الدستور
وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئًا.. كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَّمام ِ - المتنبي.
في اليوم الأخير من الشهر الماضي، هدّد الرئيس ترامب بضرب إيران «بقوة شديدة»، معلنًا أن هذا التهديد جاء بعد اختفاء أنظمة الرادار والقيادة الإيرانية بالكامل نتيجة الضربات الامريكية حسب تعبيره. وما إن صدرت تصريحاته حتى انهارت أسعار المعادن النفيسة، وارتفعت أسعار النفط، وأصدرت السفارة الأمريكية تحذيرات لرعاياها في المنطقة، وعشنا برعب حتى خُيّل إلينا أن نهاية العالم قد اقتربت.
غير أن الرئيس ترامب عاد، بعد يومين فقط، ليلغي تنفيذ الضربة، مبرّرًا قراره بتلقّيه اتصالات عديدة من قادة المنطقة طالبوه فيها بعدم المضي فيها، وبأن إيران رجته أن يعود الى طاولة المفاوضات. لكن طهران سارعت إلى نفي هذه الادعاءات نفيًا قاطعًا، مؤكدةً، بملء الفم، أنها عارية تمامًا من الصحة.
قد يُفهم من هذه التصريحات والأحداث أن الولايات المتحدة تحاول تبرير تراجعها بالرغبة في إفساح المجال أمام العودة إلى طاولة المفاوضات، إلا أن المشهد قد يكشف عن حقيقة أخرى أكثر اقناعا، وهي أن واشنطن لم تعد قادرة على مواصلة التصعيد، وأن إيران تدرك ذلك جيدًا وتتصرف على هذا الأساس.
يمكن استخلاص استنتاجات عديدة مما جرى عقب تراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربتها، من أبرزها أن منظومتها الدفاعية باتت تعاني حالة من الإنهاك والتراجع، بعد الضربات المتكررة التي وجّهتها إليها طهران. ويعزّز هذا الاستنتاج أن إيران أصبحت، في الآونة الأخيرة، صاحبة المبادرة في مهاجمة القواعد الأمريكية التي تنطلق منها طائرات التزوّد بالوقود، وهي الطائرات التي لا تستطيع الولايات المتحدة، من دونها، تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد إيران.
ويُضاف إلى ذلك استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية، وتدمير عدد من بطاريات الدفاع الجوي، الأمر الذي يوحي بأن ميزان السيطرة في الأجواء قد بدأ يميل، إلى حدّ كبير، لمصلحة إيران.
يراقب حلفاء الولايات المتحدة ما يجري بقلق متزايد، بعدما باتوا يدركون أن واشنطن لم تعد قادرة على توفير الحماية التي لطالما وعدتهم بها، وأن إيران أصبحت، في نظرهم، تشكّل خطرًا أكبر مما كانت عليه قبل الحرب. ويضاف إلى ذلك ما خلّفته هذه الحرب من ضغوط اقتصادية ثقيلة على المنطقة والعالم، نتيجة المغامرة الأمريكية في إيران.
ولم يعد خافيًا على أحد أن الولايات المتحدة لم تعد تتفاوض من موقع قوة، بل باتت تتراجع وهي غارقة في حالة من الإنكار والتخبّط والتردد، وفي محاولات إخفاء خسائرها وتشتيت قواتها. وفي المقابل، حقّقت إيران ما لم يتمكن كثير من خصوم الولايات المتحدة من تحقيقه؛ فلم تعد المنطقة خاضعة بالكامل للنفوذ الأمريكي، بل تحوّلت إلى ساحة نفوذ متنازع عليها.
ونتيجة لذلك، أصبحت شرعية الوجود الأمريكي ودوره في المنطقة موضع تساؤل متزايد، ولعل هذا التحول هو أخطر ما أفرزته هذه الحرب من نتائج هذه اللحظة.