي لا نمر عبرها يوميّاً".
وقال إن الرحلات "تتوجه إلى أماكن لم تطأها قدم يهودية منذ سنوات طويلة جداً -إذا كانت قد وطأتها أصلاً". وبهذه الطريقة، تواصل هذه المجموعات إحياء الروح الصهيونية التقليدية المتمثلة في "معرفة الأرض"، وممارسة "احتلال الأرض سيراً على الأقدام".
تعمل مجموعة "رفاق الرحلات" -وهي الأكبر بين المجموعات الثلاث- بطريقة مماثلة. وينتمي المشاركون فيها أساساً إلى أوساط المجتمع الديني القومي؛ ويُظهر مقطع فيديو يوثق رحلة جرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2024 أن المشاركين كانوا في معظمهم من الرجال -وإن كان بينهم أيضاً نساء وأطفال.
قام بتأسيس هذه المجموعة أميت أرارات وأميت هورن. وهي تَجمَع بين المرشدين والباحثين والمدارس الدينية والعائلات. وتقوم المجموعة بتنظيم رحلات وتعلن عنها في مختلف أنحاء إسرائيل، وكذلك في مسارات داخل الضفة الغربية، بما فيها مسارات يتطلب السير فيها حماية مسلحة وتنسيقاً مع الجيش. وهكذا، لا تكتفي المجموعة بطمس الفوارق السياسية بين المناطق المختلفة، وإنما تعمل أيضاً على طمس الخط الفاصل بين "الخط الأخضر" وما يقع وراءه.
أما "هارغافيم" فمجموعة أصغر حجماً، وهو يتيح لها الوصول إلى مناطق عميقة داخل الأراضي الفلسطينية، وبذلك تمهّد الطريق أمام المجموعات الأكثر رسوخاً وانتشاراً.
في تقرير عن المجموعة نشره موقع الأخبار "عولام كاتان" في نيسان (أبريل) من هذا العام، تم تعريف رؤيتها بأنها "إعادة الأقدام اليهودية إلى كل شبر من تراب أرض إسرائيل". وأوضح أوفر كلارمان، أحد أبرز أعضاء المجموعة، أنهم يسعون للوصول إلى "أماكن أكثر نأياً -أبعد عن التجمعات اليهودية، وأبعد عن الطرق التي يسلكها اليهود عادة".
وعلى سبيل المثال، قال كلارمان عن أحد المسارات: "إنه يعبر في الواقع منطقة شاسعة جداً، تقع بأكملها ضمن المنطقة (أ)، واليهود لا يذهبون إلى هناك فعلياً لأنها تُعتبر منطقة خطرة نسبياً".
وفي ما يتعلق بالجيش، وصف كلارمان نهجاً مشابهاً لذلك الذي تتبعه مجموعة "متنزهو دافيد وأحيكام"، وقال: "نحن لا نطلب تصاريح للرحلة؛ وإنما نبلغهم بها بشكل أساسي حتى لا نضع القطاع في حالة تأهب".
وأوضح عضو آخر أنه عندما يمر المسار بمحاذاة القرى الفلسطينية، تبدأ المجموعة الرحلة "قبل شروق الشمس بنصف ساعة"، وأحياناً بينما يكون الظلام ما يزال مخيماً. وأضاف عضو ثالث: "إننا نبذل جهداً كبيراً حتى لا يرانا أحد... وبحلول الوقت الذي [يدرك فيه الفلسطينيون] ما يحدث، نكون قد غادرنا مُسبقاً".
مع ذلك، شهدت بعض القرى التي تمر هذه الرحلات بالقرب منها هجمات خطيرة من المستوطنين على مدى سنوات، مثل بورين وجيت. ولا يقتصر المشاركون في هذه الرحلات على المستوطنين المقيمين في المنطقة؛ وإنما تنضم إليها أيضاً عائلات من وسط إسرائيل ومن مناطق أخرى في الضفة الغربية. لكنّ التمييز بين متنزّه جاء من القدس بهدف "توسيع الوجود اليهودي"، ومستوطن جاء من أجل "إشعال احتكاك" لا يكاد يكون له أثر يُذكر في الممارسة، كما أظهرت الحادثة الدامية في تل.
بمجرد انطلاق رحلة التنزّه، يكاد يستحيل على الفلسطينيين الذين تقع قرارهم وبلداتهم في مسارها أن يميّزوا بين جندي نظامي، وجندي احتياط، وعضو في قوة أمن إحدى المستوطنات، وعضو في "فريق الاستجابة السريعة" الذي يأتي وفي نيته استخدام القوة المميتة ضد أي شخص يحدده بوصفه تهديداً -وغالباً ما يتجاوز بذلك حدود صلاحياته التي تقتصر على نطاق المستوطنات التي تقع ضمن اختصاصه.
في الحادثة التي وقعت في تل أخيراً، تداخلت هذه الفئات جميعاً خلال ساعات قليلة. وعندما حاول السكان الفلسطينيون صدّ المتنزّهين وإبعادهم عن القرية، حاول بعض الجنود التدخل، بينما اختار آخرون على الفور التصرف بعنف ضد السكان الفلسطينيين؛ كما استخدم أفراد قوات أمن المستوطنة الذين جرى استدعاؤهم إلى المكان، إلى جانب الجنود، القوة المميتة.
وفي خضم الاحتكاك تمكن أحد السكان الفلسطينيين من انتزاع سلاح أحد الإسرائيليين المسلحين، وأطلق من السلاح عدة طلقات. ولم يتضح بعد ما إذا كانت أي من هذه الطلقات هي التي أودت بحياة الإسرائيليين الاثنين، وقيل إن أحدهما قُتل بنيران صديقة. ومع ذلك، كان التأطير الذي قدمته قطاعات واسعة من الإعلام الإسرائيلي حاسماً وخالياً من أي سياق: كانت هذه "عملية إرهابية".
"أحضروا البنادق طويلة الماسورة"
من بين إحدى الأدوات المستخدمة في حفظ المعلومات المتعلقة بمسارات التنزّه في الضفة الغربية ونشرها ثمة "عمود عنان" Amud Anan، وهو منصة تشاركية يستخدمها المرشدون السياحيون والمتنزّهون في مختلف أنحاء البلاد. ويعتمد الموقع "نظام الويكي"، الذي يتيح لأي شخص يستخدمه إضافة مدخلات جديدة وتحرير المدخلات الموجودة مُسبقاً. وكان بناياهو ميلِت، أحد أفراد فريق الاستجابة للطوارئ الذي قُتل في الحادثة قرب تل، قد ألّف عدداً من هذه المدخلات.
يضع مستخدمو المنصة علامات على الينابيع والآثار والمقابر والمواقع المقدسة، والصهاريج، وطرق الوصول، والبوابات. كما يضيفون إليها معلومات تاريخية وأثرية وعملية، وغالباً ما يشيرون إلى مواقع ورد ذكرها في الكتاب المقدس.
إلى جانب أوصاف المشهد الطبيعي، يكشف النص عن الواقع على الأرض كما يراه المستوطنون، حيثُ يُنظر إلى سكان القرى الفلسطينية المجاورة على أنهم مصدر خطر ينبغي التحذير منه، وتتضمن كثير من المدخلات توصيات للمتنزهين بالذهاب إلى المكان المقصود وهم مسلحون.
بالاستناد إلى النقاط المحددة على الخرائط في منصة "عمود عنان"، يمكن تتبع مسار رحلة التنزّه التي انتهت بمقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين. في المدخلين الخاصين بـ"حوربات تسور" و"عين تسور"، على سبيل المثال، يحذّر المؤلفون: "فقط أبقوا أعينكم مفتوحة، لأن قرية عراق بورين تقع فوقنا مباشرة، وسكانها ليسوا من محبي صهيون".
وفي المدخل الخاص بـ"الشيخ أبو جود" -المحطة الرابعة في المسار الذي نشرته مجموعة "متنزهو دافيد وأحيكام"- يذكّر المؤلفون المسافرين مرة أخرى بمدى "أهمية إحضار البنادق طويلة الماسورة"، بالنظر إلى أن "بضعة منازل من قرية [تل] تقع بالقرب من المكان".
كان مما قاله سيد لموقع "هاكول هايهودي": "إنك عندما تخرج في رحلة تنزّه، تكتشف أن المنطقة ليست مخيفة"، وأضاف: "إن أرض إسرائيل ترحّب بالمتنزّهين". لكنّ المنشورات المتداولة داخل المجموعات نفسها تُظهر أن القدرة على اختبار المنطقة بوصفها آمنة ومفتوحة -مع تجاهل سكان الأماكن التي تجتازها هذه الرحلات- تعتمد على منظومة واسعة من القوة، والتي تشمل الأسلحة النارية التي يحملها المستوطنون المدنيون؛ والمرافقة العسكرية الوثيقة التي تتعامل مع الجيش باعتباره شركة أمن خاصة مكرّسة لخدمة المتنزّهين؛ ومنسقي الأمن المدني في المستوطنات؛ وفرق الاستجابة السريعة التابعة للبؤر الاستيطانية الرعوية والمستوطنات المحاذية لمواقع التنزّه.
بالنسبة لمنظميها، تشكل هذه الرحلات وسيلة لتحويل الأماكن القليلة التي ما يزال الفلسطينيون يتمتعون فيها بقدر من حرية الحركة إلى مسارات يصبح فيها وجود المستوطنين أمراً اعتيادياً.
في البداية، تصل مجموعة صغيرة -إما مسلحة أو مصحوبة بمرافقة حماية أمنية. وبعد وصولها، كما يقول أفرادها، يعرفُ الجيش أن المنطقة "تحتاج إلى تأمين"، ثم قد تبدأ لاحقاً مجموعات منظمة وعائلات في الوصول إليها أيضاً. ويتم تداول المسار داخل المجموعات، وتحديده على منصة "عمود عنان"، ودراسته من جانب المرشدين والمتنزّهين؛ وبعد سنوات، يصبح جزءاً من البنية التحتية الراسخة لحركة الإسرائيليين في المنطقة.
أما بالنسبة للسكان الفلسطينيين، فإن المسار يخترق صميم حياتهم نفسه: فهو يمر بالقرب من منازلهم، وعبر بساتين زيتونهم التي اعتنوا بها على مدى أجيال ويعتمدون عليها في كسب عيشهم؛ وبين البساتين التي يزرعونها؛ وبالقرب من الينابيع التي يسقون منها حقولهم وقطعانهم؛ وعلى مقربة من المقامات التي يقدسونها.
وتشير المدخلات المنشورة على صفحة "عمود عنان" إلى أن المتنزّهين يدركون كل ذلك. إنهم يعرفون مَن يستخدم المياه؛ ومن يزرع الأرض؛، ومن يغلق الحوض؛ وأين طلب أصحاب الأراضي من الزوار عدم الدخول.
ينتهي كتاب رجا شحادة الصادر في العام 2008 بعنوان "مسارات فلسطينية: ملاحظات عن مشهد آخذ في الاختفاء" بمواجهة متخيلة بين شخص الكاتب وبين مستوطن إسرائيلي.
يسأل المستوطن: "من أين أنتَ"؟ وعندما يجيبه شحادة: "من رام الله"، يرد المستوطن: "كنت أشك في أنك عربي، لكنني لم أكن متأكداً. العرب لا يتنزهون".
يتفاجأ شحادة ويسأله: "كيف تعرف ذلك؟ هل تعرف كثيراً من العرب؟" فيجيب المستوطن، كما هو متوقع: "لا. لا أعرف أياً منهم على الإطلاق". فيسأله شحادة: "وإذن، كيف توصلت إلى هذه النتيجة"؟ فيرد المستوطن: "من مجرد مراقبة أهل القرية القريبة. لا أراهم أبداً يتنزهون أو يجلسون بالقرب من الماء". فيقترح الكاتب: "ربما لأنهم خائفون"؟
"ولماذا ينبغي أن يخافوا"؟
"بسببك".
"بسببي؟ مني؟"
"نعم. ألست تحمل بندقية"؟
"أتمنى لو أنني لا أحملها. إنها ثقيلة وتشكل عبئاً عليّ. ولكن كما قلت، لا بد لي من حملها".
ويكتب شحادة: "لم أستطع منع نفسي من القول، ساخراً -ولو أني ندمت على ذلك في الحال تقريباً: ’أفترضُ أنّ عليك أن تفعل‘. فيرد المستوطن: "ماذا تقصد"؟ فيجيبه شحادة: "لكي تحمي الأرض التي استوليت عليها منا".
يزعم المستوطنون أن رحلات التنزُّه هي وسيلتهم للتعرف إلى الأرض والتعبير عن حبهم لها. لكن الحب لا يُعبَّر عنه بسلاح مُشهر. وليست الرحلات في حقيقتها أنشطة ترفيهية بريئة، وإنما أداة لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً وإقليمياً، وتعميق شعور الفلسطينيين بانعدام الأمان في بيوتهم وعلى أرضهم.
في هذا السياق، تصبح رحلة التنزّه فعلاً سياسياً بكل معنى الكلمة، يؤدي وظيفة حاسمة ضمن عملية تطهير عرقي مستمرة منذ زمن طويل.
*أهارون بوراث Aharon Porath: صحفي وباحث يركز على الاقتصاد والتكنولوجيا من منظور حقوق الإنسان. يكتب في موقع "لوكال كول"، وهو عضو في فريق الأبحاث في منظمة "بتسيلم"، ويقدم المشورة للناشطين والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان بشأن العملات الرقمية.
*روي كلايتمان Roei Kleitman: مربٍّ ومؤرخ وناشط. وهو مؤسس "همدراشا ها-إيمونيت" وأحد قادة "اليسار المؤمن" و"بني إبراهيم"، ويعمل على تعزيز الخطاب الديني-الإنساني والعدالة الاجتماعية في إسرائيل.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Armed Israeli settler ‘hikes’ aren’t new — but they’re becoming deadly